كسر قواعد المفاوضات يتحول إلى المخرج الوحيد للفلسطينيين لماذا اندلعت الانتفاضة الفلسطينية ؟ وما هي المواقف الحقيقية للمجتمع السياسي الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين ؟؟ وأين دور معسكر اليسار الإسرائيلي في خضم الأحداث الدامية والحرب العنصرية التي تشنها الحكومة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ؟ وهل يمكن اعتبار «دولة إسرائيل» شريك سلام مع الفلسطينيين ؟ أم أن مفاهيم وترجمات التمييز العنصري تسود المجتمع الإسرائيلي ؟ وما هي شروط المصالحة بين «دولة إسرائيل» وفلسطين ؟ وهل يستطيع المجتمع الإسرائيلي تلبيتها؟ على هذه الأسئلة والتساؤلات وغيرها الكثير ، يرد حوالي ثلاثين من أبرز الكتاب والباحثين والصحافيين والمفكرين وأساتذة الجامعات الإسرائيلية ، في قراءات تحليلية يلقى هذا الكتاب الضوء عليها. تنتقل الكاتبة اليسارية الإسرائيلية حنان حيفر، إلى إلقاء الضوء على دور المثقف الإسرائيلي إزاء الأحداث فتقول: في مؤتمر حول موضوع خصخصة الأراضي عقد في حي الشعب في تل أبيب في نوفمبر2000 بعد عدة ساعات من انفجار عبوة ناسفة في حافلة في الخضيرة، استهل الفنان ولاعب القوس الشرقية شلومو وزانه أقواله بصرخة مليئة بالانفعال حيث قال: «كفى للاحتلال، كفى للاحتلال الفظيع، كفى لهذا الاحتلال اللعين»، وقد أثارت هذه العبارة رداً غاضباً من جانب مشترك آخر في قائمة المتحدثين، وقف والتفت إليه ووبخه بشده لأن عبارته «كفى للاحتلال» ليست مخجلة فقط، وإنما لكونه يتكلم ويتصرف كعربي وليس كيهودي، كما لو أن لسان حاله يقول بأن من يجتاز الخطوط ويخون شعبه فقط قادر على الرد على مثل هذا الحدث الفظيع الذي تمثل في وضع عبوة ناسفة في حافلة عن طريق ترسيخ الشمولية المتمردة ضد الاحتلال. مقابل صرخة وزانه واتخاذه الموقف الحازم القاطع فإن النشاط الثقافي الإسرائيلي المميز اليوم يعتبر مثل هذه الصرخة التي تعبر عن ارتباك، ان أحداً لا يعرف ماذا يريد عرفات، هذا ما أوضحه لنا أرييه جولان الذي يجرى مقابلات والمرافق لبرنامج الأخبار للقناة الأولى الذي يبث في الساعة السابعة والنصف، تحول الارتباك إلى صنم، إلى وثن يوجده كثير من رجال الاعلام والمثقفون وأيضاً يعبدونه، فمعسكر السلام الإسرائيلي يقف أمام أزمة، يقولون لنا، الآن وبعد أن قدّم باراك اقتراحات بعيدة المدى يرد عليه عرفات بالعنف والإرهاب، يبد أن النظرة المعمقة بفضائل هذا الارتباك يمكنها أن ترينا أنه يخفي وراءه رعباً كبيرا وبالذات بسبب الوضوح الكبير الذي ترى فيه الأمور، بل وأكثر من ذلك، أنه يخفي رعبا من النتيجة السياسية المستوجبة من هذا الوضوح وهي اجتياز الخطوط والتعبير عن التعاطف مع الجانب الآخر، ذلك أن الخوف من الاعتراف بالوقائع أكبر بكثير من العبء الذي ينطوي عليه الارتباك. وتنتقل الكاتبة إلى الحديث عن خطوط المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية فتقول: على النقيض من الأصوات التي تتردد وتسمع هنا ومفادها أن الوضع السياسي معقد، وأن من الصعب جداً التمسك بهذا الموقف أو ذاك حيال الأحداث الدامية، فإن الخطوط الكفافية للمواجهة بيننا وبين الفلسطينيين كانت على الدوام واضحة وبسيطة جدا، كما أن الوضع حاد وواضح تماما، بلغت ديناميكية المواجهة في أعقاب اتفاقات أوسلو في هذا الوقت إلى نقطة الغليان، واتضح أن الاقتراح الذي اقترحه الإسرائيليون بعيد جداً عن الحد الأدنى للطموحات الفلسطينية، بعيد مما جعل الرد المطلوب والمنطقي من ناحية الفلسطينيين يتجسد في مغادرة مائدة المفاوضات واللجوء إلى استخدام السلاح، لقد ردوا كمن لا يستطيعون أكثر من ذلك تحمل قواعد إدارة المفاوضات، التي تحولت بالنسبة لهم إلى طوق خانق، وآلية مغلقة لا تخط ولا ترسم طريقا لحل حقيقي، تُحل فيه القضايا الساخنة، ولا تتيح طرح مطالبهم التي تشكل الحد الأدنى على جدول الأعمال بطريقة شرعية، لقد أوجد اقتراح باراك بل أكثر من ذلك عرض اقتراح الحد الأدنى المتعلق بالقدس كتجسيد بعيد المدى نحو الفلسطينيين، أوجد طريقا مغلقا، وفي مثل هكذا حالة أضحى كسر قواعد لعبة المفاوضات المخرج الحقيقي للفلسطينيين، وأمسى اللجوء إلى استخدام العنف غير مستبعد. يتفق الجميع ويفهم بأن ما يسمى «دائرة العنف» لن تفضي إلى نتيجة، فالجيش الإسرائيلي لن يستطيع الانتصار، حتى لو سمحوا له بذلك، كما أن الكثيرين متفقون على أن التسوية السياسية وحدها هي التي تقود إلى حل، وأن هذا الحل ينطوي على هضم افتراض بأن الفلسطينيين سيحصلون في نهاية المطاف على مبتغاهم وهو اتفاق بين دولتين، فلسطينية وإسرائيلية، في حدود 1967 وتفكيك الغالبية العظمى من المستوطنات، وتعديلات طفيفة عن طريق تبادل مناطق، وتقسيم القدس إلى عاصمتين، واعتراف إسرائيل بمسئوليتها عن مشكله لاجئي 1948، ولهذا فإن السؤال الذي بقي مطروحاً هو ليس إذا لم يكن اتفاق، بل متى سيتم هذا الاتفاق، أو بصيغة مثيرة حتى ذلك الوقت فهل سيقبل الجانب الإسرائيلي شروط الحد الأدنى للفلسطينيين فقط بعد تدهور النزاع إلى حرب وربما أيضاً إلى حرب إقليمية شاملة. وتأتي الكاتبة هنا إلى دور المثقف اليهودي كما تقول: من هنا يبرز دور المثقف اليهودي الإسرائيلي في هذا الوقت، ولم يبق للمثقف اليهودي على ضوء الوضع الناجم خيار فليس في مقدوره أن يواصل تضامنه التلقائي مع شعبه، ذلك أن التعاطف مع الجانب الآخر يتحول الآن، وبمزيد من القوة إلى ضرورة ملحة، وهذا هو أيضاً غير مستبعد من جانب من يريد أن يحفز مسيرة قبول الواقع ووتيرة ترسيخه، لترسيخه، وربما بذلك يقلص الثمن الفظيع الذي يدفعه الإسرائيليون يومياً، والثمن الأكثر فظاعة الذي يدفعه الفلسطينيون. إن أساس عمل العنف هو المساهمة في التكيف العام مع صورة هذا الوضع، لأنه كلما سارعوا في ترسيخه وفروا دماً أكثر وقلصوا حجم المعاناة في كلا الجانبين، ولكن مما يؤسف له، أن الاحتلال لا يزال يشكل الإطار التصوري الذي يوجه الفكر الإسرائيلي بالنسبة للعلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والذي يتيح لهم مواصلة الاعتقاد أنهم قادرون على فرض اتفاق سلام على الفلسطينيين، حتى ولو لم يلب الحد الأدنى من مطالبهم ولا يتيح لهم عملياً إقامة دولة قومية ذات سيادة خاصة بهم. إننا نعيش اليوم مرحلة متقدمة من انهيار الاحتلال بشقيه الفكري والعملي اللذين يمثلان سيطرتنا على شعب آخر وكأنه وضع طبيعي، سليم ونموذجي، ان ردود الفعل العنيفة من شأنها فقط أن تسرع عملية الانهيار هذه كما أن الأمر هنا يتعلق بشرط نهايته معروفة سلفاً وهي