تدخل حرب افغانستان الى باحة مجلس النواب اللبناني مع بدء دورته التشريعية العادية، ورغم كثافة جدول الاعمال المطروح فيها، خاصة على صعيد الموازنة العامة للعام المقبل والسياسة الضريبية للحكومة، والانهيار المعيشي الحياتي الحاصل على مختلف المستويات الانتاجية والاقتصادية الا ان الموضوع الرئيسي الذي من المتوقع ان يستحوذ على تركيز جميع النقاشات يبقى من خارج ذلك الجدول وهو ما يتعلق بالحرب ضد افغانستان، وبما آلت اليه المستجدات الدولية والاقليمية في مرحلة ما بعد التفجيرات في واشنطن ونيويورك في 11 الشهر الماضي. ويرى رئيس لجنة الشئون الخارجية والمغتربين الدكتور علي الخليل ان السؤال الاساسي الذي يطرحه النواب، كذلك اللبنانيون والعرب بصورة عامة، هو: ماذا بعد الحرب ضد افغانستان؟ وتتفرع عن هذا علامات استفاهم كبيرة ومصيرية: «تضع القضايا الحيوية للوطن والامة على المحك» لكن كيف؟ وما هي الاتجاهات الابرز السائدة في الآراء داخل مجلس النواب اللبناني؟ يقول النائب الخليل: «الخطوة الاولى في الحرب هي افغانستان وبحر قزوين، وهي كما تبدو، غير تقليدية، وتهدف الى توجيه ضربة الى اسامة بن لادن، والى تنظيم القاعدة. وهذا الامر واضح. انما نحن نتابع بحذر شديد، وبترقب مسئول، ما هي الخطوة التي ستلي ضرب افغانستان؟ فعلى ما يبدو أن هذه الخطوات اللاحقة لم تزل مجهولة، وان الجانب الامريكي يتبع تكتيكاً من شأنه ان يضع الجميع في الظلام بالنسبة لتلك الخطوات المرتقبة. ما بعد الحرب ـ طرحت سؤالاً: ماذا بعد افغانستان؟ كيف يرى مجلس النواب مرحلة «ما بعد» ما يجري حالياً، خاصة وانه سبق للجنة الشئون الخارجية والمغتربين في المجلس ان ناقشت هذا الامر قبل ايام في اجتماع خصص لذلك؟ ـ يجيب د. الخليل: السؤال هو فعلاً: ماذا بعد افغانستان؟ وما هي الضربة التالية؟ ومن هو المستهدف من هذه الضربة، خاصة بعد ان اكد الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش، في رسالة وجهها الى مجلس الامن الدولي، بأن الولايات المتحدة الامريكية، قد تلجأ الى توجيه ضربات الى دول ومنظمات غير افغانستان، وغير منظمة «القاعدة»، و«الطالبان». لذلك نرى في مجلس النواب اللبناني، أن هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة تحتم تعميق الوحدة الوطنية، لان لبنان في الازمات الصعبة، وفي المنعطفات الخطيرة، كان ولم يزل يقف صفاً واحداً، من مسيحيين ومسلمين في مواجهة العدوان الاسرائيلي، وكذلك تعميق التضامن العربي، والتنسيق اللبناني، السوري في مواجهة الاستحقاقات، والتحديات المنتظرة، الامر الذي يستوجب ردم الهوة بين السياسات العربية والاسلامية الرسمية المعلنة التي تحاول ان تعبّر عن المشاعر والارادات الشعبية، وبين الممارسات السياسية المتبعة من قبل الدول العربية والاسلامية التي لا تلتزم معظمها في غالب الاحيان بالقرارات الصادرة عن اجتماعاتها ومؤتمراتها. الارهاب والمقاومة ـ من اين تبدأ الخطوة الاساسية في مواجهة ذلك سواء بالنسبة لما هو قائم، او لما يمكن ان يحدث لاحقاً؟ تبدأ الأمور من تحديد مفهوم الارهاب، لكي نتفهم الحرب عليه، ومن يمكن ان تشمله هذه هي النقطة الاساسية والجوهرية وعلى العرب جميعهم ان يتابعوها». تعتبر وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان أصدرته على الأقل ان «حزب الله» و «الجهاد الاسلامي» وحركة «حماس» منظمات ارهابية، رغم انها تعمل لتحرير بلادها، ألا يعني ذلك ان الموقف الأمريكي جزء من تحديد الولايات المتحدة لمفهوم الارهاب، والذي يخلط بالتالي بين من هو إرهابي ومن هو مقاوم. هذا الموقف الأمريكي يجعلنا نقلق جداً من النوايا الأمريكية، ونحن كنا ولم نزل نؤكد على ضرورة التمييز بين الارهاب كظاهرة مرفوضة يجب محاربتها بكل ما في الكلمة من معنى، ونقصد به الارهاب الحقيقي، وبين المقاومة المشروعة التي تقرها جميع القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، بما فيها ميثاق الأمم المتحدة، وهذا ما يقوم به «حزب الله» في لبنان و «الجهاد الاسلامي» و «حماس» في فلسطين. لذلك فإننا نطالب بالتمييز بين الارهاب وبين المقاومة انطلاقاً من ذلك التوجه، الارهاب الفعلي في المنطقة هو ذلك المنظم الذي تقوم به اسرائيل والذي عانينا ولم نزل نعاني منه الكثير، فـ «حزب الله» و «حماس» و« الجهاد» هي منظات نضالية تناضل من أجل تحرير أرضها واستعادة حقوقها المشروعة والمسلوبة. لذلك فالمطلوب ضرورة قيام الحوار بين الحضارات وعدم الاساءة إلى الرعايا العرب والمسلمين في بعض المجتمعات الغربية، وعدم استهداف أي دولة عربية أو اسلامية تحت يافطة مكافحة الارهاب، وبالتالي فإن المطلوب أيضاً عقد مؤتمر دولي لتحديد معنى الارهاب ومفهومه والتمييز بينه وبين مقاومة الاحتلال التي تناضل من أجل حق تقرير المصير، فعقد هذا المؤتمر في رأينا بات ضرورة ملحة لتحديد معنى الارهاب، وذلك بعد ان اخفقت الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي انعقدت على مدى خمسة أيام متتالية في تحديد مفهوم الارهاب، وبعد صدور القرار 1373 بتاريخ 28 سبتمبر الماضي والذي وان كان قد أشار إلى ان مهمة مكافحة الارهاب تقع على عاتق الأمم المتحدة، وضمن اطار الشرعية الدولية وتنفيذاً لقراراتها، إلا انه لم يشر إلى تحديد معنى الارهاب وأسبابه، كما انه لم يبين ظاهرة الارهاب المرفوضة والتي يجب ان تحارب والتي يعتبر العرب من أهم ضحاياها من جراء الاعتداءات الاسرائيلية، وارهاب الدولة المنظم، والفارق بينها وبين المقاومة المشروعة كتلك المستثمرة في الجنوب اللبناني، كذلك الانتفاضة في فلسطين، وفق ما تقر به القوانين والأعراض والشرائع الدولية، بما في ذلك المادة الواحدة والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة نفسها. جدية بوش بالميزان ـ كيف نرصد تطور العلاقات الامريكية في مرحلة ما بعد التفجيرات منذ 11 سبتمبر الماضي خاصة وان ثمة من في امريكا واسرائيل يحاول الاشارة الى فروقات وخلافات وتباين في مواقف الجانبين؟ ـ هذا الجدل حاصل حاليا بين الادارة الامريكية ورئيس حكومة اسرائيل ارييل شارون، وهو ما يذكرنا بالسيناريو الذي كان قائما اثناء حرب الخليج الثانية بين التحالف الدولي من جهة والعراق من جهة اخرى. الرئيس بوش الاب اتبع اسلوبا وتكتيكا لايزالان متبعين حتى الآن. آنذاك ابان الحملة ضد العراق أكد بوش على ضرورة عدم تدخل اسرائيل وعدم مشاركتها في تلك الحرب لكي يربح الجانب العربي ولو مؤقتا. كذلك وعد العرب بالمن والسلوى تحت لافتة الأرض في مقابل السلام، وانطلاقا من ذلك التوجه انعقد «مؤتمر مدريد» الذي ينص على ذلك والذي يقول بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي 242 و338 و425، وقد وافق الجانب العربي على ذلك، الا ان اسرائيل «ميعت» هذا الامر وتمكنت عبر المفاوضات من ان ترفض هذا التوجه.الآن التاريخ يعيد نفسه، فالولايات المتحدة الامريكية تقول حاليا انه يجب ان تكون اسرائيل خارج التحالف الدولي القائم، وتوعد العرب بالتوجه الى طاولة المفاوضات تحت لافتة عريضة تتحدث عن اعطائهم حقوقهم المسلوبة. وهناك كلام عن المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية ومحاولة وقف اطلاق النار.. وما شابه. جميع هذه الوقائع تذكرنا بما حدث قبل حوالي عشر سنوات في أحداث الخليج. وهذا يعني انه يجب ان نكون حذرين، وأن نتأكد فعلا من ان السياسة الامريكية التي لم تزل منحازة بشكل واضح لاسرائيل، من جادة فيما يتعلق بموضوع انهاء أزمة المنطقة عن طريق استرجاع الحقوق العربية كاملة. ـ هل يعني ذلك التوقع حدوث ردود فعل سلبية اسرائيلية على صعيد مفاوضات السلام واحتمالاتها المستقبلية، خاصة بعد ان تصاعدت اعتداءات اسرائيل داخل فلسطين؟ ـ برأيي ان ما يحصل هو زوبعة في فنجان، ما صدر عن الرئيس الأمريكي بوش بالنسبة لاقامة الدولة الفلسطينية يأتي من ضمن تلك اللافتة التي تكلمت عنها. فهو يتكلم للمرة الأولى عن الدولة الفلسطينية، علما بأن الأمريكيين كانوا قد تكلموا عن هذا الموضوع سابقا. إنما أتصور بأن الأزمة الأمريكية ـ الاسرائيلية حاليا قد تؤدي إلى بعض الانقسام بين اليهود الأمريكيين بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في هذه المنطقة. ونقول في نهاية الأمر، وللأسف، ان الولايات المتحدة لاتزال الداعم الأول لاسرائيل. وعليها أن تغير هذه السياسة، وان تكون قد أدركت هذه الحقيقة على ضوء مجريات الأمور الحاصلة في الشرق الأوسط والعالم على حد سواء. فلا سلام عادلا في هذه المنطقة من دون اعطاء العرب حقوقهم كاملة. بيروت ـ وليد زهر الدين: