يبدو الأمر في ضوء ما يحدث في أفغانستان وكأنه لعبة شطرنج معقدة بين موسكو وواشنطن في آسيا الوسطي، ذلك ان دخان الانفجارات وغبار المعركة الدائرة لابد أن ينقشع ذات يوم، وحين يحدث ذلك سوف ينتظر العالم مغادرة القوات الأمريكية «لقواعدها» في أوزبكستان وطاجيكستان، الا ان هذا الانتظار سيطول كثيرا، لسنوات ربما أو لعقود كاملة. إنه أمر مشابه لما حدث في حرب الخليج، فلا تزال هناك قواعد في تركيا، وتواجد مكثف في مياه الخليج وبحر العرب، إذ من قال ان الأمريكيين يخرجون اذا دخلوا؟ وحين يهدأ الضجيج وتخفت هذه الجلبة، حين تنتهي الحرب على نحو أو آخر، سينظر العالم إلى آسيا الوسطى فإذا بها غير آسيا الوسطى التي عرفناها، لقد كان قدر هذه المنطقة ان تخرج من قبضة الدب الروسي في 1991، الا ان السنوات التي أعقبت هذا التحول التاريخي كانت فحسب فترة انتقالية عابرة، إذ تدحرجت الكرة بعد ان سقطت من السلة السوفييتية، ومضت على درب التاريخ بتمهل، لتسقط مرة أخرى ولكن في حفرة الجولف الأمريكية هذه المرة. فهل يمكن افتراض ان روسيا لم تكن تدرك ذلك حين أعلنت تأييدها للحملة الأمريكية في أفغانستان، انه افتراض ساذج بطبيعة الحال، فحيث اننا على بساطتنا ادركناه، فلابد ان موسكو قد ادركته بدورها على نحو أعمق وأكثر دقة، ولكن المشكلة التي واجهها الكرملين في سبتمبر الماضي تلخصت في انه اكتشف مدى تقلص خياراته، ومدى ضيق هامش المناورة المتاح أمامه، على الأقل في هذه اللحظة بالذات، وهكذا فقد قرر الموافقة على المبادرة الأمريكية بشن الحرب على أفغانستان، ثم محاولة تحجيم الخسائر الاستراتيجية الروسية التي ستتلاحق في المرحلة المقبلة على ساحة آسيا الوسطى، وكان هذا في واقع الحال هو البدء الرسمي لمباراة الشطرنج بين الدولتين الكبيرتين على تلك الساحة، وأغلب الظن انها مباراة ستمتد لسنوات طوال، وستحفل بنقلات على درجة كبيرة من الدهاء والتعقيد. في 23 سبتمبر الماضي تحدث الرئيس الأمريكي جورج بوش هاتفيا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لفترة طويلة، ما رشح عن هذه المكالمة في تقارير واشنطن تلخص في ان بوش ابلغ نظيره الروسي بأن واشنطن «مصممة» على اقتلاع جذور الارهاب من أفغانستان، وانها تضع معيارا واضحاً ومحدداً لعلاقتها مع أي دولة أخرى في هذه المرحلة الدقيقة، ذلك هو معيار مدى الاستجابة لطلب الولايات المتحدة بالتعاون في انجاز تلك المهمة. وطلب بوتين من جورج بوش ضمانات بألاتبقى القوات الأمريكية في المنطقة لفترة طويلة، فرد الرئيس الأمريكي قائلا انها مواجهة طويلة قد تمتد لسنوات، وانه لا يستطيع ان يعد بذلك «إذ قد نضطر الى البقاء لفترة أطول مما نريد، ولكن علينا ان نظل هناك حتى ننهي مهمتنا». والأمران ذاتهما اللذان ذكرهما بوش في محادثته التاريخية مع بوتين تكررا مرارا في كل خطابات بوش التالية التي كان يخاطب من خلالها اطرافا دولية عديدة منها روسيا بطبيعة الحال، فقد قال بوش ان الخيارات هي إما معنا أو مع الارهاب، اي اذا لم تقف موسكو في صف