زار الدوحة مؤخرا جراهام فوللر المسئول السابق في دائرة الشرق الأوسط بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية و مسئول سياسي أسبق بسفارة الولايات المتحدة في كابول عاصمة البلد الذي يتعرض لضربات عسكرية امريكية انتقاما لهجمات إرهابية. ويعمل حاليا بمؤسسة راند إحدى أكبر مراكز الدراسات في أمريكا وله كتب عن العلاقة بين الإسلام والغرب، ويجري بحوثا حول الحركات الإسلامية وكان لنا معه هذا الحوار: غضب عربي ومخاوف ـ ماهي انطباعاتك عن العالم العربي في زيارتك الأخيرة هذه في ظل الظروف الجارية؟ ـ لدي كثير من الانطباعات أهمها أن العالم العربي غير راض عن أمريكا خصوصا بسبب الضربات على أفغانستان. ويبدو أن كثيراً من المسلمين في العالم قلقون على مصير الشعب الأفغاني وهناك مخاوف من أن أمريكا يمكن أن توسع القصف ليشمل بلداناً عربية. ثانيا أعتقد أن هناك رغبة عميقة عند العرب والمسلمين بصورة عامة أن يروا حلا للمشكلة الفلسطينية وبدون هذا الحل فإن الأزمة في الشرق الأوسط سوف تستمر. ـ هل تعتقد أن أمريكا في حالة تمكنها من القبض على أسامة بن لادن حيا في أفغانستان وتقديمه للمحاكمة في نيويورك أو واشنطن، ألا تخشى أمريكا ردود فعل العالم العربي؟. ـ بالتأكيد.. لا بد أن صانعي القرار في واشنطن يدركون أن ابن لادن أصبح نوعا ما بطلا في العالم الإسلامي وهناك من يقول أنه مسكين وضحية حتى وإن لم يؤيدوا العملية الإرهابية في نيويورك وواشنطن التي مات فيها أبرياء لذلك فإن محاكمته ستؤدي إلى رد فعل كبير في العالم العربي والإسلامي. ـ من العرب من يقول أن ابن لادن شخصية بسيطة وليس في مستوى الدهاء الذي يمكن أن يخطط لعملية كبيرة مثل هجمات 11 سبتمبر فكيف تنظر إليه الولايات المتحدة هل تأخذ بالاعتقاد بأن من حوله هم الدهاة؟. ـ من الواضح أن الولايات المتحدة تنظر إلى ابن لادن بأنه الشخص الأول (المشتبه به) المسئول عن التخطيط والتمويل للعمليات الإرهابية في سبتمبر وقبل ذلك، ولا يمكن أن يكون ابن لادن غبيا أو في مستوى من البساطة التي يصورها البعض فهو قائد تنظيم خطير. و نسق بن لادن بين جماعات متطرفة كثيرة وقدم نفسه كرمز وزعيم وتقريبا أعلن مسئوليته عن عملية 11 سبتمبر وباركها ووصف منفذيها بالاستشهاديين وتمنى لهم من على شاشة التلفزيون أن يكونوا الآن في الجنة. قضية كول ـ من الملاحظ أن الولايات المتحدة تسعى للربط في التحقيق بين الهجوم على المدمرة الأمريكية يو إس إس كول والهجمات على نيويورك وواشنطن وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة اليمنية إلى تقديم ستة أشخاص للمحاكمة وإغلاق ملف القضية تصر واشنطن على تأجيل ذلك فما هو تفسير هذا الاختلاف في الموقفين اليمني والأمريكي من وجهة نظركم؟ ـ أعتقد بأن هناك كثيرين في اليمن يتعاطفون مع ابن لادن وللرجل امتداداته في اليمن التي ترجع جذوره إليها ومن المحتمل أن يكون هناك أشخاص ذوو مراتب عالية في الحكومة اليمنية أو في المجتمع يوافقون على نشاطات ابن لادن لهذا السبب نجد أن الحكومة اليمنية تفضل ألا يذهب التحقيق في العمق بعيدا أكثر مما يجب ومن الممكن أنهم خائفون من النتائج. وهذا الموقف لا يقتصر على اليمن ولا على قضية كول فقط ولكنه مجرب مع كثير من البلدان العربية في قضايا مختلفة. ـ برأيك إذا خلص التحقيق في قضية كول بأن هناك شخصيات من الوزن الثقيل أو من وصفتهم بأنهم ذوو مراتب عالية في الحكومة أو المجتمع إذا وجدت الولايات المتحدة أن مثل هؤلاء متورطون فعلا فهل ستطالب بتسليمهم؟ ـ في اعتقادي أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك في حالة واحدة فقط إذا توفرت أدلة بأن مثل هذه الشخصيات تورطت فعلا في الإرهاب ففي هذه الحالة يمكن أن تطلب تسلمهم ولكن بغير ذلك لا أعتقد أن واشنطن ستطالب بأحد لمجرد تأييده المعنوي أو تعاطفه، لا بد أن تكون هناك أشياء ملموسة تعرض في المحكمة. ـ فيما يتعلق بعلماء الدين في العالم الإسلامي ممن يصدرون فتاوى يصنفها البعض في خانة الدعوة للجهاد ويعتبرها البعض الآخر تحريضا على القتل والإرهاب، كيف تنظر الحكومة الأمريكية لهؤلاء؟ ـ أنا لا أستطيع أن أجيب نيابة عن الحكومة الأمريكية ولكن أرى شخصيا بأن أي قول لا يتحول إلى فعل ضار لايجب أن يحاسب عليه قائله إلا إذا كان هناك استمرار وإصرار على التحريض وتشويق الناس للإرهاب وبدون ذلك فإن مثل هؤلاء تنطبق عليهم كلمة متطرفين أكثر من كلمة إرهابيين. حزب الله وحركة حماس ـ ماهي النظرة الأمريكية لحزب الله وحركة حماس وفقا لمعلوماتك؟ ـ حزب الله وحركة حماس يشكلان مشكلة كبيرة لأمريكا فحزب الله في نظر أمريكا مذنب بسبب تفجير السفارة الأمريكية في بيروت وبعد ذلك الهجوم على ثكنة المارينز وكذلك الهجوم على الثكنة العسكرية الفرنسية إضافة إلى حوادث متعددة لاختطاف غربيين في الثمانينيات بينهم أمريكيون ولكن هذا أصبح تأريخا وفي السنوات الأخيرة فإن حزب الله بدأ يغير من نشاطه وانخرط في الحياة السلمية اللبنانية ونشط أكثر في تقديم الخدمات الاجتماعية وأصبح له قبول عام بين أكثر اللبنانيين مسلمين ومسيحيين وفقا لنتائج بحث أجريته أنا في لبنان، وربما يساعد ذلك حزب الله إذا ما قرر التحول إلى حزب سياسي سلمي. أعتقد أن أمريكا إذا ما قصفت معسكرات حزب الله في لبنان فإن ذلك سيسبب لها مشاكل هي في غنى عنها خصوصا في العالم العربي، ولكن في كثير من الأحوال فإن السجل الإجرامي لأي فرد أو لأي جماعة يبقى يلاحقه ولا يمكن محو السجل إلا بعد مرور سنوات طويلة على إثباته لتوبته. وبشأن حماس فالفرد الأمريكي العادي يمكن أن يناقش قيام حماس بمقاومة الجيش الإسرائيلي في رام الله أو أي منطقة محتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة ولكن أن يفجر شخص نفسه في مطعم أو في مكان عام بتل أبيب أو نتانيا فهذا عمل إرهابي لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال مقاومة ولا يمكن أن تحظى أي منظمة بالقبول إذا قتلت مدنيين سواء كانت هذه المنظمة عربية أو إسرائيلية. وستظل الدولة الفلسطينة هي الحل الأمثل للقضاء على مثل هذه المشكلات وعلى أمريكا أن تدعم إنشاءها كي تسحب ورقة دعائية هامة من أيدي المتشددين. الدولة الفلسطينية ـ بعد تصريحات بوش هل يمكن اعتبار الدولة الفلسطينية بأنها أصبحت على الأبواب؟ وكيف سيكون شكل هذه الدولة حدودا وعاصمة من وجهة النظر الأمريكية؟ التصور الأمريكي لشكل الدولة الفلسطينية لا يبدو واضحا تماما ولكن الحقيقة القائمة هي أن العالم كله مجمع على هذه الدولة وواشنطن تؤيد قيامها وستكون عاصمتها القدس الشرقية ولكن حدود الدولة وحدود عاصمتها وتحت أي شروط لن تحدد كل ذلك إلا المفاوضات. ـ في رأيك الشخصي هل اليهود الأمريكان يدعمون جهود السلام أم أنهم يدعمون إسرائيل سواء كانت ظالمة أو مظلومة. الجالية اليهودية في أمريكا ليست وحدة واحدة وإنما تقودها جماعات متعددة فيها الليبرالي وفيها المتشدد وفيها كل ألوان الطيف مثل أي جالية أخرى أو شعب من الشعوب. ولكن بشكل عام غالبية يهود أمريكا يهمهم أمن إسرائيل ومصلحتها ونسبة كبيرة منهم تؤيد السلام لأنه في نظرهم الطريق الأسلم للحفاظ على أمن إسرائيل وإيقاف الانتقادات لها. ويطالب هؤلاء بانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة من أجل مصلحة إسرائيل. ـ هل يمكن الاستفادة من يهود أمريكا للضغط على إسرائيل من أجل الانسحاب؟ الجالية اليهودية في أمريكا جالية كبيرة ولكن المشكلة هي في المنظمات والتي أغلبها مرتبطة إلى حد كبير بمصالح وسياسات الليكود الإسرائيلي أو اليمين بشكل عام لدرجة أن اسحق رابين نفسه قبل عام من اغتياله اتهم تلك المنظمات للانحياز إلى الليكود على حساب حزب اللعمل وقال لهم بالحرف الواحد أنتم «يفترض أن تمثلوا مصالح إسرائيل وليس أهواء الليكود وأنا رئيس الوزراء». ـ ما تفسيرك لوجود كثير من اليهود في مختلف المناصب الرئيسة في الإدار ة السابقة أي في عهد كلنتون واختفاء التمثيل اليهودي في إدارة بوش؟ هل هو غضب جمهوري من الجالية اليهودية؟ ـ الحزب الديمقراطي غالبا ما يحظى بتأييد أكبر من اليهود الأمريكان ومن المعروف أن اليهود في المواقع العالية في إدارة كلينتون كانوا معتدلين جدا ومع ذلك فأنا أتفق مع من يقول إنه لم يكن يجب أن تظهر الإدارة في الخارج بأعضاء غالبيتهم العظمى من فئة معينة من اليهود لأن ذلك أعطى انطباعاً سيئاً السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط رغم جدية أولئك المسؤلين وحياديتهم وإيثارهم لمصالح أمريكا على أي مصالح دولة أخرى. ـ هل يمكن أن يكون هناك تعاون بين الجالية اليهودية في أمريكا والجاليات العربية؟ تعاون في قضية الشرق الأوسط ـ لا أقصد تعاوناً فيما يتعلق بالقضايا الداخلية التي تهم المقيمين في أمريكا بشكل عام. ـ أعتقد أن العلاقة بين العرب واليهود في أمريكا علاقة معقدة بسبب انعكاسات قضية الشرق الأوسط. ولكن عندما تعرض العرب لشيء من الاضطهاد والمعاملة السلبية من قبل البعض في أمريكا بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن فإن أكثر من أظهر تعاطفه معهم هم اليهود والقيادات اليهودية لأنهم تذكروا ما تعرضوا له من اضطهاد في أوروبا وحتى في أمريكا نفسها في بعض الفترات التأريخية. وأعتقد ان هناك نوعاً من التعاون بين عدد من الأفراد والمنظمات العربية واليهودية ولكنه تعاون غير كامل بسبب القضية الفلسطينية التي تختلف الرؤى حولها ولو حلت هذه القضية لظهر تعاون بشكل أكبر. الأدلة السرية ـ سؤال أخير عن الأدلة السرية التي يستخدمها ال «إف بي آي» ضد أي شخص في أمريكا واستهدف العرب بشكل اساسي. لقد أعلن بوش أثناء حملته الانتخابية معارضته لقانون الأدلة السرية ولكن بعد أن اصبح رئيسا تناسى القضية وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر الماضي جاهر بتأييده لتشديد القوانين وتمسكه بما يسمى بالأدلة السرية؟ ـ أنا شخصيا 100% ضد الأدلة السرية وأعتبر استخدامها ضد أي شخص مخالف لمبادئ دستورية أساسية ولكن لسء الحظ فإن الوقت غير ملائم حاليا للمطالبة بإلغائها لأن غالبية أعضاء الكونجرس يؤيدون استمرارها وأعتقد أن الأخذ بها سيستمر لسنوات قادمة إلى أن يثبت عمليا ضررها من نفعها. والليبراليون الأمريكيين يعارضون استمرار العمل بقانون الأدلة السرية. حاوره في الدوحة: منير الماوري