أن جميع السوابق التاريخية للتحرر من نير الاحتلال الاستعماري، التي شهدها القرن العشرون، تقر ذلك. من جهة أخرى فإن الاعتراف بضعف البعد الزمني يدفع المتفرجين على سير الأمور إلى حسم قوي ويزيد من الاستقطاب، فالمتفرجون من اليمين يتحصنون في حلول الضربات العنيفة ( دعوا الجيش الإسرائيلي ينتصر! ) مع علمهم بأن مثل هذه الضربات ستمنح دفعاً جديداً لما يسمى باللغة المتوازنة «دائرة العنف» بينما النظرة من اليسار هي النظرة الأكثر صعوبة، إذ تلزم صورة الوضع الراهن المثقف من اليسار باتخاذ موقف حاسم نابع من موقفه الشمولي، الذي يقف الآن في تناقض شديد مع الموقف الاصطفائي القومي المتبضع من الطرف الآخر لجبهة الحرب القومية. من جهة توصف انتفاضة الأقصى كحرب قومية للشعب الفلسطيني ضد الشعب الإسرائيلي، ومن جهة أخرى تفهم على أنها بمثابة مرحلة في النضال الفلسطيني للتحرر من الاحتلال الإسرائيلي، ان الإسرائيليين الذين يعترفون بالعدل الشمولي للفلسطينيين ويعارضون الاحتلال ليس في وسعهم الآن أن يكونوا جزءاً من الحرب التي تديرها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، إذ يتحتم عليهم أن ينتهجوا موقفاً يدفعهم إلى الجانب الآخر من المتراس القومي، وهذا هو بالضبط ما فعله كثيرون من الإسرائيليين الذين وقعوا في الآونة الأخيرة على عريضة تؤيد من دون أي تحفظ دعوة المثقفين الفلسطينيين لوضع حد للاحتلال والتوصل إلى تسوية تقوم على أساس المطالب الأساسية للفلسطينيين. بناءً على ذلك، ومن أجل أن يخدم شعبه، يجد المثقف الإسرائيلي ـ اليهودي نفسه مجبراً على إخلاء مكانه داخل شعبه، ومن أجل أن يفعل ذلك، يدفع إلى موقف وصفه ناطقو اليمين بالخيانة، فما هو إذن الموقف النقدي الممكن للمثقف حيال وضع انتفاضة الأقصى ؟ ان الموقف النقدي للمثقف، كما قال جان بول سارتر، هو أن مكانه الانتقائي الذي يقف فيه في تناقض لموقفه الشمولي يعتبر تناقضاً بين انتقائية كونه جزءاً من الشعب اليهودي الإسرائيلي وبين النظرة الشمولية التي ترى عدل مطالب الفلسطينيين وتتضامن مع مشاعرهم وتطلعاتهم، ومن خلال ذلك، فإن التناقض والتصادم بين من يواصل طبقاً للأمر الشمولي التضامن مع شعبه الموجود عبر أحد متراسي الحرب مع الفلسطينيين، وبين من يؤيد موقفهم ومستعد لتبرير توجههم نحو العنف. في إطار الحديث عن دور اليسار والمثقفين الإسرائيليين، يواصل الكاتب اليساري أمنون راز كركوتسكين انتقاد مواقف معسكر اليسار الإسرائيلي من الانتفاضة والفلسطينيين، فكتب تحت عنوان فصل أم ازدواجية قومية يقول: في شهر فبراير2000 نشر نحو 120 من المثقفين والشخصيات العامة يمثلون جميع ألوان الطيف الاجتماعي السياسي الفلسطيني نداءً للجمهور الإسرائيلي، أوضحوا فيه أن أي محاولة إسرائيلية لفرض تسوية لن يكتب لها النجاح، وأنه إذا أجبرت القيادة الفلسطينية على التوقيع على إملاء قائم على موازين القوى الدولية فإن مثل هذا الاتفاق لن يصمد طويلاً بل سيفضي إلى كارثة، بالمقابل وقع حقاً مئات من الإسرائيليين على عريضة تضامن مع المبادئ التي عرضت في هذا النداء، ولكن ظل يعوزها التأثير السياسي، أما الدوائر التي نعتت نفسها بـ «معسكر السلام» فقد تجاهلت هذه النداءات، كما تجاهلت نداءات أخرى وواصلت