الجهود الأمريكية في آسيا الوسطى فانها ستعد في الجهة الأخرى، كما قال الرئيس الأمريكي ـ مراراً أيضاً ـ ان الحرب هي حرب طويلة الأمد، ويعني ذلك فيما يخص موسكو ان عليها الا تنتظر اي جلاء للقوات الأمريكية عن المنطقة في فترة مبكرة. ولم يكن بوسع روسيا ان تضمن ان اتباعها السابقين في طاجيكستان أو أوزبكستان سيرفضون طلبا أمريكيا بوضع قوات البنتاجون في هذين البلدين، أوزبكستان لديها علاقات قوية بلندن وواشنطن حتى يقال انه لا شيء يحدث هناك دون موافقة البريطانيين، والرئيس الطاجيكي اسلام كاريموف في جيب الغرب بصفة عامة، من جهة أخرى فان طاجيكستان تعد بدورها أحدى أفقر دول العالم بعد قرابة العقد الكامل من الحرب الأهلية الداخلية التي دمرت كل شيء ذي قيمة في اراضيها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وكانت «النقلة» الأمريكية الأولى هي: «سنذهب الى اسيا الوسطى في كل الأحوال، سواء قبلت موسكو أو رفضت، ولكننا سنضع أمامها الخيارين دون أن يكون لقرارها المتوقع قيمة عملية، فإذا رفضت فإن ذلك يعني انها ليست معنا ولكن مع الارهاب، ويعني ذلك بدء الضغط على أنابيب القروض والمعونات التي يقدمها الغرب لموسكو حتى الآن، أما إذا قبلت، فلا بأس من كلمتي اشادة بحكمة القيادة الروسية، وبعد نظر صديقي فلاديمير، كما يحلو لجورج بوش ان يقول. وكان خيار «صديقي فلاديمير» الذي أعلنه في اليوم التالي هو القبول بطبيعة الحال، فقد قطعت كل محطات التلفزيون الروسية بثها المعتاد في 24 سبتمبر لتعلن ان الرئيس بوتين سيلقي كلمة، وفي الكلمة ـ كما نقلتها أجهزة الإعلام الأمريكية ـ قال الرئيس الروسي ان بلاده ستدعم واشنطن في حملتها العسكرية ضد الارهاب. وانهالت عبارات الثناء على الرئيس الروسي من لندن وواشنطن، بوش قال «ان صديقي بوتين يعرف ان زمن الحرب الباردة قد ولى»، وتوني بلير قال «انها بداية حقبة جديدة في العلاقات بين الغرب وموسكو» وفاضت أحاديث الخبراء الأمريكيين في شاشات التلفزيون في الولايات المتحدة عن هذا العصر الجديد الذي ترقص فيه موسكو وواشنطن معا. الخطاب الملغوم ولكن الجميع نسوا فيما يبدو قراءة خطاب بوتين بتمعن، لقد كان الخطاب حافلا بالألغام التي شاء الرئيس الروسي ان يضعها وهو يقبل ـ بمرارة لا شك فيها ـ التواجد العسكري الأمريكي على أرض كانت تابعة لروسيا قبل سنوات، ولاتزال تجاور حدودها الجنوبية على نحو مقلق. ففي خطابه ذلك قال بوتين ان روسيا تمد الولايات المتحدة، وستواصل امدادها، بكل المعلومات التي لدينا حول البنية التحتية للارهابيين وحول مواقعهم، ثانيا اننا على استعداد لاتاحة مجالنا الجوي للطائرات التي تحمل معونات انسانية الى منطقة العمليات العسكرية ضد الارهاب، ثالثا لقد اتفقنا على ذلك مع حلفائنا بما في ذلك جمهوريات آسيا الوسطى، واضاف بوتين في مقطع آخر من خطابه «ان الحرب ضد الارهاب مهمة دولية، ونحن واثقون من امكانية حسمها في أفغانستان خلال فترة وجيزة يعود بعدها الاستقرار لهذه الدولة التي عانت كثيراً». وسوف نترك هنا