يرى السياسي والاكاديمي الأردني الدكتور ذياب المخادمة أن الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت من خلال اعتداءات 11 سبتمبر أن تحول كل تلك الخسائر إلى مكاسب لم يكن بالإمكان الحصول عليها أو تحصيلها في الأوقات أو الظروف العادية. ويضيف مخادمة أن أسلوب إدارة بوش الابن في استنزاف العرب في هذه الحرب يشبه إلى حد بعيد مافعلته إدارة والده عندما عمدت إلى الانقضاض على فريستها العراق كلقمة سائغة دون أن تجبر على خسارة دولار واحد الوقت الذي ترى فيه الإدارة الجديدة بان فرصتها أوسع حظا الآن من فرصه إدارة بوش الأب حيث أن هناك مبررين قد اجتمعا لها الأول الدعوة إلى محاربة (الإرهاب) ومساعدة الأنظمة ليست العربية الإسلامية وحسب وإنما أيضا جميع الأنظمة السياسية في العالم على القضاء على (الإرهابيين) لديها والثاني (الغول) العراقي الذي ما زال يترصد للجميع في المنطقة. ولا يستبعد مخادمة أن تعمل امريكا وحلفاؤها الغربيين على الاستفادة من أي حادثة لتعزيز رؤيتها ومنها تحطم طائرة التوبوليف 154 الروسية في البحر الأسود بفعل صاروخ اوكراني رغم أن التحقيقات ما زالت مستمرة، ومنها أيضا تفجيرات المصنع الكيماوي في إحدى المدن الفرنسية. ويؤكد الأكاديمي الأردني أن الولايات المتحدة ستعمد إلى توريط العراق بصورة أو بأخرى بما يجري ولكن ليس في هذه المرحلة بحيث تعتمد على استفزازه حتى وإن بإطلاق الصواريخ ضد الطائرات الأمريكية والبريطانية لتبدأ بفتح الملف العراقي ولكن في هذه المرحلة بصورة أوسع من ذي قبل. على أن اشد ما يخشاه د. مخادمة أن تعمد الإدارة الأمريكية على توريط بعض الدول العربية لدفع ولو جزء من فاتورة (حربها على الإرهاب) ربما بوعود تتصل بازاحة النظام العراقي من خلال توجيه ضربة عسكرية قاسية له. وفي رده على موقف تلك الدول لهذا التوجه المتوقع يقول د. مخادمة أن واشنطن وبحكم التجارب السابقة لابد أن تعمل على الاستفادة من الأجواء العالمية، مشيرا إلى انه من هنا جاءت دعوات المحللين السياسيين العرب والمسلمين بضرورة أن يستند العرب في مواقفهم السياسية على جدران صلبة، غير قابلة للاستنزاف، فالمواقف العربية المتخوفة من الرد الأمريكي وخصوصا في الأيام الأولى بعد الاعتداءات جاءت وكأنها تدافع عن نفسها من موقف ضعف وهذا الأمر دفع إلى تسهيل مهمة الإدارة الأمريكية لاستغلال أهدافها ورؤيتها. ولا يستبعد في هذا الإطار الأكاديمي الأردني أن تكون جولة وزير الدفاع الأمريكي «دونالد رامسفيلد» في المنطقة قد طالبت العرب باحد امرين إما المشاركة أو التمويل، عارضا عليهم (الادلة السرية) التي تثبت تورط «بن لادن» في اعتداءات الثلاثاء الدامي. وإذا كان موقف بعض الدول العربية المشاركة في التحالف السابق ضد العراق ينطلق من (تفسير قومي) مهما كانت صحته أو ابتعاده عن القراءة القومية فان الولايات المتحدة الأمريكية وخشية على مصالحها لاتريد توريط الدول العربية فيما لا يحمد عقباه من خلال مشاركة الجيوش العربية في التحالف لضرب دولة إسلامية أخرى، لم تهدد أياً من الدول العربية أو الإسلامية بل كانت أحد ابرز الحلفاء لباكستان ضد (العدو الهندي) فيما يتعلق بقضية كشمير. يقول د. مخادمة يجب أن ندرك أن الولايات المتحدة قد بدأت حربها بالفعل ضد أفغانستان تلك الحرب التي تختلف في شكلها العام عن الحرب التي خاضتها ضد العراق أو حتى في يوغسلافيا، فدولة أفغانستان ليس لديها مايستحق الضرب ولهذا ولان (الحسبة الاقتصادية) لشكل الحرب لا يغيب عن الذهنية الأمريكية فان الاعتماد الأول والاساسي لحرب الولايات المتحدة على الإرهاب سيكون حربا استخباراتية بحتة بحيث تكون العمليات العسكرية أمرا استثنائيا. وأوضح ان اي ضربات توجه إلى افغانستان هي فقط لاثلاج صدور الأمريكين الداعين إلى رد عسكري صاخب، مشيراً إلى ان أمريكا سترضي هؤلاء بضرب مناطق أخرى. ويلخص د. مخادمة فكرته هذه بالقول أن امرين اثنين دفعا إلى رسم سيناريو جديد للحرب الأمريكية ضد أفغانستان الأمر الأول انه لا يوجد أصلا أهداف إستراتيجية أو بنية تحتية لهذه الدولة حتى تضربها لتحقيق مكاسب سياسية كما فعلت في العراق ويوغسلافيا والامر الآخر أن الفاتورة السياسية والاقتصادية والامنية المرشحة التي سيكون على أمريكا دفعها في حال شنت حربا على دولة إسلامية بشكل تقليدي أو شبه تقليدي عالية إلى الحد الذي لا يمكن أن توافق عليه، من حيث إثارة الرأي العام العربي والإسلامي وتهديد لمصالح واشنطن الاقتصادية والسياسية والامنية في عدد كبير من المناطق. ويطلق د. مخادمة على الحرب الأمريكية ضد ما تراه ارهابا بالحرب «كاتمة الصوت» بحيث نرى النتائج ومنها ربما سقوط طالبان دون أن نسمع جعجعة، بحيث ربما نجد من المسلمين من يستحسن أداء الرد الأمريكي وعنايته (بحقوق المدنيين). ولكن ذلك لا يعني أنها حرب صامتة حتى النهاية، فإذا ما استطاعت المعلومات الاستخباراتية تحديد تواجد تنظيم القاعدة والاماكن المحتملة لتواجد أسامة بن لادن في أفغانستان، فان قاذفاتها القابعة في حاملات الطائرات المتواجدة في بعض المناطق القريبة بالإضافة إلى طائرات التحليق البعيد ستكون بالمرصاد. على أن د. مخادمة لا ينكر أن هناك حاجة امريكية داخلية وربما كذلك خارجية لان يكون شكل الرد الامريكي واضح وقوي ويثير الرعب والاعجاب ويعطي انطباعا يبرر الغطرسة الأمريكية على العالم فعدد كبير من الرأي العام الأمريكي يريد أن يرى نارا وغبارا ومعلقا تلفزيونيا يقول إنه الرد الأمريكي القوي على الإرهابيين واننا اقوياء وان الجاني الآن وفي هذه اللحظة يدفع الثمن. إلا أن الولايات المتحدة وإذا كانت هي الوحيدة التي تتمكن من أن تعلن متى وكيف تبدأ حملتها فيما تصفه بحرب ضد الإرهاب فانه من المؤكد انه لن يكون بمقدورها أن تعلن متى وكيف تنتهي. ولفت ياسين الانتباه إلى انه وعندما وقع الحدث، سارعت الدول العربية والاسلامية الى ادانة الحدث، وتدعى الغربيون خلال ساعات ليصدروا بيانات ويتخذوا قرارات بعضها خطير، تضامنا منهم مع امريكا وتأكيدهم انهم ضد الارهاب وفق ما جاء بتصريحاتهم وقراراتهم. وأشار إلى انه وقبل ان يتبين كثير من الحكومات ما يجري قررت هذه الحكومات انها ستضم قوتها الى قوة امريكا حتى لو اقتضى الامر اعلان حرب على الجهات او بالأحرى الدولة او الدول او الجهة التي يثبت انها ذات علاقة بما حدث في أمريكا. وطرح السفير العراقي سؤالا حول ما إذا كانت نية الرد الأمريكي الغربي قد تم تصميمها فعلا ضد دولة عربية او اسلامية او اكثر فحسب، واغلب الظن ان القصد واضح من خلال طبول الحرب الاعلامية بان امريكا والغرب سيستهدفان دولة او عدة دول لن يكون وصفها ووصف شعوبها خارج مفهوم انهم عرب ومسلمون. وحول اتهام الولايات المتحدة الأمريكية لبعض الدول فور وقوع الاعتداءات عليها وحصر هذه الاتهامات بالعرب والمسلمين قال انه اتجاه ما انفكت امريكا والغرب يوجهان نيرانهما عليه، متسائلا هل سيحل المشكلة توجيه نيران اسلحة امريكا الى هدف بعينه، والحاق الاذى او التدمير فيه، بدعم الغرب؟ وهل سيحقق ذلك الأمن لامريكا والعالم؟ أم أن استخدام نيران أمريكا والغرب ضد آخرين في العالم ومنهم أو في مقدمتهم العرب والمسلمون أهم سبب من أسباب عدم استقرار العالم الآن؟ داعيا الإدارة الأمريكية أن تجيب على هذه التساؤلات اولا، ومعها ادارات الحكومات الغربية. واشار ياسين إلى أن اكثر من مليون ونصف مليون عراقي قضوا نحبهم بسبب الحصار الذي تفرضه أمريكا والغرب، عدا عشرات الآلاف ممن استشهدوا أو جرحوا في العمليات العسكرية التي قام ويقوم بها التحالف الامريكي البريطاني، وان مئات الجسور والكنائس والجوامع والكليات والمدارس والمعامل والقصور والفنادق والآلاف من بيوت المواطنين تهدمت، أو تضررت جراء القصف الجوي الأمريكي ـ البريطاني الذي ما زال مستمرا حتى اليوم ضد العراق. وأشار ياسين إلى أنه عندما يموت اكثر من مليون ونصف مليون انسان عراقي من اصل خمسة وعشرين مليون عراقي بسبب الحصار والعدوان الامريكي، فمعنى ذلك ان العراق فقد ما يربو على واحد من عشرين من شعبه، بسبب الحصار الأمريكي. لافتا إلى انه وفي مكان واحد وفي ملجأ مدني واحد فقط، وهو ملجأ العامرية، بفعل القصف قضى اكثر من اربعمئة انسان بين طفل وامرأة وعجوز وشيخ كبير في العراق بالسلاح الامريكي. وقال مدير دراسات الشرق الأوسط جريجوري جاوس في جامعة فيرمونت الامريكية الذي يعد من ابرز خبراء السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط قد أكد أن إدارة الرئيس بوش وضعت فصلين لحربها ضد ماأسمته بـ (الإرهاب) الفصل الأول يشمل المرحلة التي يتم فيها الأعداد والتحضيرات والضرب ضد من تعتقد واشنطن انهم المسئولين عن الهجمات الأخيرة والفصل الثاني يشمل المرحلة التي ستلي الضربة الأمريكية المتوقعة لافغانستان، في إشارة إلى ضرب العراق. وأوضح د. جوس في تصريحات له لصحيفة «السبيل» الأردنية في عددها الصادر أخيرا ان الفصل الاول سيشهد تركيزا مكثفا ضد افغانستان وتنظيم اسامة بن لادن بشكل رئيسي، وان هذا التركيز سيدفع بادارة الرئيس بوش الى انتهاج سياسة مغايرة لما عرف عنها في منطقة الشرق الاوسط مثل تعاطيها مع القضية الفلسطينية على سبيل المثال حيث نوه الى ان ادارة الرئيس بوش كانت قد اتخذت سياسة عدم التدخل المباشر في الصراع العربي الاسرائيلي، على أنها وجدت نفسها مضطرة لتحريك المسار الفلسطيني الاسرائيلي لضمان تأييد الدول العربية والاسلامية لحملتها المعلنة ضد ما تسميه بالارهاب. وأضاف الخبير الامريكي ان هذا التغيير في الموقف الامريكي لا ينبع من تغير جذري في نظر الادارة الامريكية لماهية الصراع انما جاء كردة فعل مصلحية دعتها الحاجة فقط لانتهاجها مرحليا. وقال ان امريكا ستدفع ضمن الفصل الاول الى انتهاج سياسة انفتاح مصلحية كذلك مع ايران نظرا للعلاقة المتوترة بين ايران وحركة طالبان واصفا هذا التغير بأنه مجرد تكتيك ليس اكثر تتطلبه ظروف الحملة ضد اسامة بن لادن. وعن خطوات الادارة الامريكية في فصلها الثاني والذي سيطبق غداة الانتهاء من الضربات العسكرية المقررة والموجهة ضد الاهداف التي تم تحديدها في افغانستان قال ان الفصل الثاني سيشهد اربع قضايا هامة في سياسة الادارة الامريكية تجاه الشرق الاوسط موضحا ان امريكا ستعيد ترتيب اولوياتها بدءا برأس الجدول حيث يتربع الملف العراقي على سلم اولوياتها مبيناً ان بعض الدوائر السياسية الامريكية باتت على قناعة بأن توجيه ضربة ثانية للعراق بات من الامور الملحة بعد افغانستان في الوقت الذي ذهب آخرون الى الحديث على وجوب عدم توسيع دائرة الضربة العسكرية خارج حدود افغانستان لدواع عديدة تتطلبها المرحلة. إلا أن جاوس أكد في المقابل ان هناك اجماعا امريكيا واضحا على فشل السياسة السابقة حيال العراق وهذا ثبت بالدلائل قبل الاحداث الاخيرة وهو ما دفع بادارة بوش لانتهاج سياسة العقوبات الذكية كاسلوب آخر. وكشف الخبير الامريكي ان هناك اطرافا سياسية وعسكرية امريكية وصفها بالمتشددة تجاه العراق تطالب بحل جذري عملي ضد النظام العراقي، مشيرا الى وجود فريق اخر يؤيد اعادة تقويم نظام العقوبات الذكية المفروض على بغداد قبل الشروع او التخطيط لانتهاج أي سياسة اخرى ضد العراق. اما بخصوص القضية الثانية المدرجة على جدول الفصل الثاني للحملة الامريكية في المنطقة فقد اوضحها بالقول (القضية الثانية ستكون مختصة بنظرة امريكا للدول التي تساند الارهاب وعلى وجه الخصوص بالنسبة لأمريكا ايران وسوريا وعلى الهامش السوداني وليبيا)، مشيرا الى ان تعامل امريكا معها لن يكون بذات الطريقة التي تتعامل بها مع أفغانستان، فامريكا بحاجة لتعاون ايران بشكل معين للضغط على العراق وافغانستان واصفا نظرة امريكا لايران في هذه الاجندة بأنها (لاعب مهم). وفيما يتعلق بسوريا قال «ان الادارة الامريكية توجه لسوريا تهمة ايواء ودعم العديد من التنظيمات الفلسطينية وبذات الوقت تنظر لها على انها طرف رئيسي في الصراع الدائر في الشرق الاوسط فضلا عن دعمها لحزب الله في جنوب لبنان في الوقت الذي ترغب فيه امريكا بتوفير الاستقرار في المنطقة» وأكد ان قضية التعامل مع سوريا وايران ستغدو من الأولويات الرئيسية للادارة الامريكية بعد الانتهاء من ضرب افغانستان دون ان يحدد نوع التعامل الامريكي المستقبلي تجاه هاتين الدولتين. واشار جاوس الى نقطة سياسية مفادها ان نهج الادارة الامريكية الحالية شبيه بنهج ادارة بوش الاب المتمثل بعدم الانشغال كثيرا بما بعد الحرب مدللا على ان الادارة الامريكية ابان عهد بوش الاب لم تكن مستعدة او مبرمجة لخطواتها التالية بعد اخراج العراق من الكويت. وبخصوص القضية الثالثة المدرجة على جدول الادارة الامريكية ضمن فصلها الثاني لحملتها الحالية قال جاوس ان القضية الثالثة ستكون متعلقة بتعريف «الارهاب». في الوقت الذي ستتأخر فيه قضية الصراع العربي الاسرائيلي وعملية السلام إلى الاهتمام الرابع، مشيرا الى ان هناك اصواتا داخل الدوائر السياسية الامريكية تنادي بضرورة ايجاد حل للقضية الفلسطينية لضمان استمرار وقوف الدول العربية والاسلامية مع الادارة الامريكية في سياستها الخارجية وبالذات القائمة حاليا ضد الارهاب. ويتفق المحللون السياسيون على ان المعضلة التي تواجهها الولايات المتحدة هي ترتيب الاولويات للوصول إلى الأهداف وان الخوف من الفشل في تحقيق الأهداف لا يزال يلازم الضربات الأمريكية في أفغانستان. ويتفق المحللون أيضاً على ان الفوز في افغانستان اذا تم للولايات المتحدة لن يغنيها عن تحقيق أهداف أخرى تحتمل الفشل أو التأجيل.