دعمها لسياسة الاستيطان ومصادرات باراك وزعمت هذه الدوائر بأن النزاع أصبح قاب قوسين أو أدنى من الحل، لقد أحضرنا عماهم إلى هنا. وفي نوفمبر عاد الموقعون الفلسطينيون ونشروا نداء آخر، وعرضوا فيه موقفهم حيال الأحداث الدموية وحيال الحل المطلوب، وعرضوا في ختام وثيقتهم المبادئ التي اعتبروها شرطاً لمصالحة وتسوية تاريخية بين الشعبين، وقد أعرب عدة مئات من الإسرائيليين عن تأييدهم لهذه المبادئ لتكون قاعدة لتسوية سلمية حقاً، اعتقد بأن قبول هذه الوثيقة بما تضمنته من مبادئ يعتبر شرطاً لمسيرة مصالحة حقيقية، تمهيداً لتسوية تاريخية بين الشعبين، ومن الممكن بعد ذلك وعلى قاعدة قبول هذه المبادئ التوصل إلى حلول وتسويات، وذلك إزاء الواقع المعقد الذي نشأ في فترة الاحتلال، ومن الممكن أيضاً صياغة حلول تتيح الإبقاء على عدد من المستوطنات، ومن البحث عن طرق لتجسيد حق العودة على أساس الاعتراف أيضاً بالحقوق الجماعية لليهود، لكن مثل هذه التسويات لا يمكن قبولها كنتيجة إملاء، بل على الاعتراف المتبادل المسبق، إلى ذلك حرص الفلسطينيون على صياغة مبادئهم بشكل يترك منفذا لسلسلة من التسويات المرتكزة إلى الواقع، وهي مبادئ للمفاوضات وليس الحل النهائي. ويأتي الكاتب إلى انتقاد موقف اليسار قائلاً: ان التعاطف مع هذه المبادئ هو في نظري شرط لتتحول الدوائر المقلصة التي تؤمن بالتسوية على قاعدة المساواة والاعتراف بالظلم إلى قوة سياسية، في الوضع الراهن، حيث تغيب بشكل واضح أية حركة سلام في إسرائيل علينا أن نسأل، كيف لم ينشأ حيال الأحداث الأخيرة احتجاج جدي من اليسار وخاصة من قبل الجبهات التي تطلق على نفسها اسم «اليسار» تلك التي تقوم حالياً بقمع الانتفاضة الفلسطينية، ففي مثل هذا الوضع يمكن للمبادئ السياسية التي وضعها المثقفون الفلسطينيون أن تقف أمام «اللاءات الأربعة» التي وضعها باراك أمام المفاوضات ويجب أن تشكل قاعدة لإقامة حركة سلام إسرائيلية، ذلك أن هذه المبادئ تجسد الرغبة في تسوية ترتكز إلى المساواة والاعتراف المتبادل، وتكمن أهمية هذه المبادئ، في أنها قاعد لإيجاد موقف مشترك وبالتالي تضع أمام الإسرائيليين تحدياً واضحاً، وأعتقد بأن التضامن مع الموقف الفلسطيني المتزن المطروح هنا يعتبر شرطاً لتشكيل خيار حقيقي للسياسة القائمة ومن ثم توضيح هذا الخيار وصهره. وينتقل الكاتب هنا إلى معالجة الصراع بطرحه المفاضلة بين فكرتي الفصل وازدواجية القومية فيقول: إلى أن تترجم لتسوية سياسية ومن أجل تقريب هذه اللحظة من المهم أن تثير هذه المبادئ نقاشاً واسعاً معمقاً بشكل قاعدة مسيرة المصالحة التاريخية، كما يتطلب هذا موقفاً شاملاً، يتعلق بمجمل قيم المجتمع الإسرائيلي ومفهوم الوجود اليهودي في البلاد، لأن من المقرر لمثل هكذا موقف أن يواجه الحوار الحالي، الذي يحكمه مبدأ «الفصل» الذي يشكل محور مفهوم السلام الإسرائيلي الذي أتاح في فترة ما بعد أوسلو ترسيخ نظام التفرقة العنصرية في المناطق المحتلة، من خلال خلق شبكة من المستوطنات والطرق الالتفافية والتي حالت دون أية إمكانية لإنشاء دولة فلسطينية ذات إقليم مترابط، وتشكل الحد الأدنى من السيادة، كما أن مبدأ الفصل هو الذي يقف أيضاً وراء التعالي الإسرائيلي والعنجهية والإحساس بإمكانية فرض