حصلت الولايات المتحدة الامريكية على اجماع دولي غير مسبوق في ادانة العمليات الانتحارية التي تعرضت لها في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، كما حظيت بدعم كبير لحملتها من اجل تحالف دولي لمكافحة الارهاب. غير ان بعض التلميحات والتصريحات الرسمية والاعلامية الامريكية او الصادرة عن مسئولين ومصادر غربية اخرى اثارت مخاوف لدى اطراف دولية عديدة من احتمالات توسيع الحرب الامريكية ضد الارهاب لتشمل دولا اخرى غير افغانستان خدمة لأجندة امريكية غير معلنة، خاصة بعد أن أبلغت الولايات المتحدة مجلس الأمن الدولي في مذكرة رسمية بأن حملتها العسكرية المناهضة للارهاب قد تشمل «ضرب أهداف ارهابية تقع في دول أخرى»، مثل سوريا والسودان والعراق، حيث انتقد مندوبو بعض الدول العربية والاسلامية هذه المذكرة الأمريكية المثيرة للجدل، مؤكدين بأنها تعكس رغبة الولايات المتحدة في الحصول على جواز سفر مفتوح من الأمم المتحدة لضرب أي دولة تشكل خطرا مباشرا أو غير مباشر على الولايات المتحدة. وفي هذا التقرير نتناول بشكل موجز ابرز المواقف الاقليمية والدولية تجاه توسيع العمليات العسكرية الامريكية خارج افغانستان وتأثيرات ذلك على تماسك التحالف الدولي ضد الارهاب وانعكاساته على الامن والاستقرار الدوليين. الموقف الأمريكي أوجدت تهديدات الرئيس الامريكي جورج بوش لدول العالم بالتعاون مع بلاده أو اعتبارها مع الارهاب، انقساما حادا بين اقطاب التخطيط الاستراتيجي في الادارة الأمريكية حول كيفية تمكين زعيمهم من تنفيذ جميع تهديداته دون التفريط بمصالح الولايات المتحدة الخارجية طويلة الأمد، ودون تعريض علاقاتها مع العالم العربي والاسلامي الى أخطار داهمة. ويعود الانقسام بين الاستراتيجيين في الادارة الأمريكية الى كثرة وخطورة الخيارات العسكرية المقترحة للرئيس الأمريكي، والتي لا تتوقف عند تدمير أفغانستان ومحو حكومة حركة طالبان من الوجود، وانما تشمل أيضا قصف العراق تحت ستار تصفية ما تبقى من مرافق ومراكز أسلحة التدمير الشامل العراقية، واستنفار وارسال القوات العسكرية الخاصة لتدمير مواقع عربية أخرى تحت ستار تصفية القواعد «الارهابية» المتواجدة فيها. وقد أكد البيت الأبيض أن الرئيس بوش لم يعد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بعدم مهاجمة دول عربية، بينها العراق ضمن الحملة ضد الارهاب. وذلك على ما يبدو ردا على ما بثته وكالة الأنباء الأردنية الرسمية «بترا» من أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قال: ان الرئيس الأمريكي جورج بوش وعده بأنه «لن يكون هناك ضربة للعراق، ولا لأي دولة عربية». كما أعلن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد (20/9/2001)أن أسامة بن لادن وشبكته، اللذين تتهمهما الولايات المتحدة بارتكاب مسلسل انفجارات 11 من سبتمبر على واشنطن ونيويورك، لن يكونا الهدف الوحيد للحملة الأمريكية ضد ما أسمته «الارهاب». وقال رامسفيلد: «ان الرئيس جورج بوش لن يكتفي برجل أو منظمة واحدة، بل ان حربه ستشمل عددا من الشبكات الارهابية التي كانت ناشطة عبر العالم». وكانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية اتهمت الثلاثاء 18/9/2001 أجهزة الاستخبارات العراقية بعقد لقاء مع «محمد عطا» المشتبه في اشتراكه في خطف الطائرة الأولى لشركة «أمريكان ايرلاينز» التي اصطدمت بمركز التجارة العالمي، وهو ما نفاه وزير الخارجية العراقي ناجي صبري قائلا: «ان الولايات المتحدة تعرف جيدا أنه لا علاقة للاستخبارات العراقية بالتفجيرات». ومن جانب آخر كان السفير الأمريكي في بيروت «فنسنت باتل» قد قال (18/9/2001) أن في لبنان «منظمات ارهابية واردة على اللائحة الأمريكية للمنظمات الارهابية التي تعيد