اسمه على رأس قائمة الاغتيالات التي أعدها الجيش الاسرائيلي، والمحكمة العليا طالبت بتسليمه لمحاكمته وشيمون بيريز في أول لقاء له مع عرفات طالب بابعاده الى ايلات. مروان البرغوثي الملقب بزعيم الانتفاضة، وأمين سر حركة فتح في الضفة الغربية، حديثه مثل حديث كل المناضلين مملوء بالحيوية والتفاؤل والاصرار، عباراته واضحة لا تحمل تأويلا أو تفسيرا، يحمل أيضا قلبا رقيقا شاعرا عندما يتحدث عن وطنه والاستقلال المنشود، ويؤكد أن فجره سيبزغ العام المقبل، وحاسما عندما يصف عام 2002 للإنتفاضة بأنه سيكون صعبا وقاسيا وداميا، ورائعا عندما يتناول المخططات التي تستهدف حياته، ليؤكد ببساطة أن روحه ليست أغلى من روح أي شهيد فلسطيني طفلا أو رجلا أو امرأة قدموا أرواحهم من أجل وطنهم، وقويا وشجاعا حين يؤكد أنه لن يجلس في المكاتب خوفا من الاغتيال، وأن أعظم ما في الانتفاضة التلاحم بين قياداتها وجماهيرها. هذا الرجل بهذه الخلفية خص «البيان» بالحوار التالي: ـ ماذا حققت الانتفاضة للشعب الفلسطيني، وما هي حسابات الربح والخسارة بعد عام؟ ـ الأمور في العمل النضالي لا تقاس بهذه الطريقة ولنبحث أولا كيف نشأت الانتفاضة؟ الانتفاضة ولدت من مخاض ظروف بالغة التعقيد.. احتلال مستمر، واستعمار بأبشع صوره وتهويد المشروع السياسي للتسوية، ومحاولة فرضه على الشعب الفلسطيني وارغامه واجباره على التنازل عن حقوقه المشروعة والتي أكدتها الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن. من أهم ما قدمته الانتفاضة هو تصحيح مسار التسوية حيث أثبتت الانتفاضة أن المفاوضات لا قيمة لها إذا لم تستند الى فعل نضالي على الأرض يضع للمفاوض سقفاً لمطالبه لا يجوز التنازل عنه ويجبر الطرف الآخر على احترام حقوقه. الانتفاضة أثبتت قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود، وأستطيع أن أطلق على عام الانتفاضة الأول «عام الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني». واذا لم تفعل الانتفاضة سوى تحقيق الوحدة الوطنية بين كافة القوى والفصائل الفلسطينية لكان ذلك انجازا كافيا، لقد أصبح الكل تحت برنامج سياسي واحد وهدف سياسي واحد هو انهاء الاحتلال والاستيطان، وحق العودة للاجئين وعودة كامل الأراضي المحتلة بعد 1967 واقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس ولا أحد يستطيع أيا ما يكون أن يتنازل عن هذا السقف الذي حدده الشعب الفلسطيني، كل القوى الوطنية والاسلامية تشترك في هدف واحد وتتفق على أن الانتفاضة هي السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف. الانتفاضة أدت الى إحياء المشاعر الوطنية لدى عرب 48 الذين احتشدوا في المسجد الأقصى بزعاماتهم احتجاجا على زيارة شارون، وفجروا انتفاضتهم تضامنا مع انتفاضة غزة والضفة، ودفعوا أرواحهم 13 شهيدا، وأخيرا خرج من بينهم الاستشهادي الذي قام بعملية التفجير الأخيرة. أيضا على مستوى العالم العربي، أثبتت الانتفاضة أن هذه الأمة لديها مخزون نضالي وقادرة على النضال على مستوى الشارع والمؤسسات النقابية والطلابية كانت هناك حركة وطنية مساندة للانتفاضة، وعلى مستوى الأنظمة دفعتهم الى عقد القمة العربية لمرتين في عام واحد، وهم الذين فشلوا في عقدها على مدى أربع سنوات بل وبسببها اتخذ قرار بدورية انعقاد القمة سنويا. وعلى المستوى الدولي وضعت الانتفاضة القضية الفلسطينية في أول اجتماعات العالم، وأثبتت أنه بدون حل قضيتنا لا استقرار في المنطقة، وأقنعت العالم بأن ما يجري على أرضنا هو احتلال بكافة أشكاله. ـ كيف أثرت الانتفاضة على الدولة الاسرائيلية؟ ـ مشروع الاحتلال خاسر بلاشك سواء على الصعيد السياسي أو الأمني أو البشري 220 قتيلا اسرائيليا في عام رقم كبير، خاصة اذا قورن بكل خسائر اسرائيل في الأرواح في مواجهاتها في السنوات الماضية. «ملحوظة: على مدى 22 عاما قتل للاسرائيليين 1500 شخص أثناء احتلالها للبنان». اسرائيل لا تقوى كثيرا على الخسارة في الأرواح.. الانتفاضة أفقدت الاسرائيليين شعورهم بالأمن الشخصي الفردي أو الجماعي. وبدأت الهجرة المعاكسة «بعض الأرقام تقول مليون اسرائيلي غادروا البلاد في الأشهر الماضية من يناير الى يوليو 2001». ولأول مرة ننجح في تاريخنا في شل حركة الاستيطان عشرات المستوطنات غادرها سكانها وأصبح لدى المستوطنين قناعة بأن ليس لهم مستقبل، وأصبحوا عاجزين حتى عن استخدام الطرق الالتفافية التي صنعتها لهم دولة الاحتلال، وأضحينا نحن الذين نستخدمها، وعلى الصعيد الاقتصادي تكبد الاقتصاد الاسرائيلي خسائر ضخمة 20 مليار دولار، وأغلقت عشرات المصانع، وانكمش الاستثمار، وشلت حركة السياحة.. الانتفاضة فعلت الكثير في الكيان الاسرائيلي، وبالرغم من أن الاقتصاد الفلسطيني مني بخسائر ضخمة حوالي 7 مليارات دولار، والشعب يخضع لسياسة تجويع وحصار لم يشهدها التاريخ من قبل إلا أن الانتفاضة أثبتت قدرتنا على الصمود والتصدي لأننا أصحاب قضية أستطيع أن أسمي عام الانتفاضة الماضي، بعام الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني. لن نقبل خديعة أمريكا ـ أخشى أن أحداث ـ نيويورك وواشنطن ـ تؤثر بالسلب على الانتفاضة كما فعلت أحداث الخليج الثانية؟ ـ نحن ندرك ونتفهم الضرورات والمتغيرات الدولية في أعقاب ما حدث ولكن يجب ألا تكون الانتفاضة هي الضحية لذلك لدينا قلق حقيقي من محاولة أمريكا واسرائيل لضرب الانتفاضة مستغلين تلك الأوضاع، أمريكا تكذب وتخدع، وتحاول أن تعطي انطباعا أنها تريد حل الأزمة، وتضغط تكتيكيا على اسرائيل، ولكننا لن نقبل الخديعة الأمريكية. ـ ماذا جرى بعد وقف اطلاق النار وما الذي جاء به لقاء بيريز ـ عرفات سوى التنسيق الأمني؟ ـ 53 شهيدا فلسطينيا منذ اعلان وقف اطلاق النار!! الاسرائيليون يتحدثون عن فك الحصار بعد لقاء بيريز وعرفات، والحصار يشتد على كل المناطق «الفلسطينية». والدبابات تسد الشوارع ونوافذ البيوت أكبر رد على هذا الكلام مظاهرات الفلسطينيين بالآلاف في ذكرى الانتفاضة، ليعلن الشعب الفلسطيني تمسكه بالانتفاضة. ان أي لقاء سياسي بين الفلسطينيين والاسرائيليين يجب أن يكون على خلفية واحدة، هي جدول عمل للانسحاب من الأراضي الفلسطينية وإنهاء الاحتلال. لا يوجد وقف اطلاق نار على الأرض، ولا يوجد تنسيق أمني في اطار استمرار العدوان، الحديث عن التنسيق الأمني بمثابة جريمة في حق الشعب الفلسطيني، وأثق في أنه لاأحد من الشعب يقبل العودة للتنسيق الأمني.. إنهم يحاولون دفن الانتفاضة، 700 شهيد و27 ألف جريح وتجويع وحصار وعقاب جماعي ل4 ملايين فلسطيني، بالدبابات والطائرات، والصواريخ، هل من الممكن أن نقل أن يذهب كل ذلك هباء ونعود للمربع واحد. نحن لانريد لقاءات بيريز، التي لاطائل من ورائها. لا يمكن التفاهم مع حكومة الارهابي شارون، إن الذي يبحث عن سلام معها كمن يبحث عن ابرة في كومة قش إنه يركض وراء سراب، لااتفاق ولا سلام مع شارون. وقاحة بيريز ـ سمعنا أن بيريز طلب في لقائه بعرفات تسليمك من أجل محاكمتك على تدبيرك لضربات ضد الاسرائيليين. ـ بل طلب ابعادي الى ايلات ـ وضحك بسخرية وقال: أعتقد أن مذكرة اعتقالي والمطالبة بتسليمي وقاحة اسرائيلية، لأنني أعيش في مناطق السلطة الفلسطينية وأنا عضو مجلس تشريعي فلسطيني منتخب، والمحكمة الاسرائيلية لا دخل لها بي، وأعتقد أن هذا محاولة للتغطية القضائية المظهرية على جريمة يخططون لها مستقبلا. ـ تقصد اغتيالك ـ أنا على قائمة الاغتيالات ولكني قلتها دائما أرواح الكوادر والقيادات الشعبية ليست أغلى من حياة أي فلسطيني شيخ أو شاب أو امرأة أو طفل قدم حياته دفاعا عن حق وطنه في الاستقلال. ولن ترهبنا الاغتيالات ولن نبتعد عن جماهيرنا خوفا من القتل، لأن الانتفاضة لا تدار من المكاتب وأعظم ما فيها التلاحم بين قياداتها وجماهيرها. ـ كيف ترى مستقبل الانتفاضة وسط هذه الأحداث؟ ـ أرى الانتفاضة مستمرة وهي خيار الشعب الفلسطيني الوحيد وأطالب بضرورة تكاتف العالم العربي والاسلامي لدعم الانتفاضة، لأن دعمهم يعتبر شرطا أساسيا لاستمرارها وأن لاينضم أحد للتحالف إلا اذا كان على رأس جدول الأعمال حل القضية الفلسطينية وفق ما قررته الشرعية الدولية. ويجب حماية الانتفاضة على المستوى الدولي والعربي وليعتبر الجميع أن هذه مسئوليتهم القومية والدينية والأخلاقية، وأوجه حديثي للأخوة العرب يجب أن تتحول الانتفاضة في عامها الثاني الى خيار عربي، وليرفع القادة العرب صوتهم ويقولوا للأمريكان: إذا كنتم جادون في محاربة الارهاب ابدأوا برأس الارهابي.. شارون.. وأن يرفضوا أن توضع مقاومتنا المسلحة المشروعة من أجل الحرية في خانة واحدة مع الارهاب. وسوف تؤثر الأحداث الجارية على الانتفاضة مؤقتا ولكنها لن تستطيع وأدها. وأنا أرى أننا استطعنا أن نهز أركان الاحتلال واستيطانه في العام الماضي، وسيشهد العام الثاني من الانتفاضة بزوغ فجر الاستقلال وبداية انهاء الاحتلال، وسوف يكون عاما قاسيا وصعبا وداميا ووبالا على الاحتلال. ـ هناك انتقادات للانتفاضة، أنها لم تصبح نقطة انطلاق لتحول جذري في المجتمع الفلسطيني والنظام السياسي له؟ ـ نحن نعمل على تطوير الانتفاضة، وتعزيز المشاركة الشعبية.. لتكون أوسع وأشمل، وكل شهر يشهد تطورا عما سبقه. ـ دعوت من قبل الى تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية تشارك فيها كل القوى والتيارات، ولكننا لم نسمع أية استجابة لهذه الدعوة؟ ـ الكثير من التيارات توافق على هذا الاتجاه، وسوف نعمل في العام المقبل على الدفع في هذا الاتجاه في ظل الانتفاضة من حق الشعب الفلسطيني بكل فصائله أن يشارك في صنع القرار السياسي. سنجبرهم على الانسحاب ـ البعض يقول أنه لا يوجد برنامج عمل للانتفاضة وأن المطروح دعم الصمود فقط؟ ـ دعم الصمود أهم شئ في الوقت الحاضر وهدف الانتفاضة واضح.. الاسرائيليون يشعرون الآن في قرارة أنفسهم أنه لا يمكن استمرار الاحتلال، بل هناك أصوات اسرائيلية خافتة دعت الى الانسحاب من الأراضي المحتلة بعد عام 1967 لتنهي هذه الحياة الصعبة التي شعر بها الاسرائيليون في العام الماضي، قتلى وجرحى، وغياب الشعور بالأمن والاستقرار، ولكن الغالبية منهم لا يريدون الاعتراف بذلك، والعقلية الفاشية لاتتعلم من التاريخ، ولكننا سنجبرهم على التعلم. ـ من الصعب أن نتحدث عن الانتفاضة ولا نذكر أطفالها الشجعان الذين أذهلوا العالم وأبكوه في ذات الوقت.. ماذا فعلت الانتفاضة بأطفال الفلسطينيين؟ ـ خلقت جيلا وطبيعة خاصة ليس كمن سبقه من أجيال.. روحه مختلفة، إحساسه مختلف، أنا لا أجرؤ أن أقول لأبني «14 عاما» لا تخرج لمواجهة العدو.. هذا الجيل ليس أمامه سوى هدف واحد إنهاء الاحتلال وأن يحيا حياة طبيعية على أرضه المستقلة، حقيقة الانتفاضة خلقت جيلا جديدا وروحا جديدة ورؤية جديدة. ـ ما هي صورة أو ملامح العام الثاني من الانتفاضة؟ ـ أعتقد أن العام الثاني بالضرورة يجب أن يشهد تغيرات في البنية السياسية، وفي تعزيز الجبهة الوطنية والاسلامية وفي تطوير شكل وطبيعة النظام بما يكفل مشاركة أوسع لكل الفلسطينيين. ونتطلع أن يكون برنامجنا للصمود وتعزيزه على الصعيد الرسمي والشعبي مدعوما من الدول العربية والاسلامية.. الانتفاضة هي شجرة الاستقلال غرسناها منذ عام ورويناها بالدماء وبالأرواح، وسنظل نرويها حتى تؤتي ثمارها، ويبزغ منها نور الفجر. محمود درويش يقول: على هذه الأرض ما يستحق الحياة وأنا أكمل، وعلى هذه الأرض ما يستحق التضحية بالحياة. القاهرة ـ نجوى العايدي: