لم يزل «دونالد رامسفيلد» اسماً غير مألوف تماماً في الولايات المتحدة بالنسبة للكثيرين، لكنه يقطع الآن خطواته الواثقة في طريق سيمضي به ليصبح اكثر وزير دفاع امريكي شهرة منذ روبرت ماكنمارا خلال حرب فيتنام. من الطبيعي ان يبدو وزير الدفاع كبيراً داخل دوائر واشنطن فقط طالما انه يتنقل بين هذا الروتين البيروقراطي وذاك والمتعلق باعداد الميزانية والشهادة في مبنى الكابيتول هيل وتبادل الاحاديث مع نظرائه في حلف الاطلسي. بل ان ريتشارد تشيني الذي شغل هذا المنصب خلال حرب الخليج الثانية أفل نجمه آنذاك مقارنة بالشهرة التي حصدها اثنان من كبار جنرالات تلك الحرب، وهما كولن باول وتورمان شوارزكوف. يدين رامسفيلد في بزوغ نجمه هنا إلى الطبيعة المتفردة للصراع الدائر الآن. فليس هناك اليوم من جنرالات عظام تنطوي مهمتهم على اجتياح العدو واخراجه من عاصمة محتلة ليعودوا إلى وطنهم لتتوجهم اكاليل الغار. انها اليوم حرب ـ كما وصفها رامسفيلد نفسه ـ تدور رحاها في الظل، وتستخدم فيها اسلحة مختلفة تماماً عن تلك التي استخدمت في الحروب التقليدية خلال العقد الماضي، غير انه بهذا القول قد اغضب بعض العاملين في الدائرة العسكرية. فقد ابدى عدد من كبار الضباط ـ واعلاهم صوتاً الجنرال البحري المتقاعد انطوني زيني، الذي يعمل حالياً مستشاراً لوزير الخارجية كولن باول ـ عدم رغبتهم في ارسال عدد كبير من رجال القوات الخاصة إلى افغانستان، من دون الحصول على معلومات استخبارية كافية. ويفضل هذا الفريق حملة طويلة، على غرار حرب الخليج تعتمد في البداية على القوة الجوية، وقد نقلت مصادر مطلعة ان رامسفيلد قد اعرب عن خيبة امله بهذا الاسلوب الذي فشل لحد الآن في القضاء على جماعة طالبان. كما اشارت تلك المصادر إلى وجود معارضة داخل الدائرة العسكرية حول نشر رادارات «جي ستارز» المحمولة جواً والقادرة على التقاط صور لعناصر معادية وارسالها إلى القوات الموجودة على الأرض. اما سبب هذا الرفض فيعزا في احد جوانبه إلى الخشية من فقدان مثل هذه المعدات باهظة الثمن.وبغض النظر عما تحمله مثل هذه النقاشات من مزايا معينة، فإنه يبقى مؤكداً القول ان رامسفيلد قد اعد نفسه جيداً لهذا المنصب، تماماً كما فعل من سبقوه اليه فقد تراوح «زعماء البنتاجون» بين قادة اسراب (متشارلز ولسون، ماكنمارا» واستخباريين (جيمس شليزنجر، هارولد براون) ومشروعين (ملفين ليرد، وليام كوهين). اما رامسفيلد فقد مر بكل هذه المراحل في الحياة العملية وبات اول شخص يتولى هذا المنصب مرتين. وربما تتمثل خيبة امله في فشله من الفوز بالرئاسة الامريكية والتي خاض من اجلها جولة ترشيحية فاشلة عام 1988. ولد رامسفيلد في شيكاغو عام 1932 لاب كان يعمل وكيل عقارات. وتعلم في مدرسة «نيو تراير هاي» وهي واحدة من افضل عشر مدارس حكومية في الولايات المتحدة. في عام 1954 تخرج في جامعة برنستون، والتحق بالبحرية الامريكية حيث خدم طياراً في صفوفها وفيها فاز ايضاً بلقب بطل البحرية للمصارعة. انه لا يزال يتمتع باللياقة من الناحية البدنية ويمارس التزلج وقطع الشجيرات في مزرعته في نيومكسيكو اما هوايته الاخرى فهي القراءة، وافضل كتبه هي سيرة حياة تشرشل كما كتبها وليام مانشستر تحت عنوان «الأسد الأخير» ودراسة روبرتا ولستيتر عن الفشل الاستخباري الصادرة بعنوان «بيرل هاربر: التحذير والقرار». في عام 1962 تم انتخاب رامسفيلد عضواً في الكونجرس عن مسقط رأسه وهي المقاطعة الشمالية الثرية من «ويندي سيتي» وبضمنها احياء مثل «وينتكا» (التي ظهرت في فيلم المنزل الوحيد). وفي الكونجرس نال رامسفيلد سمعة بانه ليبرالي جمهوري ـ وهي سمعة اكتسبها ليس بسبب سجله الانتخابي الذي ضمن فيه «تصنيف موافقة» بلغ 100% من الغرفة التجارية الامريكية، بقدر ما كانت تعزا إلى يفاعته ودرجة ذكائه. اما معلمه الناصح له في الكونجرس فكان المعتدل جيرالد فورد. فاجأ رامسفيلد العديد من اعضاء الكونجرس عندما قدم استقالته عام 1969 بعد العرض الذي قدمه له الرئيس نيكسون بتولي ادارة مكتب الفرصة الاقتصادية ـ وهو برنامج الحزب الديمقراطي لمكافحة الفقر الذي اتهم فيه نيكسون المعارضة. وقد استطاع رامسفيلد انقاذ البرنامج من الانهيار، وشكل حوله فريق عمل رائعاً شمل من بين اعضائه صديقه فرانك كارلوس الذي شغل فيما بعد منصب وزير الدفاع في عهد رونالد ريجان وكينيث اديلمان اصبح بعد ذلك قائد جهاز الحد من التسلح في عهد ريجان وكذلك كريستي وايتهان (الذي تولى بعد ذلك منصب حاكم نيوجرسي). ومن الامور البارزة الاخرى في سيرة حياته انه «تولى رعاية» رجل شاب آنذاك يعرف باسم ريتشارد تشيني. وقد بدا ان رامسفيلد كان دوماً رجل المكان المناسب في الوقت المناسب. ففي عام 1973 اصبح سفيرا لدى حلف الناتو، وهو ما ابعده عن واشنطن خلال ازمة ووترجيت، التي ادت إلى استقالة نيكسون عام 1974. غير انه عاد إلى واشنطن في اجازة رسمية دورية خلال الايام الاخيرة من تلك الازمة ليكون في مساعدة الرئيس المقبل جيرالد فورد ـ في مرحلته الانتقالية ـ وغدا بعد ذلك «رئيس اركان» البيت الابيض الحقيقي. في نوفمبر عام 1975 ابعد الرئيس فورد وزير دفاعه جيمس شليزنجر عن هذا المنصب بعد مطالبته بتبني موقف اكثر تشدداً من السوفييت. وبفضل هذه المتغيرات شغل رامسفيلد منصب وزير الدفاع، لكنه نجح في الوقت عينه في المجيء بتشيني ليكون من يخلفه داخل البيت الأبيض. ولم يمض وقت طويل حتى ضمن رامسفيلد حصوله على الميزانية التي حاول سلفه شليزنجر عبثاً الحصول عليها. بعد هزيمة فورد في انتخابات عام 1976 اصبح رامسفيلد رئيساً لشركة «جي دي سيرل» الرائدة في صناعة الادوية، ومن ثم رئيساً لشركة «جنرال انسترومنتس» التي لعبت دوراً اساسياً في انتاج اجهزة التلفاز عالية الوضوح. وانذاك ايضاً قدرت ثروته بحوالي 140 إلى 360 مليون دولار. وقد عمل ايضاً مبعوث الرئيس ريجان إلى مؤتمر «معاهدة القانون البحري» حيث انطوت مهمته على اقناع رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر بدعم الموقف الامريكي الرافض لتوقيع تلك المعاهدة. كما شغل خلال الفترة من 1983 ـ 1984 مهمة المبعوث الخاص للشرق الاوسط وهي مهمة اكسبته خبرة مازال يستعان بها في الازمة الشرق اوسطية الراهنة. وفي هذا الاطار يقول نائبه بول ولفووتز: «سيقول لك (رامسفيلد) انه اضطر في احدى المرات وبينما كان يقوم بمهمة المبعوث الخاص للشرق الاوسط إلى الاحتماء باحدى الطاولات اثناء قصف بيروت وبأن المترجم العربي لم يستطع فهم كلمة واحدة مما كان يقال عبر جهاز اللاسلكي. وانه يستخدم هذه الحادثة اليوم لايصال وجهة نظره حول عيوبنا في اجادة مهارات تقاطع الحضارات». وخطف رامسفيلد خبرته التجارية التقنية في تسيير امور هيئتين تولى هو شخصياً رئاستهما وهما لجنة تقويم معاهدة الصواريخ الباليستية لعام 1998 وكذلك لجنة الفضاء. توصلت اللجنة الاولى إلى استنتاج ان الاستخبارات الامريكية قد عمدت دوماً إلى تقليل شأن التهديد الصاروخي الذي يمكن ان تشكله «دول مارقة» مثل كوريا الشمالية بينما حذرت اللجنة الثانية من آثار «بيرل هاربر فضائية». ومع هذا وجد البعض في عودة رامسفيلد إلى البنتاجون امراً مفاجئاً فقد ازيل اقوى المرشحين لهذا المنصب وادرك تشيني ـ نائب الرئيس المنتخب ـ ان ثقلاً موازياً للجنرال باول لابد له من الظهور نظراً للحاجة اليه. بقى تشيني صديقاً مقرباً من رامسفيلد واقنع بوش بعدم تجاهل «من كان يوماً راعياً له». وبهذا بات رامسفيلد اول شخص يدير البنتاجون مرتين. وخلال الحملة الانتخابية تحدث بوش عن العبور فوق جبل كامل من الاسلحة لمواجهة انواع جديدة من التهديدات وهنا بدأ رامسفيلد بالتحول صوب «اشخاص خارجين غير تقليديين» للقيام بمراجعة شاملة للجوانب الكبرى في مهمة وزارة الدفاع. الا ان تلك الثورة التقنية والمنهجية الواسعة قد اثارت مخاوف الكونجرس ومتعهدي وزارة الدفاع وخدمات التسلح الذين ظنوا في هذه الاصلاحات تأثيراً على برامجهم التسليحية المفضلة. وقد بلغ هذا التوتر المعلن درجة اصبح من المألوف معها القول ان رامسفيلد قد فقد لمسته السحرية وان الاصلاحات قد ذهبت ادراج الرياح. في خضم كل ذلك كان واضحاً وبرغم المبالغة الكبيرة التي حملتها هذه الاقوال ان حاجيات البنتاجون قد خسرت مكانها امام اولويات البيت الابيض مثل خفض الضرائب. ثم جاء الحادي عشر من سبتمبر وفيه كان رامسفيلد لا يزال يتلقى الاخبار من وكالة المخابرات المركزية (سي اي ايه) عندما استشعر قوة الضربة التي احدثها اصطدام الطائرة بولينج 757 المختطفة بمبنى البنتاجون، فاندفع عبر اعمدة الدخان ليساعد فرق الانقاذ. حينها أخبره رجال الامن خاصته، كما يتذكر ولفووتز: «من الافضل لك الابتعاد من هنا، ونزلنا جميعاً إلى مركز القيادة الذي سرعان ما امتلأ بالدخان ولم يعرف أحدنا ما هو مصدر ذلك الدخان»!! لكنه ظل يتعامل مع الازمة من دون ان يكترث لامر سلامته، ويتحدث مع الرئيس ونائبه، ويتصل بمركز قيادة الدفاع الفضائي الامريكي الشمالية ليتأكد بأن طائرات اف ـ 16 اصبحت جاهزة للرد.بفعل هذه الاحداث ضمن رامسفيلد الحصول على ميزانية اضافية بلغت 14 مليار دولار لصالح البنتاجون. وهو قد ادرك ايضاً الحاجة إلى تلك الاصلاحات التي كانت تدور في مخيلته لاسيما وان ماحصل يوم الحادي عشر من سبتمبر شكل تجسيداً لما يمكن ان نسميه «حرباً لا متناسقة». من الجلي هنا ان «البنتاجون الجديد» سيشدد اكثر، على الاستخبارات التي يعتقد مستشارو رامسفيلد انها عانت نقصاً في التمويل وصل إلى 21 مليار دولار في عهد الرئيس كلينتون. يرغب رامسفيلد في الحصول على اكبر عدد ممكن من الحلفاء ليستقلوا جميعاً طائرة الصراع الدائر الآن، وسيكون امراً غريباً ان فشل السفير السابق في حلف الناتو في هذه المهمة. الا انه على يقين في الوقت ذاته ان «مساحة» التحالف المتعدد الجنسيات يمكن شراؤها بسعر عال جداً. يقول احد المقربين من رامسفيلد: «ينقسم الآن صناع السياسة الامريكيون إلى معسكرين، يرى احدهما ان الحساسيات العربية تعتبر اساسية في صياغة الاستراتيجية الامريكية، بينما يعتقد المعسكر الثاني ان القوة الامريكية هي الاساسية للحساسيات العربية. ورامسفيلد ينتمي للمعسكر الثاني». فقد كرر رامسفيلد ومنذ توليه وزارة الدفاع القول ان الاطاحة بالرئيس العراقي امر ضروري لابد منه. ويشدد الكثيرون من حوله بأن من واجب البنتاجون تسليح الجماعة العراقية الرئيسية المناهضة لصدام. واذا ما اضطرت الولايات إلى السير بمفردها في حرب محددة اكثر ضد الارهاب، فإن رامسفيلد لن يفقد كثيراً من ساعات نومه. فهو قد اصر على الدوام على ان يشق طريقه بمفرده وربما هو الآن اكثر عزماً مما كان عليه عندما فقد منصبه في وزارة الدفاع آخر مرة.وهنا يقول عنه احد المقربين اليه «انه لم يعد تواقاً إلى الكسب المادي او البحث عن مغامرات، وانما يفعل الآن فقط ما يراه صائباً». عن « نيويورك تايمز»