الولايات المتحدة النظر فيها سنويا»، وتتضمن اسم «حزب الله». وقد أبلغت الولايات المتحدة مجلس الأمن الدولي رسميا في الثامن من اكتوبر بأن حملتها العسكرية المناهضة للارهاب قد تشمل «ضرب أهداف ارهابية تقع في دول أخرى». المواقف العربية والاسلامية أما على مستوى الجامعة العربية فقد دعا الأمين العام عمرو موسى الى ضبط النفس وعدم توسيع المواجهة غداة بدء العمليات العسكرية الامريكية والبريطانية ضد أفغانستان. وقال موسى في تصريحات للصحفيين في اليوم التالي لبدء الضربات العسكرية «نرجو ونطالب بألا يتطور الاستخدام العسكري الى المساس بأي دولة عربية» معتبرا ان «الاعتداء على أي دولة عربية خط أحمر، لا يمكن لأحد أن يقترب منه»، مشيرا الى أن الدول العربية ستقف صفا واحدا لمواجهة هذا الاعتداء ان وقع. وفي مصر اعلن الرئيس حسني مبارك أن مصر تؤيد الضربات التي تقودها الولايات المتحدة ضد أفغانستان. وقال للصحفيين «نحن نؤيد جميع الاجراءات التي تقوم بها الولايات المتحدة الامريكية لمقاومة الارهاب لأننا عانينا من الارهاب قبل ذلك». وكان قد صرح قبل ذلك في مؤتمر صحفي بباريس ان «الضربات الامريكية لن تشمل عددا من الدول العربية نظرا للانعكاسات الخطيرة لهذه الضربات والناجمة عن ردود فعل شعوب وقادة هذه الدول». غير أن مسئولين أمريكيين نفوا أن تكون الادارة الأمريكية قد وعدت مصر أو اي دولة عربية أخرى بعدم استهداف دولة عربية واكتفوا بقولهم أن المرحلة الأولى تركز على حركة طالبان وابن لادن. وحذر شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي الولايات المتحدة من معاقبة أي طرف قبل أن يكون لديها أدلة حاسمة. ودعا الرئيس السوري بشار الأسد أثناء محادثاته مع وزيرة الخارجية النمساوية بينيتا فيريرو فالدنر الى ضرورة تطبيق قرارات مجلس الأمن ومؤتمر مدريد لمنع تفاقم ظاهرة الارهاب. كما حذر وزير الخارجية السوري فاروق الشرع مما أسماه محطات سرية بشأن مكافحة الارهاب. ودعا الشرع الى الصراحة والوضوح في هذه المسألة. مؤكدا تصميم سوريا على مساندة الجهود الدولية لمكافحة الارهاب. وفي عمان كان العاهل الأردني عبد الله الثاني اكد أن الرئيس الامريكي جورج بوش تعهد أثناء محادثاته معه بأنه لن يكون هناك ضرب للعراق ولا لأي دولة عربية في اطار حملة واشنطن ضد الارهاب. مشددا في الوقت نفسه أن بلاده تحارب الارهاب منذ الستينيات وأن الأردن ستبقى الى جانب المجتمع الدولي في حملته على الارهاب. اما الحكومة السودانية فقد أدانت الضربات الأمريكية على أفغانستان مؤكدة أنها لن تحل مسألة العنف. وذلك في وقت ساد الخرطوم جو من الحذر والترقب تجاه سيناريوهات الرد الأمريكي التي أشارت بعض وسائل الاعلام الى أنها قد تشمل السودان على غرار ما حدث عام 1998. وفي لبنان اعتبر وزير الاعلام غازي العريضي أن الولايات المتحدة عندما قصفت أفغانستان وضعت العالم الاسلامي والعربي أمام الأمر الواقع، مما قد يتسبب في ردود فعل معادية تصعب السيطرة عليها. وأشار في حديث لمحطة تلفزيون لبنانية الى أن واشنطن تعمدت أن تبدأ عملياتها قبل 48 ساعة من انعقاد اجتماع منظمة المؤتمر الاسلامي وقبل اجتماع مقرر للجامعة العربية لتضع قصدا العالمين الاسلامي والعربي أمام الأمر الواقع. وحذر اليمن من أن الهجوم الأمريكي على أفغانستان قد يكون له رد فعل عكسي في العالم الاسلامي ويخلق خصوما جددا لواشنطن في حربها ضد ما يسمى الارهاب. وقال رئيس الوزراء اليمني عبد القادر باجمال ان الحذر واجب حتى لا تصبح هذه الحرب حربا ضد المسلمين. واعتبر أنه من الخطأ أن تطلب الولايات المتحدة من الدول العربية أو الاسلامية استخدام قواعدها العسكرية أو ترابها في هجماتها على أفغانستان أو أي دولة اسلامية. ومن جانبها أعربت ايران عن