بدأت الحكاية بتصريح للرئيس الأمريكي جورج بوش عن موافقته لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، والعمل على حل القضية الفلسطينية، وتلا ذلك بتصريح شديد اللهجة لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون يتهم فيه دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف إلى جانب العرب على حساب إسرائيل، مشبهًا ذلك ما فعلوه مع بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 عندما ضحوا بتشيكوسلوفاكيا لصالح هتلر لإرضائه، وأعلن شارون أنه لن يسمح بذلك وأن إسرائيل ستفعل كل شيء من أجل أمنها وحماية نفسها، وترفض موقفهم الحالي الداعم للعرب. وتلقف المتأمركون وبعض ذوي النية الحسنة هذه التصريحات بالفرحة والطبول بوجود تغيير جذري في الموقف الأمريكي، وأن الحل بات وشيكًا، وما دعم فرحتهم هو الرد الأمريكي على تصريحات شارون الرافضة والمؤكدة أنه لايوجد دولة مؤيدة وحليفة لإسرائيل أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية ، طالبًا من إسرائيل سحب هذه التصريحات والاعتذار عنها. وهلل المتأمركون وصدَّق حسنو النية وجود هذا الخلاف الأمريكي، خصوصًا عندما جاء دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي للمنطقة وزار عددا من دولها ولم يأت لإسرائيل بعكس ماكان يحصل دائمًا عندما تكون إسرائيل إحدى المحطات الرئيسية والهامة التي يزورها أي مسئول أمريكي للمنطقة، وقام شارون بالإدلاء بتصريح جديد يؤكد قوة ومتانة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وأنها الحليف الأكبر والأوحد لإسرائيل. ولم يمض أكثر من يومين على بداية الحكاية ونهايتها حتى أعلن البيت الأبيض عن عودة الأمور إلى ما كانت عليه في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وبقى المتأمركون يصفقون ويهللون لوجود شرخ في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ويؤكدون أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك مصالحها وستقف إلى جانب الحق العربي والفلسطيني، وسكت ذو النية الحسنة وهم في حالة استغراب ولا يعرفون ما هو الموقف الأمريكي الصحيح الآن. مما لا شك فيه أن المصالح الأمريكية في المنطقة هي التي تحدد طريقة معالجة الإدارة الأمريكية للأمور في المنطقة ومن الممكن أن تغير هذه الإدارة مواقفها عندما تشعر أن مصالحها ستصبح معرضة للخطر، وكذلك عندما تريد أن تضرب مصالح بعض الدول الأخرى في المنطقة وتبعدها لتحل مكانها، وبعد أن تحقق أهدافها تعود إلى طبيعتها الاستعمارية وفرض سيطرتها على دول المنطقة، وعلينا أن نتذكر ماحدث بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عندما أجبرت الولايات المتحدة الأمريكية هذه الدول للانسحاب من سيناء وقطاع غزة، بدون تحقيق أي انتصارات سياسية، ونتذكر أيضًا ما حدث بعد حرب عام 1973 عندما قرر العرب استخدام سلاح البترول للضغط على دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، مما جعل الإدارة الأمريكية تتحرك بالمفاوضات المكوكية التي قام بها كيسنجر آنذاك لوقف الحرب والتي من خلالها استطاعت أن تستفرد بكل دولة عربية على حدة وانتهت عام 1978 بتوقيع معاهدة سلام منفردة بين مصر وإسرائيل بعد انسحاب إسرائيل من كامل سيناء إلى الحدود الدولية بين مصر وفلسطين قبل عام 1948، هذه المعاهدة التي أدت إلى حدوث شق في الصف العربي، وخروج مصر من النزاع العربي الإسرائيلي الذي أدى بعد ذلك إلى التخبط العربي وعدم وجود استراتيجية ثابتة وواضحة للعالم العربي، لأن مصر كانت ومازالت وستبقى قائدة الأمة العربية وبدونها سيكون العرب منقسمين على أنفسهم ولن يستطيعوا خوض غمار حرب من أجل الدفاع عن الحق العربي، حيث أن هناك شعارًا قديمًا يقول: (لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سوريا). من هنا فإن التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لا يتأثر بتصريح من الرئيس الأمريكي بوش أو بتصريح آخر من رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، وأن هذه التصريحات التي تظهر تبايناً وخلافاً بينهما فهي للاستهلاك التكتيكي حتى تستطيع الإدارة الأمريكية تحقيق مآربها في جلب بعض الدول العربية للوقوف معها واستخدام أراضيها في الحرب التي تريد شنها على ما تسميه بالإرهاب، وتحاول أن تجعلها تشارك بجيوشها في القتال في ساحة الميدان بدلاً من استخدام الجيش الأمريكي في القتال على الأرض في أماكن صعبة ستؤدي إلى خسائر بشرية فادحة في الجيش الأمريكي. إن علينا أن نتذكر أيضًا ما حدث عندما قامت الإدارة الأمريكية إبان فترة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، بإنشاء التحالف الدولي ضد العراق من أجل تحرير الكويت، ورفضت تلك الإدارة آنذاك أن تشارك إسرائيل في هذا التحالف من أجل إرضاء الدول العربية المشاركة في التحالف ولا تسبب إحراجًا لها، وقامت آنذاك بتقديم الوعود للعرب بالعمل على حل القضية الفلسطينية بعد الانتهاء من حرب الخليج الثانية، وكل ما قامت به بعد ذلك هو عقد مؤتمر مدريد الذي ظل يراوح مكانه إلى أن تم توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 تحت رعاية الإدارة الأمريكية والذي ثبت حاليًا فشله في التوصل إلى تحقيق سلام دائم في المنطقة بسبب التعنت الإسرائيلي والدعم الأمريكي الكامل لإسرائيل. والآن تعيد الإدارة الأمريكية نفس الأسلوب والطريقة التي اتبعتها قبل حرب الخليج، وتحاول أن تظهر موقفًا متعارضًا مع إسرائيل بأنها توافق على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وستسعى لحل القصية الفلسطينية برمتها بعد الانتهاء من حربها ضد الإرهاب. من هنا يتضح أن الخلاف الأمريكي الإسرائيلي هو سراب وغير حقيقي، ويجدر بالأمة العربية أن لا تصدق هذه الأوهام، لأن ديننا الإسلامي السميح يقول: (أن المؤمن لايلدغ من جُحر مرتين). يجب على العرب ألا يقعوا في المصيدة الأمريكية مرة أخرى، ويدركوا أن الإدارة الأمريكية لن تغير موقفها إلا إذا شعرت أن مصالحها في المنطقة قد تتعرض لمخاطر وهي كثيرة في العالم العربي، وعلى العرب استخدام هذه المصالح للضغط على الإدارة الأمريكية، وألا يسمحوا للإدارة الأمريكية مرة أخرى بالاستفراد بأي دولة عربية لأن قوة العرب بوحدتهم.