يتشعب الحوار مع الدكتور عبدالباسط عبدالماجد وزير الثقافة والسياحة السوداني بقدر ما تتشعب هموم السودان وآماله، وبقدر ما يُكن كل عربي من تقدير لقدرة هذا البلد الشقيق على الاحتمال، سواء على الصعيد السياسي وما تعرض ويتعرض له من مؤامرات وضغوط، أو على الصعيد الاقتصادي والمعيشي، ثم وبشكل خاص على صعيد الوضع الداخلي الذي يشهد المحاولات تلو المحاولات للوصول إلى مصالحة وطنية شاملة تضع حداً للنزاعات والخلافات، ليس بشأن أزمة الجنوب وحسب، بل من أجل استقرار النظام وتكريس الممارسة الديمقراطية وارساء دعائم سلم أهلي متين يبشر، علّ وعسى، بازدهار قريب، خاصة مع اكتشاف الثروات النفطية الجديدة. وفي ضوء ما تقدم كان لابد أن يشمل حوارنا مع الوزير عبدالماجد، لشئون الثقافة والسياحة، وحتما قضايا الساعة في علاقات السودان مع الدول العربية والخليجية وفي الوضع الداخلي، والمبادرات الخارجية. وحيث كان الوزير السوداني في الكويت لافتتاح ومتابعة فعاليات الاسبوع الثقافي السوداني، ولتوقيع اتفاقية تعاون ثقافي وفني، كان لابد من بدء الحوار عن آخر تطورات العلاقة بين هذين البلدين، وهي العلاقة التي كانت توترت وشابها جفاء استمر سنوات نتيجة الغزو العراقي للكويت الذي باعد بينها وبين ما أسمي في حينه «دول الضد». ومن غرائب الصدف ان حوارنا تطرق إلى فترة وجود كل من أسامة بن لادن والارهابي العالمي كارلوس في السودان، وكان ذلك قبل تطورات الأحداث التي وضعت بن لادن في عين العاصفة. وفيما يلي نص الحوار. ـ في البداية نسأل عن هذا النشاط الثقافي المهم والجديد والمكثف في الكويت، لماذا تأخر كثيرا ليرى النور خاصة كما هو معروف وان هناك ارتباطاً في العلاقات بين الكويت والسودان ـ سواء كانت اقتصادية أو تاريخية أو ثقافية، لماذا اذن تأخر هذا الحضور السوداني في الكويت؟ ـ اللقاء والحضور يكون دائما من خلال المناسبات، فهكذا شأن العالم العربي، أن يرتبط اللقاء بمناسبة، وألا تكون اللقاءات ذات طبيعة عفوية وهذا واحد من عيوب العلاقات العربية ـ العربية. ولذلك، فطول الفترة الماضية لم تسنح للبلدين فرصة المشاركة في نشاط ثقافي مشترك، لأن النشاط الثقافي المشترك بين البلاد العربية في هذه الفترات قليل، ولكن عندما تأتي مناسبة، مثل مناسبة احتفالية العواصم الثقافية، لابد أن تكون هناك مشاركة واسعة لعدد كبير جداً من البلاد العربية، كعاصمة عربية مجلى ومظهراً للثقافة العربية في مختلف البلاد العربية، ولذلك كانت مبادرتها بأن تقيم عدداً من الأسابيع الثقافية في الكويت من مصر والأردن والسودان... الخ. وهكذا جاءت وتيرة الأسابيع الثقافية في الكويت. أما بالنسبة للسودان فهو مشارك في الساحة بإعلامه وأفراده ولم تكن هناك مشاركة منظمة حتى وقت قريب في هذه المناسبة كما الحال خلال أسبوعنا الثقافي الآن يجتمع فيها حوالي 50 مبدعاً سودانياً بين راقص استعراضي وفنان تشكيلي وشاعر ومفكر. بين السياسة والثقافة ـ لاشك ان الأوضاع العامة والعلاقات السياسية تدفع العلاقات الثقافية مع الكويت، أين هذا من ذاك حالياً؟ ـ العلاقات السودانية ـ الكويتية ـ علاقات ذات أبعاد أربعة: 1ـ هناك بعد اقتصادي لهذه العلاقات وهي استثمارات كويتية مستمرة في السودان، وهذه لم تنقطع أبداً ولم تتأثر، وأنا في وزارة من الوزارات شاهد على ذلك، فهناك في وزارة السياحة الشركة العربية الكويتية السودانية للفنادق وهي واحدة من الشركات التي أنشأت فندق الهليتون في الخرطوم وسوف تفتتح فندق الهليتون في البحر الأحمر، فهي علاقة اقتصادية نموذجية وهي موجودة أيضاً في المجال الزراعي وفي المجال الصناعي كما في مجال صناعة السكر في كنانة مثلاً. 2ـ العلاقة الثنائية التي لم تنقطع ولم تتأثر سلباً أيضاً هي العلاقة الاجتماعية، فالكويت بلد يساهم في مشاريع اجتماعية خيرة في افريقيا ويمر بعضها عبر السودان، باعتباره جسراً للتواصل العربي ـ الافريقي، وهذه العلاقة أيضاً لم تنقطع فهناك مدارس ومستشفيات ومصحات وأعمال خيرية مستمرة. 3ـ وهناك علاقة ثالثة أيضاً لم تنقطع ـ هي العلاقة الثقافية ـ فقد ظلت الكويت تتولى الاصدارات العربية الثقافية وقد ظللنا في السودان نتلقى أيضاً الاصدارات الثقافية ونتعامل معها. أما ما تأثر، ولفترة محدودة، في العلاقات التي نسميها علاقات سياسية. والآن، بحمد الله تعود إلى مسارها الطبيعي طاوية لمرحلة من المراحل اختلفت فيها وجهات النظر أو اختلفت فيها الاجتهادات أو اختلفت فيها المواقف، ولكننا الآن، بحمد الله، نجتاز هذه المرحلة ونلتقي مع الكويت وكما يقال، على «محجة بيضاء». ـ هل لدى السودان أجندة ويطلب من الكويت مساهمات من المؤسسات المالية والاقتصادية الكويتية في مشاريع ثقافية وسياحية وما يتعلق باكتشافات أثرية؟ وهل هناك شيء ملموس أو طلبات محددة على هذا الصعيد؟ ـ لا نحن الآن لم نحدد أي مطالب مباشرة جئنا نطرح خطاً مستقبلياً مفتوحاً للتعاون في كل المجالات، قد يؤدي هذا التعاون إلى مشاركة، قد يؤدي إلى مساعدة وقد يؤدي إلى استثمار وغيره من جوانب عدة ـ ولكننا لم نطلب حتى الآن من الأخوة في الكويت أن يشاركوا أو يساعدونا ـ على عمل من الأعمال. ـ هناك شق ثان للسؤال، بالتزامن مع هذا التعاون الثقافي، فأثناء زيارة وزير الدولة للشئون الخارجية الشيخ الدكتور محمد الصباح قبل أسابيع جرى حديث عن مشروع سوداني لبروتوكول تعاون سياسي بين البلدين.. أين أنتم من ذلك؟ ـ في السودان، جرت العادة مع الدول العربية أن تكون هناك اتفاقات متكاملة فتقوم لجان مشتركة بين السودان وبين البلد العربي الآخر، ومن خلال اللجان المشتركة يكون هناك اتفاقات: السياسية، الاعلامية والاقتصادية والسياحية، وبالفعل لدينا لجان تنفيذية مشتركة مع العديد من الدول العربية. والمأمول والمنتظر عقب زيارة الأخ وزير الدولة للشئون الخارجية للسودان أن نصل إلى تصور يجمع هذه المصالح المجتمعة ويؤطرها في ظل اتفاقات ترعاها لجنة مشتركة من البلدين من أي مستوى من مستويات الرعاية. فترجمة هذه الخطوات في طريقها إلى النفاذ ان شاء الله. ـ وهل هناك موافقة مبدئية أو جواب كويتي؟ ـ نعم هناك موافقات مبدئية. المصالحة والمبادرات ـ الشأن السوداني يهم العرب والصحافة لما يدور في السودان من تطورات نحو عقد مصالحة وطنية، أو اتفاقات مع عدد من أحزاب المعارضة، ونسمع بين فترة وأخرى عن هذه المؤتمرات وعن عقدها في ليبيا أو مصر أو غيرها ـ الآن توقفت. نريد أن تعطينا صورة متكاملة عما يدور الآن. ـ الآن، المبادرة المصرية ـ الليبية المشتركة وضعت أسسا للتفاهم، وهي من تسعة بنود لقيت موافقة الأطراف السودانية المختلفة وهي عبارة عن مباديء للوفاق بعضها يتضمنه دستور البلاد القائم الآن وبعضها جوانب اجرائية لتحقيق الوفاق السوداني. فهي تتحدث عن التعددية السياسية، والديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة... الخ. وتتحدث