رغم كل التعقيدات التي تحيط بالقضية القبرصية، الا اننا نجدها اليوم تشرف على حل تراوغ فيه أطراف القضية جميعها تركيا الاتحاد الأوروبي واليونان. ففي حين تسحب اليونان اعتراضها على ترشيح تركيا للاتحاد الأوروبي نجدها مازالت تتمتع بقوة فيتو قوية تقف حجر عثرة في تحديد زمن هذا الانضمام، وشروط اليونان معروفة كما أشرنا. وفي حين تقبل تركيا باجراء مفاوضات مع القبارصة اليونانيين وفق وعد قطعته للاتحاد الأوروبي نجدها تناور وتراوغ في تنفيذ هذا الوعد وتطالب بشروط رفضها ويرفضها المجتمع الغربي برمته. وفي حين يعلن الاتحاد الأوروبي قبول ترشيح تركيا لعضويته ويضعها في أسفل قائمة المرشحين، نجده يراوغ في تحديد صلاحية تركيا للدخول في الاتحاد الأوروبي ويجد ذرائع ومبررات كثيرة لذلك، فما هي خيوط هذه الأحجية المتشابكة؟ معروف انه رغم الترشيح الذي حصلت عليه تركيا في قمة هلسنكي في سبتمبر عام 1999، لكنها ما زالت خارج الاتحاد الآن ولم تحصل على العضوية الكاملة رغم انها عضو في أربع منظمات أوروبية من أصل ست تشكل هيكل الاتحاد الأوروبي. هناك أزمة ثقة في التفسيرات الأوروبية والتركية للشروط التي وضعها الاتحاد للحصول على عضوية كاملة لتركيا، واصطدمت بالمفاهيم التركية والأوروبية مما أحدث فجوة عميقة في العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي. تركزت هذه الأزمة حول رفض أنقرة اعتبار حل القضية القبرصية وخلافاتها الحدودية مع اليونان ضمن المعايير الأساسية لانضمامها للاتحاد ويذكر في هذا الشأن ان وثيقة قبول ترشيح تركيا للاتحاد الأوروبي التي وقع عليها رئيس الوزراء بولند أجاويد عام 1999 اعطت مهلة لتركيا حتى عام 2004 لانهاء خلافاتها الحدودية مع اليونان والمسألة القبرصية. أنقرة تشكك في نية الاتحاد الأوروبي تجاهها، وتشير الى ان الأوروبيين يراوغون في الانقسام لينتزعوا من تركيا حلاً للقضية القبرصية ومسألة الحدود في بحر إيجه مع اليونان تحت غطاء شروط العضوية حتى إذا ما حصل الاتحاد على ما أراد يتفنن في وضع العراقيل أمام تركيا لابقائها خارجه، ووضعها أمام أحد خيارين: اما المفاوضات الى ما لا نهاية، واما القبول بعضوية منقوصة لتركيا، ولذلك تتعامل تركيا مع كل التصرفات السياسية للاتحاد من مبدأ المساومة السياسية. وفي أزمة الثقة هذه نجد ان هناك رؤيتان لعملية ضم تركيا هذه، أحدهما أوروبية والأخرى تركية. الرؤية الأوروبية تؤكد ان تركيا هي التي تسعى منذ فترة طويلة سعياً حثيثاً من أجل الحصول على العضوية بدليل تحسين علاقاتها مع اليونان. أما الرؤية التركية فتنصب على التأكيد ان أهمية تركيا الجيو استراتيجية بالنسبة للاتحاد الأوروبي من ناحية البترول والغاز التركي وان تركيا هي بوابة القوقاز ووسط آسيا، وكذلك حاجة أوروبا للقوة العسكرية والجنود الأتراك لحماية القارة والبلقان خصوصاً بعد تأكيد المسئولين الأتراك ان تعداد السكان الأوروبيين سيتناقص كثيراً بعد عشرين عاماً الى درجة تعجز أمامها أوروبا عن حماية القارة. أزمة قبرص اليوم تتمثل في الشروط التركية التي لا يزال الاتحاد الأوروبي يناور تركيا من أجل تخفيف حدتها، ولكن قبل ذلك ينبغي الاجابة عن سؤال: لماذا يناور الاتحاد الأوروبي تركيا، وما هي الشروط التركية والأوروبية ـ القبرصية؟ أوروبا وتركيا وقبرص تناقضت دائماً التوجهات والتفسيرات التركية مع الأوروبيين لتلك الشروط، ولكن قبل أن نمعن فيها ينبغي الإشارة الى ان تركيا واليونان وقبرص أعضاء في المنظمات الأوروبية، فكيف يتنافر ويتخاصم عضوان في منظمة أهدافها واحدة؟ لفهم ميكانيزم النظام الأوروبي الذي تريد تركيا الانتماء اليه ينبغي الاشارة الى المؤسسات الأوروبية الست التي تشكل هذا النظام الأوروبي، وهي التي يستند الى منطلقاتها وقيمها النظام العالمي القائم، وتلك المنظمات حددتها دراسات كثيرة وهي: ـ منظمة الأمن والتعاون الأوروبي: أرسيت قاعدتها الأولى عام 1975 في هلسنكي وحملت هذا الاسم عام 1995 في بودابست، وتعد مفتاحاً لفك مغاليق المؤسسات الأخرى لانها تضم 55 قطراً وتتسع فعالياتها لتشمل حقوق الدبلوماسيين، حل المنازعات، والقضايا العرقية ويشار الى ان تركيا وقبرص واليونان أعضاء فيها. ـ مجلس الشراكة الأوروبية ـ الأطلسي: تأسس على