الاتفاق على الطرف الآخر، أنه العمى الذي أوصلنا إلى هنا. ينبغي حاضراً تغيير مبدأ الفصل بمبدأ «ثنائية القومية» وهذا ليس بالضرورة بمفهوم الطموح لإقامة دولة واحدة «مزدوجة القومية» بل كشبكة من القيم السياسية الحيوية، أيضاً من أجل إقامة الدولة الفلسطينية، وبالمناسبة، أصبح من المستحيل اليوم التنازل عن مبدأ قيام الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب إسرائيل، وقد جاءت الانتفاضة الثانية في المناطق لتعزز هذه الحقيقة، ومن الجدير هنا لفت النظر إلى أن مفهوم «الدولة الفلسطينية» فقد قيمته في الحوار الإسرائيلي، وبدلاً من أن يفهم على أنه أداة لتحقيق المطالب الفلسطينية، تحول إلى قاعدة «الفصل»، ان معنى الرغبة في «التخلص من المناطق» يوازي أمل «التخلص من العرب»، من خلال المحافظة، بالطبع، على الكتل الاستيطانية. وعليه، كان مبدأ «ثنائية القومية» أمراً مهما، من أجل أن نعيد إلى مفهوم «الدولة الفلسطينية» معناه الأصلي وبريقه الخاص، كما أن هذا المبدأ يستوعب اعترافاً جذرياً بأن كل تسوية ستقام على مبادئ المساواة بين الشعوب وعلى اعتراف من جانب إسرائيل بمسئوليتها التاريخية عن الإجحاف الذي ألحقته بالفلسطينيين، وكذلك الاعتراف بحقوقهم، بما في ذلك حق العودة، ان مثل هذا الاعتراف يشكل أساساً للمصالحة، وشرطاً في نهاية المطاف لضمان الوجود اليهودي في البلاد. مما يجدر ذكره أيضاً أن دولة فلسطينية بحد ذاتها ليست حلاً كافياً للمسألة الفلسطينية بمجمل جوانبها، حتى ولو أقيمت دولة فلسطينية في حدود الرابع من يونيو 1967 (الأمر الذي يبدو بعيداً اليوم)، يبقى مبدأ ثنائية القومية مبدأ مركزياً في بحث مسألة مكانة ووضع الفلسطينيين مواطني إسرائيل، ان مكانة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل من شأنها أيضاً أن يتحول إلى مكانه أكثر هامشية في حالة قيام دولة فلسطينية مستقلة، وسيبقون في موقف ضعيف بشأن علاقات الشعبين وحقوق الطرفين. ظهر خلال الأحداث الدموية الأخيرة بشكل حاد وبدفعة واحدة طابع مبدأ الثنائية القومية للواقع بشكل المسائل الأساسية على طابع النزاع، لقد أعلنت دولة إسرائيل بشكل واضح وصريح الحرب على الشعب الفلسطيني، وحددت بوضوح أن الصراع هو بين شعبين اليهود والعرب، لقد شوه الخط الأخضر بصورة توضح أنه أمسى من المستحيل الفصل بصورة مطلقة بين الجوانب المختلفة للمسألة الفلسطينية: مسألة المناطق، مسألة الفلسطينيين مواطني إسرائيل ومسألة اللاجئين. هناك، بالطبع، فروق جوهرية بين القضايا الثلاث: حيث أن القضايا مختلفة والحلول مختلفة، إلا أنني أؤكد مرة أخرى أنه أضحى من الصعب فصل البحث فيها، إذ يجب أن يتم بصورة مشتركة، ومن خلال ذلك كشفت أيضاً الشروط المطلوبة للمصالحة التاريخية بين الشعوب، من المستحيل الإنكار بأن هذه المسائل بالغة الصعوبة ومعقدة، بيد أن من المحتمل ومن خلال هذه اللحظة أن ينشأ البحث المبدئي المطلوب من أجل تسويتها، نكرر مرة أخرى أنه لم يعد بالإمكان إنكار الموضوعات التي تم إنكارها حتى الآن، ذلك أن الحدود التي وضعها اليسار الصهيوني تبددت كلها حال تجنده السريع لحملة التحريض ضد السلطة الفلسطينية وللحرب ضد الانتفاضة الشعبية الفلسطينية. كان اليسار الصهيوني وحتى 1967 