أيضاً عن استقلال السلطات القضائية التشريعية أي فصل السلطات، كما تتحدث عن حقوق الانسان ورعايته في السودان وعن قيام الدولة على أساس مدني في السودان. وهذه المباديء هي محل اجماع سوداني وعالمي، لكنها تطرح بعد ذلك بندين تختلف حولهما الرؤى ـ بند يقول بفترة انتقالية تعقبها انتخابات شاملة، وبند آخر يتحدث عن ادخال تعديلات في الدستور ـ وهنا تختلف رؤى الأحزاب المتقابلة. وقد قبلت الحكومة بالمبادرة كاملة بلا تحفظ وقبلت بعض الأحزاب المباديء بشيء من التحفظ لأنها تريد أن يضاف إلى المبادرة بندان آخران، الأول يتحدث عن تقرير المصير للجنوب على أساس الوحدة أو الانفصال ـ والثاني يتحدث عن قيام الدولة على الأساس العلماني وليس على الأساس الديني. والنقطتان هما نقطتا خلاف طويل في التاريخ السوداني، وكان من المنتظر أن يحسم ذلك في اللقاءات التي تتم بين الفرقاء السياسيين. ـ وفي هذه المرحلة كيف تقيّم حركة الصادق المهدي؟ ـ الصادق خرج عن التجمع الوطني الذي كان مشكلاً من مجموعة من الأحزاب بعضها أحزاب صغيرة لا وزن سياسياً لها وبعضها ذات وزن، والأحزاب التي كان لها وزن سياسي كبير في السودان ثلاثة هي: حركة قرنق، حزب الأمة، الذي يقوده الصادق المهدي ـ الحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني. المهدي عاد إلى السودان وانفصل عن المعارضة الخارجية وأصبح يشكل معارضة داخلية والنظام يتفق معه في بعض الرؤى ويختلف معه في بعض الرؤي الأخرى.وهو يمارس حريته في نقد النظام ومعارضته داخل البلاد. وهو الآن مقتنع تمام الاقتناع أن هناك ظروفاً دولية تحتم عليه أن يتعامل مع هذا الوضع القائم لتغييره أو لتطويره أو تحديثه. ـ في محور آخر، ألا تعتقد ان قضية الدكتور حسن الترابي تؤثر بشكل ما أو تعقد المصالحة وتعمل على تشابك الأجواء؟ ـ قضية حسن الترابي لا تعيق المصالحة قطعاً ـ فحزبه قد وافق على المبادرة المصرية ـ الليبية المشتركة وما يجمع بين الدكتور الترابي والنظام جوامع مشتركة كثيرة أكثر من نواحي الخلاف. والنظام السياسي السوداني وإلى حد بعيد هو من صنع يده ومن تخطيطه، ولكن الناس أيضاً في المشارب يختلفون وتظهر بينهم رؤى مختلفة، والأحوال الداخلية في السودان هادئة الآن وليست مثلما كانت عليه في اللحظات الأولى من الانفصال. لقد بدأت الجراح تسكن والنفوس تهدأ. مبادرة واشنطن الأخيرة ـ وماذا بشأن تعيين مندوب أمريكي مؤخراً من أجل السودان؟ والمبادرة الأمريكية لحل مشكلة الجنوب. ومحاولة رفع السودان من قائمة الإرهاب؟ ـ نحن في السودان، وخلال الفترة الماضية، كان يُعتدى علينا ولم نعتد، وكنا نتهم وندافع عن أنفسنا بشتى السبل، ولذلك لم نغلق بابا للحوار، لا مع أمريكا ولا مع غيرها من دول الجوار ـ كان الاعتداء يصوب الينا من كل جانب ولكن قنوات الحوار كانت مفتوحة، سواء ذهبنا أو جاءوا لم يتوقف هذا الحوار، ولعلنا نكون محقين في ان نتقبل الحوار، ولذلك كنا على استعداد لقبول أي مقترح: ان تأتي لجنة أو تحقق، أن يأتي زائر فيرى، أن يأتي مقرر لحقوق الانسان وهكذا، فنحن مطمئنون لعدالة القضية أو سلامة الموقف. وقد تطور الحوار بيننا وبين أمريكا، وفي سنوات عدة كانت تهدأ الأمور ثم تتوتر، تهدأ ثانية ثم تتوتر مرة أخرى، هذه المرة أرادوا أن يرسلوا مبعوثاً مخصصاً لقضية السلام والنظر اليها والى ما يترتب على الحرب من ناحية انسانية، وليس من ناحية سياسية، وليس للتدخل أو لاملاء موقف على السودان، فهي واحدة من المبادرات الكثيرة التي طرحت كل مشكلة السودان، تعلم ان هناك مبادرة من نيجيريا واريتريا وهذه الآن مبادرة من أمريكا، وهي واحدة في ظل المبادرات التي تعالج مشكلة طرفاها سودانيان. بين ابن لادن .. وكارلوس ـ نعود الى مرحلة سابقة، ربما تترك ذيولها حتى الآن، فبعض المعنيين في قضايا الارهاب يشيرون الى استضافة السودان لابن لادن، ومن جهة ثانية كانت قضية تسليم كارلوس لافتة على الصعيد الدولي؟ ـ نحن لا ننكر ان ابن لادن كان في السودان، ابن لادن جاء الى السودان كمستثمر اقتصادي، ولم يأت مقاتلاً سياسياً، وطوال وجوده في السودان لم يتعد دوره الاقتصادي، حيث اسس بعض الشركات وبعض الطرق ـ ونحن في تلك الفترة كنا نقبل اي مستثمر عربي من أي بلد عربي جاء ـ فقضية ابن لادن تختلف تمام الاختلاف عما يحيط بها من أشياء الآن، ثم ان ابن لادن اختار ان يخرج من السودان الى مقره الآن، فهذه لم تكن قضية ارهابية ولم يمارس عملاً سياسياً واحداً من السودان طوال فترة اقامته انما كان مستثمراً اقتصادياً. أما قضية كارلوس فهي تختلف تمام الاختلاف فكارلوس جاء متسللاً الى السودان ولم يجئ من أبواب السودان الرسمية، ولم يأت كشخصية متعاملة مع النظام، دخل باسم عربي بجواز سفر مزور وأقام إقامة متخفية تحت هذا الاسم العربي في الوقت الذي اراد فيه السودان ان يفتح أجواءه لاخوانه العرب بلا قيود، وحينما تم اكتشاف دوره بادر السودان لتسلميه، ولو كان السودان يتعامل مع الارهاب لأبقى عليه بل لو كان السودان يتعاون مع الارهاب لاستفاد من وجوده في السودان ارهابيا، ولكن قضية كارلوس تدلك وبشكل واضح ان السودان بعيد عن مجالات الارهاب وليس عنصراً ارهابياً. ـ عودة الى السؤال السابق، لماذا جاءت المبادرة الأمريكية في هذا الوقت بتقديرك؟ ـ اساسا لم تقف المبادرات الأمريكية، جرت محاولات عدة وفي فترات عدة ـ وربما رأت أمريكا ان تغير موقفها تجاه السودان لأن لها مصالح ـ ولأن في السودان ثروات، ولأن في السودان الآن انفتاحاً على دول قد لا ترى أمريكا في وجودها في السودان حفاظاً على مصالحها، فهو أمر يهم أمريكا أكثر ما يهم السودان. ـ وبشكل عام كيف ترى مسار مشكلة الجنوب حالياً؟ ـ حل أي قضية يتطلب طرفين يرتضيان بالحل، طرف واحد لا يستطيع حل القضية مهما كانت، قضية الجنوب عمرها 50 عاما بدأت عشية الاستقلال، استقلال السودان عن الحكم الثنائي، من هناك بدأت القضية تصل الى حلول ثم تفجر ثم تصل الى حلول ثم تنفجر لأسباب عدة ونحن نتعايش مع هذه القضية ونطرح من جانب الحكومة كل الممكن لحل القضية ـ القضية تتلخص في اقتسام السلطة واقتسام ثروة من جانبنا ـ في الشمال نحن نرى ان القضية هي قضية اقتسام سلطة وثروة وقضية مظالم اجتماعية، نحن في الشمال نقول لاخواننا الجنوبيين تعالوا نحن مستعدون لاقتسام السلطة وذلك عبر سودان مشكل في ظل حكم فيدرالي من 26 ولاية. ـ تعلم انه قد مر أحد عشر عاماً على الغزو العراقي للكويت، ولكن هناك بعض الأمور ما زالت معلقة مثل مشكلة الأسرى، فهل هناك وساطة من جانبكم؟ ـ الفريق البشير عندما زار منذ عام الكويت رحب وقال نحن مهتمون بموضوع الأسرى ـ فهل هناك مؤشرات أو تحركات حثيثة حول هذا الموضوع، والقيادة الكويتية تعرف الاتصالات التي يقوم بها السودان وتبلغ بها أولاً بأول، هذه اجابة اذا كنت تسأل عن الموقف.