مستوى الوزراء والسفراء للتوصل الى قرارات تتعلق بالمشاركة بالتمارين العسكرية والمناورات وعمليات السيطرة على التسلح وحفظ السلام وحل المنازعات، تتمتع بعضويته 11 دولة من بينها اليونان وتركيا وبقية دول الناتو. ـ مجلس أوروبا: وهو المؤسسة الثالثة ويعد من أقدم المؤسسات الأوروبية فقد تشكل عام 1949 كأحد أسس نظام سياسي قوامه برلمان منتخب، واقتصاد سوق، واحترام لحقوق الانسان، ولذا اقتصر الانضمام اليه على الدول التي ترى الدوائر السياسية ذات الصلة انها حققت بناء ديمقراطياً، اعضاؤه 44 دولة منها اليونان، تركيا، وقبرص. ـ منظمة معاهدة الأطلسي الناتو: التزمت بها الأطراف المتعاقدة تحت أجواء الحرب الباردة في عالم تتقاسمه الثنائية ثم أخذ دوراً أكبر بعد انتهائها، اعضاؤه 16 دولة من بينها تركيا واليونان، ايديولوجيته تتفاعل مع البعدين العسكري والسياسي لهذه الدول ومدى امكانية تحول الأجهزة لأن تكون في خدمة السلام، كما هو معلن، والقدرة على استمرارية الحضور الأمريكي في أوروبا ومراقبة روسيا وضبط العملاق الألماني ثم الصيني. ـ الاتحاد الأوروبي: بدأت معالمه بالرسوخ منذ الخمسينيات لكنها أخذت شكلها المتميز والحاد في ماسترخت عام 1995 وأصبح يقوم على سياسة خارجية تكاد تقترب من المشاركة، اعضاؤه 15 دولة منها اليونان أما قبرص فعلى رأس قائمة المرشحين لعضويته وتركيا في قعر هذه القائمة. ـ اتحاد غرب أوروبا: ويراه البعض الحلم بقوة عسكرية أوروبية مستقلة وفق المصادر والدراسات، بداياته كانت عام 1954، راقب توسع ونمو الناتو وازدياد القوة الأمريكية فيه، اعضاؤه الفاعلون عشرة من بينهم اليونان ويعد كياناً يمثل الفكر السياسي الأوروبي نظرية وتطبيقاً. نجد ان تركيا وقبرص عضوان في معظم المنظمات الأوروبية التي تشكل الهيكل السياسي لأوروبا وللاتحاد الأوروبي، لكن أوروبا ما زالت ترى أنه ينبغي على تركيا: ـ أولاً: ضرورة حل الأزمة القبرصية حلاً سلمياً. ـ ثانياً: ألا تعترض تركيا على دخول قبرص بشقها اليوناني الى الاتحاد إذا مابقيت الجزيرة منقسمة كما هي عليه الآن. ـ ثالثاً: حل الخلافات التركية ـ اليونانية حول جزر بحر إيجه أو اللجوء في حال تعذر ذلك الى محكمة العدل الدولية لحلها، وهذا الشرط هو أكثر الشروط تعنتاً من وجهة النظر التركية والتي أثارت أزمة الثقة الأخيرة بين تركيا والاتحاد الأوروبي. ماذا تريد تركيا؟ تمسكت تركيا بموقفها المعارض أولاً لفكرة انضمام قبرص اليونانية للاتحاد الأوروبي وهددت بخوض حرب إذا ما أصرت روسيا بيع صواريخ أرض ـ جو متطورة لقبرص اليونانية، ورأت ان دعوة الأوروبيين الى اللجوء لمحكمة العدل الدولية لحل النزاع مع اليونان هو محاولة أخرى للنيل منها وقد أعلنت غير ذي مرة رفضها لهذا الخيار. تركيا ترى انه اذا كان السعي متجهاً بصدق نحو التوصل الى تسوية مقبولة فيجب الموافقة على اقامة اتحاد كونفيدرالي يضم دولتين مستقلتين، وهي بذلك تطمح لاعتراف دولي بقبرص التركية إذا ما تم القبول بهذا الشرط وتعول على الدعم الأمريكي. تركيا تدرك حقيقة التوتر المعلن وغير المعلن داخل دوائر الأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا التي تشعر بأنها ضعيفة عسكرياً، الأمر الذي يجعل أوروبا تشعر بالحاجة الى تركيا من الناحية الأمنية وفق الفهم التركي وبالتالي فان ترشيحها للعضوية هو محاولة للاستفادة باسهامها في الجهد الأمني الأوروبي. المناورات بين أوروبا وتركيا لا تتوقف ويبدو ان المشكلة القبرصية آلت أخيراً الى قطب الأمم المتحدة المتجمد الذي قدم حلولاً لم تزل قاصرة عن بلوغ أهدافها، فقبرص جزيرة يبحث الأوروبيون والأتراك فيها عن مخزون النفط وعن قاعدة استراتيجية لمخططات استراتيجية، فهي الى ذلك يمكن أن تكون وسيطاً بين روسيا والاتحاد الأوروبي، اضافة لآفاق الاستثمار فيها غير المحدودة. ورغم ان لهجة تركيا تبدلت الى المرونة بعد قبول ترشيحها وبعد تطور علاقاتها الدبلوماسية مع اليونان، الا انها تبقى قابضة على حجر القضية القبرصية بيد من حديد وملوحة بالنار القادمة، فهي تسلك نهج الولايات المتحدة واسرائيل في خطواتها، ولاعجب إذ انها جزء من مثلث المصالح الاستراتيجية الأمريكية، وحربة رأسها في قبرص، منذ الحرب الباردة حتى حروب الزمن الحاضر.