خبيرا روسيا مرموقاً هو بافل فليجونهور يحلل عبارات بوتين، ففي محاضرة ألقاها في مركز واشنطن «انتربرايز انستيتيوت» في مطلع اكتوبر قال فيلجونهور ان خطاب بوتين الذي اعتبرته اجهزة الاعلام هنا أي في واشنطن انتصارا لسياسة الولايات المتحدة هو في واقع الأمر ضربة للولايات المتحدة، لقد أشار الرئيس الروسي الى ان موسكو تأمل ان تحسم العمليات خلال فترة وجيزة يعود بعدها الاستقرار، أي يصبح التواجد العسكري الأمريكي في الاقليم غير مبرر من الزاوية الموضوعية، فضلاً عن ذلك فإن موافقته على فتح المجال الجوي الروسي لطائرات الاغاثة الانسانية لم تحدد ان هذه الطائرات ستكون أمريكية، وواقع الحال ان موسكو أبلغت واشنطن بعد ذلك بأنها ستسمح بعبور طائرات الاغاثة بافتراض ان تلك الطائرات تحلق في اطار هيئة دولية للمعونة الانسانية، بعد هذا تأتي اشارة بوتين الى موافقة حلفائنا، وهو أمر يعني ان روسيا توافق على التسهيلات العسكرية التي ستمنحها طاجيكستان وأوزبكستان للولايات المتحدة، ووضع الأمر على هذا النحو يعني ان موافقة روسيا على هذه التسهيلات هي شرط حدوثها، إلا ان روسيا لا تقبل بمعاملات ثنائية منفردة بين واشنطن وكل من طاجيكستان وأوزبكستان. ويقود هذا الى افتراض ان هذه التسهيلات، التي تمت بالاتفاق بين موسكو وحلفائها بما في ذلك جمهوريات آسيا الوسطى، ستعد لاغية اذا أعلنت روسيا انها لا توافق على استمرارها، لقد صاغ بوتين الأمر على نحو يبقي في يده مستقبلا حق التصرف. ومواصلة متابعة محاضرة البروفيسور فيلجنهور توضح ان موسكو قبلت فحسب بمايفيدها، أو انها بالاحرى حاولت استخلاص اكبر فائدة ممكنة من الموقف، أما الأجزاء التي لم تستطع رفضها بسبب ضيق ذات اليد، فإنها وافقت عليها بشروط، اي مع الاحتفاظ بحق رفضها مستقبلاً. العامل الشيشاني وتتضح الفائدة التي حاول بوتين استخلاصها من النقاط التالية: ـ خلال حرب موسكو ـ التي لم تنته بعد ـ في الشيشان كانت دول حلف شمال الاطلسي تتحدث بين الفينة والأخرى عن التجاوزات الروسية لحقوق الانسان في الشيشان، ولا يزال هناك من يعتقدون في أوساط العسكريين الروس ان المجاهدين الشيشان كانوا يتلقون عونا خارجيا، من باكستان على وجه الحصر، ينقل اليهم عبر أفغانستان، كما ان الجميع يعرفون ايضا ان المجاهدين الشيشان احتفظوا بعدد من القواعد في مناطق شمالية خاضعة لسيطرة طالبان في أفغانستان، وهي القواعد التي قصفتها الطائرات الأمريكية في أول يومين من أيام الغارات الجوية على أفغانستان وذلك بعد ان طلب الروس قصفها مقابل «موافقتهم» على امداد واشنطن بالمعلومات التي لديهم عن القاعدة وطالبان. وتعزز تقارير أمريكية ما ذهب اليه الخبير الروسي في محاضرته عن ان استياء موسكو البالغ من محاولة الغرب استخدام ورقة الشيشان لاطلاق الروس قد ظهر واضحا في الأيام الأولى من الأزمة الراهنة، ويقول فيلجونهور ان الرئيس بوتين حصل من جورج بوش على تعهد بدعم جهود روسيا في مرحلة لاحقة لاخماد «التمرد» في الشيشان وذلك بعد ان اتفق الرئيسان على ان الوقت الراهن ليس وقتاً ملائما لحل تلك الأزمة، وان من المهم حسم الوضع في أفغانستان أولاً. ـ ارتبطت موسكو دائماً بعلاقات وطيدة مع بعض فصائل تحالف الشمال، خصوصا قوات الأوزبك التي يقودها الجنرال دوستم، وكان الروس دائما يرون في طالبان خصما عنيداً تسبب في انتشار حالة من القلق داخل الجمهوريات الروسية السابقة، بل وداخل روسيا نفسها عن طريق دعم المقاتلين الشيشان. وحيث ان الولايات المتحدة ـ التي ساعدت في الأصل في اتاحة الفرصة أمام نمو طالبان وسيطرتها على مقاليد الأمور في أفغانستان ـ قد قررت الآن قصف طالبان وتغيير الأوضاع في أفغانستان، وهي مهمة لم يستطع الروس القيام بها، فلماذا يمكن ان ترفض موسكو عرضاً مثل هذا؟ ـ ويصب امداد اجهزة المخابرات الأمريكية بمعلومات كافية عن مواقع الارهاب وبنيته التحتية في القناة ذاتها، بعبارة أخرى يسهل ذلك قيام الأمريكيين ـ بالنيابة عن موسكو ـ بما يريده بوتين بالضبط، ان خصومة «القاعدة» مع الروس، لاسباب تاريخية وشيشانية، هي خصومة معروفة، فاذا رغب الأمريكيون في تصفية القاعدة، فهم «على العين والرأس» في موسكو، سيصفق لهم الروس ويمدونهم بالمعلومات وبكل ما تيسر. وهكذا رأينا هذا التتابع «المسلي» من النقلات على لوحة شطرنج في آسيا الوسطى، الأمريكيون يقولون لموسكو: ساعدونا وإلا اعتبرناكم في الجهة الأخرى، وفيما كانت واشنطن تقول ذلك كانت الاتصالات الأمريكية مع طاجيكستان وأوزبكستان تمضي على قدم وساق، ورد الروس: نساعدكم على ان تقوموا بما أردنا نحن دائما القيام به ولم نتمكن، أما بشأن طاجيكستان وأوزبكستان فنحن نسمح لكم ـ بما لا نستطيع منعه على أي حال ـ شرط أن يدرك الجميع ان ذلك تم بموافقتنا، وانه سينتهي حين نسحب هذه الموافقة. نقلات متتابعة إلا ان واشنطن ـ من جهتها ـ وبعد الاشادة الضرورية بما قاله «صديقي بوتين» قامت بعدة نقلات متتابعة تدعو الى الدهشة، أحد أهم هذه النقلات هي انها أبلغت تحالف الشمال بصورة واضحة وصريحة بأن دخول كابول «ممنوع»، أي ان الولايات المتحدة لن تسمح لقوات هذا التحالف باقتحام كابول، أو باستغلال فرصة القصف الأمريكي لقوات طالبان للتقدم نحو العاصمة الأفغانية. ولعل تحليل العمليات العسكرية ـ على الخارطة ـ وحل ألغاز الاهداف التي قصفتها الغارات الأمريكية في أفغانستان سيفيد كثيرا في فهم السياق السياسي لما يحدث، والجانب المتعلق باللعبة الروسية ـ الأمريكية على ساحة تلك المنطقة الحافلة بالآلام. ويمكن وضع أهم ملامح تحليل القصف الجوي الأمريكي ـ خلال أسبوعه الأول ـ في عدد محدد من النقاط: ـ لم تتعرض الضربات الأمريكية العنيفة للدفاعات الأرضية التابعة لطالبان حول مدينة كابول، بعبارة أخرى أبقى الأمريكيون على قوات طالبان التي تحيط بكابول كما هي وقصروا قصفهم على الدفاعات الجوية للحركة، اي على قصف المطارات والطائرات ومحطات الرادار ومواقع الصواريخ أرض ـ جو. ولهذا في واقع الأمر مغزى عميق، إذ ان واشنطن كانت حريصة على الاحتفاظ بضمانة تمنع تقدم قوات تحالف الشمال نحو كابول، وهو بدقة الأمر الذي تريده موسكو. فضلاً عن ذلك فإن واشنطن طلبت من تحالف الشمال تجنب استخدام طائراته بسبب «خضوع المجال الجوي لأفغانستان للقوات المسلحة الأمريكية»، وفسر الأمريكيون هذا الطلب بأنه رغبة في تجنب اعتبار طائرات تحالف الشمال ـ عن طريق الخطأ ـ طائرات معادية ومن ثم اسقاطها، وقال الأمريكيون ان بناء تنسيق عسكري مع قوات تحالف الشمال هو أمر صعب في المرحلة الراهنة، وان على قوات التحالف ان تحصر حركتها في مناطق الشمال والوسط التقليدية في مواجهتها مع قوات طالبان وذلك دون طائرات، ودون كابول. تم ذلك ـ كما أوردنا ـ على نحو لم يتمن الروس حدوثه، ذلك ان موسكو تعلم جيدا ان أفغانستان تظل جدارا سميكاً يحول دول ان تلعب روسيا دوراً مؤثراً في جنوب آسيا، وخصوصاً بالضغط على باكستان وابتزازها ربما وذلك بمساعدة هندية. بل ان هناك من يقولون ان باكستان، حين أسهمت بحماس في تأسيس وتسليح حركة طالبان، كانت تهدف الى احباط جهود روسية ـ هندية تسعى الى تجزئة باكستان ذاتها، ويعني ذلك كله ان واشنطن، بتدخلها في أفغانستان، حرصت على ان تبقى الخطوط واضحة: لاسيطرة لتحالف الشمال على كابول، ولا دخول لقوات ذلك التحالف الى العاصمة الأفغانية، وانما سعي لتشكيل حكومة عريضة أولاً، ووضعها «جاهزة» في كابول عند سقوط العاصمة عسكرياً. ولابد ان ذلك تم ايضا حرصاً على موقف باكستان من العمليات العسكرية الأمريكية، إذ لم يكن بوسع باكستان ان توافق على ان يقوم الأمريكيون بخلع طالبان من كابول ووضع أشخاص من نوع الجنرال دوستم، والمؤكد ان اسلام آباد جعلت من ذلك أمراً واضحاً أمام الأمريكيين قبل ان تبدأ العمليات العسكرية في أفغانستان، وتعين على واشنطن في تلك اللحظة ان تختار بين الحرص الباكستاني على وجود حكومة غير معادية ـ ان لم تكن صديقة ـ في كابول، وبين رغبة روسيا في وصول تحالف الشمال الى كابول، ولم يتردد الأمريكيون كثيرا، إذ اختاروا الجانب الباكستاني لانه ببساطة يتفق مع رؤيتهم المستقبلية لدورهم هم أنفسهم في آسيا الوسطى. مثلث المتاعب ذلك ان واشنطن تخشى بصورة خاصة ما يسمونه في واشنطن بمثلث المتاعب، اي روسيا والصين والهند، وفي الماضي كانت الخلافات الروسية ـ الصينية تضمن قدرا من التشرذم بين المكونات الاستراتيجية الأساسية في آسيا، فقد دعمت الصين إسلام آباد، فيما وقف الروس بجوار نيودلهي، اما الآن فقد بدأت ملامح تقارب روسي ـ صيني يسببب قلقا بالغاً في واشنطن تظهر تباعاً خصوصاً منذ بداية العام الجاري، اي العام الذي بدأت فيه واشنطن تمارس ضغطاً أحمق وغير مفهوم على بكين. المهم هنا هو ان الوسط المحيط بأفغانستان من الوجهة الاستراتيجية كان يؤثر بدوره على خيارات واشنطن بشأن هذا البلد المنكوب بكافة أنواع الكوارث الطبيعية والسياسية، ولم يكن من الصعب توقع ان تحاول واشنطن كسب ما يمكن كسبه من روسيا دون منحها ما تريد، أو بالأحرى دون منحها كل ما تريد، فبينما يسعى الأمريكيون الى تدمير القاعدة وكافة منطلقات المجاهدين الشيشان، وهو أمر طيب بالنسبة لروسيا كما أوضحنا، فإنهم لن يسمحوا لتحالف الشمال بحكم كابول وحده على نحو ما حدث في اتفاقية 1992 التي أدت الى كوارث لا حد لها، وكانت هذه الاتفاقية هي التي أثمرت عن تشكيل حكومة رباني دون تواجد حقيقي ومؤثر للباشتون، ودون تواجد لقوة عسكرية أساسية موالية لباكستان، وما لبث الأمر ان ادى الى تقاتل مكونات تلك الحكومة، وتدمير العاصمة، ثم سقوطها واستيلاء طالبان عليها عام 1996. الملمح الثاني من ملامح القصف الأمريكي في أسبوعه الأول جاء حين اختارت الطائرات الأمريكية معسكرات الحركة الاسلامية الأوزبكية في منطقتي كندوز وبلخ، كان الهدف هو تصفية اسس الحركة واغتيال زعيمها جمعة نامانجاني الذي يكفي ذكر اسمه لارعاب المسئولين في أوزبكستان، ولكن لحساب من تم قصف كندوز وبلخ؟ ويتعزز السؤال عند ملاحظة ان اليوم الثالث من أيام القصف نال من قيادة الحركة الاسلامية الأوزبكية في منطقة جورتب، أما في اليوم الرابع فقد قصفت موقعا قيل ان نامانجاني يختبئ فيه وذلك في منطقة دشت شور، وهكذا أصبح سؤال «لحساب من؟» أكثر إلحاحاً. المنطقي هنا افتراض ان اسلام كاريموف طلب من الولايات المتحدة قصف هذه المواقع لحساب الحكومة الحالية في أوزبكستان، وليضع أي منا نفسه مكان كاريموف .. يأتي الأمريكيون فيقصفون أكثر خصومه شراسة، ثم يعدونه عسلاً ولبناً من قروض صندوق النقد والبنك الدوليين ومن المعونات الأمريكية، لم يفعل الروس هذا أبداً، ويعني ذلك ان كاريموف لن يتردد طويلاً في اختياراته، بل ان التحليل الشائع في واشنطن يشير الى ان الرئيس الأوزبكي «سعيد للغاية» بوجود الأمريكيين لانهم سيدعمون موقفه في علاقاته مع موسكو، وهي علاقات اتسمت دائماً بالتوتر خصوصاً في مضمار اقتسام موارد النفط في بحر قزوين. النقلة الساخرة كانت «نقلة» ساخرة بحق على لوحة الشطرنج تلك التي فعلها الأمريكيون في أيام القصف الأولى، ذلك ان الطائرات الأمريكية لم تكن تقصف أفغانستان، بل كانت تقصف العلاقات الأوزبكية ـ الروسية، وبموافقة من؟ .. بموافقة موسكو، لقد ضحك الجميع عند قراءة أسماء مواقع القصف، فقد بدا واضحا ان واشنطن تعتصر قطعة الاسفنج حتى قطرتها الأخيرة، بعبارة أخرى بدا ان واشنطن تتحرك اليوم وهي تخطط للمستقبل، وهذا أمر نادر في العاصمة الأمريكية، إلا إذا كان يتعلق بثروات نفطية هائلة، وبسعي نحو امتلاك مركز آسيا الاستراتيجي، اي أفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى. ـ الأمر الثالث هو ان واشنطن بدأت تعد على عجل معونة عسكرية واقتصادية عاجلة لطاجيكستان وذلك فور بدء أزمة أفغانستان الراهنة، وواقع الحال ان كسب طاجيكستان الى صف ما يسمى بالتحالف الدولي لم يكن أمرا صعباً، فهذا البلد يعد أحد أفقر دول العالم رغم انه يمتلك ثروة هائلة من الغاز الطبيعي، ولكن توتر الأمور في آسيا الوسطى، وعدم استقرار أوضاع أفغانستان، جعل الأمريكيين يفضلون التريث في استخراج هذا الغاز حتى تتبدل الظروف. وجاء 11 سبتمبر كمناسبة وكأنها هدية غير متوقعة، فقط ان امكن استثمارها أمريكياً من الزاوية الاستراتيجية بحكمة وتعقل، أي إذا أمكن تحديد الأهداف الاستراتيجية المطلوب تحقيقها بعناية، والأهداف واضحة الآن، تغيير الوضع في أفغانستان، محاولة اخراج الهند من المعادلة الأفغانية عن طريق حل قضية كشمير، ذلك ان ضغط باكستان على الهند في كشمير يؤدي الى ضغط الهند على اصدقاء باكستان في أفغانستان، اي على طالبان، عن طريق دعم تحالف الشمال، انشاء قواعد عسكرية «دائمة» في أوزبكستان وطاجيكستان، بالاضافة الى التواجد الأمريكي في كازاخستان، ومن ثم الامساك بقلب آسيا، والتحكم بالتالي في مسار العلاقات بين مثلث القلق اي الصين وروسيا والهند، ويجب الاشارة هنا الى ان افغانستان تشارك الصين في منطقة حدودية محدودة، وان واشنطن، اذا تمكنت تدريجيا من توسعة تواجدها العسكري في افغانستان، ستحظى بما لم تحظ به أبداً من قبل، اي قاعدة عسكرية ذات حدود أرضية مشتركة مع الصين. موسكو حائرة لابد ان موسكو تقف الآن حائرة أمام هذه النقلات الأمريكية المتتابعة، ولابد ان بحثها ـ غير المجدي حتى الآن ـ عن اي فوائد يمكن ان تحققها من الوضع الراهن لقطع الشطرنج يزيد من حيرتها كثيراً، وذلك رغم ان الروس يحتفظون دائماً ببطولة العالم في الشطرنج، وقد اتضحت هذه الحيرة حين سئل الرئيس بوش في مؤتمره الصحفي الأخير عما اذا كان «تعاون» روسيا مع الحملة الأمريكية في أفغانستان يعني ان واشنطن ستعيد النظر في مشروع درع الدفاع الفضائي المضاد للصواريخ الباليستية، وقال بوش انه لايعتقد ذلك لان هذه المبادرة الدفاعية مفيدة للجميع، بل قال الرئيس الأمريكي ان احداث 11 سبتمبر تزيد من أهمية تنفيذ هذه المبادرة الدفاعية لمواجهة احتمالات حصول الارهابيين على صواريخ باليستية .. الأمريكيون ـ حقاً ـ يعتصرون الاسفنة حتى نقطتها الأخيرة، إذ من كان يتخيل ان هجوم 11 سبتمبر سيعد مبررا لتطوير الدرع الفضائية اياه، بل ولإشراك روسيا في الرد على الهجوم الارهابي، مع مواصلة التمسك بالأمر الذي يقلقها أكثر من غيره، اي ذلك الدرع الفضائية. ولكن لم لا؟ هامش المناورة أمام موسكو في هذا الوضع المعقد محدود للغاية، على الأقل في المدى القصير، أما في المدى الأبعد فإن محاولة فرض «واقع» استراتيجي جديد في وسط آسيا رغم أنف الروس، وضد ابجديات مصالحهم الاستراتيجية، لابد ان يفضي الى تساؤلات عن احتمالات استقرار الوضع في أفغانستان بعد مرور عام أو عامين، أليس من الوارد مثلاً ـ حين ترى روسيا انها تخسر ما لايمكن تحمل خسارته في تلك المنطقة ـ ان تعود الى دس اصابعها في الشقوق العرقية الأفغانية؟ ثم أليس من الممكن أن تبدأ «مشروعاً استراتيجياً» جديداً لزعزعة الأوضاع في أوزبكستان؟ لم تنفذ تماما النقلات الروسية على لوحة آسيا الوسطى بعد كل ما حدث حيث ان الأمريكيين بدأوا المباراة بعد 11 سبتمبر وباستغلال تبعاته وقوة الدفع التي منحها لمخططاتهم الاستراتيجية في تلك المنطقة، بعدد من النقلات العاصفة القوية المتتابعة التي تجعل اي مراقب يلهث حقاً، الا ان المباراة لا تزال في بدايتها.