يعيش في حالة من التشوش الفكري والأيديولوجي وكان عليه أن يقدم تقريراً حول حقيقة أن الغالبية العظمى من المستوطنات داخل منطقة دولة إسرائيل كان استيطاناً يهودياً قومياً على أراضي فلسطينية، وكان على اليسار الصهيوني أن يتنافس مع التنافر بين تأييد مبادئ العدل الاجتماعي والسياسي وبين دعم التوطن اليهودي على أراضي فلسطينية مصادرة، بين وصف الأقلية الفلسطينية بمصطلحات قومية وبين وصفها بمصطلحات طبقية، ثم جاءت حرب 1967 وأنست الماضي المثير للمشاكل وحلت هذا التنافر، إذ بواسطة الخط الأخضر فصل اليسار الصهيوني نفسه من ماضٍ مليء بالمشاكل وأخذ يبلور جدول عمل واضح جداً وأقل تشوشاً، وجند نفسه في نضال حول ترسيخ الخط الأخضر من جديد وهكذا استطاع أن ينسى مصادرة الأراضي ويبيض الاحتلال في 1948، إضافة إلى ذلك قبل وحدد كحقيقة مفروغ منها فصل الشعب الفلسطيني لهويتين منفصلتين: «عرب مواطني إسرائيل» و «الفلسطينيون في المناطق المحتلة». تحولت مصادرة الأراضي في المناطق وعملية استعمارها عن طريق المشروع الاستيطاني إلى رافعة نقدية أساسية لليسار الصهيوني، فقد نقل النزاع اليهودي الفلسطيني إلى منطقة أخرى عبر «الحدود»، وتصور اليسار الصهيوني أن المجتمع الإسرائيلي في حدود الخط الأخضر مجتمعاً ديمقراطياً مجرداً من النزاع القومي ينبغي عليه فقط وفي أحسن الأحوال أن يواجه مسائل مثل عدم المساواة، أما غياب الديمقراطية، وعدم العدل، والظلم والاحتلال فقد نقلت جميعاً إلى مناطق أخرى، إلى الجانب الآخر من الخط الأخضر. وبسبب الانفصام القومي والثقافي الذي أوجده اليسار الإسرائيلي أصبح من الواضح لماذا اتفاقات أوسلو سحرت هذا اليسار، ذلك أن هذه الاتفاقات اقترحت صورة جديدة لمواصلة بقاء الخط الأخضر وخرافة الفصل، عبر تجسيد سياسي لمبدأ التقسيم، دولتان لشعبين، لقد كان مبدأ التقسيم هذا وبقى المورد الثقافي الرئيسي لليسار الصهيوني، واقتراح المفهوم الاستعماري للشرق الأوسط الجديد الذي كان مغلقاً باتفاقات أوسلو اقترح أيضاً الخط الأخضر كرافعة لاستغلال قوة العمل الرخيصة الموجودة عبره، ويقدس اليسار الصهيوني الذي جاءت قوته من البرجوازية الإسرائيلية، الخط الأخضر لأنه أيضاً يشير إلى «السوق الحرة» وهو أي اليسار الصهيوني يفصل بين قوة العمل التي لا تزال خاضعة لحماية الدولة وبين قوة العمل الرخيصة المتروك لقوانين الاقتصاد العالمي، فلا عجب أن نشطاء اليسار الصهيوني لم يروا أي تناقض بين المطالبة «بالعدل السياسي» وبين الأمل في أرباح اقتصادية، وقد تم تبني الفلسطينيين مواطني إسرائيل داخل هذا المفهوم إلى داخل إسرائيل مفروضة، عرضت عليهم مساواة مدنية كأفراد ووضعهم جانباً كمجموع، وذلك في دولة وصفت بأنها دولة «يهودية ديمقراطية». ويأتي الكاتب إلى عقلية اليسار الاستعمارية ليقول: مع مرور الوقت طرأت عملية تدريجية استعمارية عقلية في وسط اليسار الصهيوني أيضاً حيال المناطق التي عبر الخط الأخضر وعلى الرغم من موقفه المبدئي ضد المستوطنات إلا أنه سلم بالكثير منها مثل معليه أدوميم، اريئيل، جيله وغير ذلك من المستوطنات ووضع جانباً مكانتها المثيرة للجدل، ولهذا السبب ليس من الواضح اليوم ماذا بالضبط تشمل المطالبة الحاسمة لليسار الصهيوني لإخلاء المستوطنات.