قلقها ازاء العمليات العسكرية الأمريكية الواسعة ضد أفغانستان واعتبرتها غير مقبولة. وقال المتحدث باسم الخارجية الايرانية حميد رضا آصفي في تصريح أذاعه راديو طهران ان هذه العمليات تجاهلت الرأي العام العالمي وخاصة في البلدان الاسلامية، مضيفا أن مثل هذه العمليات تلحق الضرر بالشعب الأفغاني المظلوم. وفيما أقر البرلمان التركي يوم 10 أكتوبر قانونا يسمح للقوات التركية بالمشاركة في أي عملية ضد ما يوصف بالارهاب اضافة الى السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها في تركيا في الضربة على أفغانستان، وأكد رئيس الوزراء التركي بولند أجاويد أن بلاده ستقدم جميع التسهيلات العسكرية للولايات المتحدة وخاصة فيما يتعلق باستخدام القواعد العسكرية، فان نائب رئيس الوزراء التركي مسعود يلماظ حذر أمام مجموعة من البرلمانيين مما أسماه «دوامة الدم والنار» التي ستهب اذا وسعت الولايات المتحدة نزاعها ضد الارهاب. وفي اندونيسيا طالبت حكومة جاكرتا واشنطن بأن تكون العمليات العسكرية ضد أفغانستان «قصيرة المدى ومحددة الأهداف». وفي اطار منظمة المؤتمر الاسلامي عقد وزراء خارجية الدول ال57 الأعضاء في المنظمة اجتماعا طارئا في الدوحة في 10 أكتوبر لتبني موقف جماعي من الارهاب بعد الهجمات التي ضربت الولايات المتحدة. وطالب أمير دولة قطر (رئيس الدورة الحالية) الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الجلسة الافتتاحية بنشر أدلة كافية ضد الجناة في هذه الهجمات «لتقتصر العمليات العسكرية عليهم دون سواهم». المواقف الدولية أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا يلزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باتخاذ اجراءات لمكافحة الارهاب. وشدد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان على أن «منظمة الأمم المتحدة هي المنتدى الطبيعي لتشكيل ائتلاف دولي، وهي وحدها القادرة على اضفاء الشرعية العالمية على الصراع الطويل الأمد ضد الارهاب». وقال «يجب عدم توفير أي جهد يرمي الى احالة منفذي الهجمات الى القضاء وذلك بطريقة واضحة وشفافة يتمكن الجميع من فهمها والقبول بها». وعلى المستوى الاوروبي أكد رئيس مجلس أوروبا اللورد راسل جونستون في ستراسبورج أن «للحياة القيمة ذاتها في كل مكان سواء في شوارع مانهاتن أو في شوارع رام الله أو تل أبيب أو مدينة الجزائر». ودعا الى الحذر الشديد في مقاومة الارهاب حتى لا يفهم على أنه أعمال «انتقامية». وأضاف في مؤتمر صحفي قبيل افتتاح الدورة البرلمانية الخريفية لمجلس أوروبا «يجب أن نعمل على أن تفهم جهودنا وتلقى الدعم باعتبارها نضالا من أجل العدالة وضد الجريمة وليست أعمالا انتقامية ينفذها الغرب ضد الشرق والأغنياء ضد الفقراء أو ديانة ضد أخرى». وشدد وزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر على ضرورة الأخذ في الاعتبار ردود الفعل السياسية جنبا الى جنب مع الرد العسكري شريطة عدم تفاقم الصراعات الحالية. وقال ان «أسوأ شيء يمكننا فعله هو قيام الغرب بعمل ضد العالم الاسلامي. هذا هو هدف هؤلاء المجرمين لاثارة حرب بين الحضارات». وأضاف «لا يجب أن ندفع الاسلام بشكل عام في زاوية الارهاب لأن هذا سيزيد الأمور سوءا». ومن ناحيته أكد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير دعم بلاده الكامل للولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب. وشدد على أن العالم بأسره يواجه خطر ارهاب شامل، مشيرا الى أنه لا يجوز مع ذلك توجيه الاتهامات الى المسلمين في بريطانيا أو في أي مكان في العالم. لكن بلير عاد واعلن في 11 اكتوبر أنه لا يستبعد احتمال القيام بعمل عسكري ضد دول أخرى غير أفغانستان في اطار الحرب على الارهاب. اما النمسا فقد أشارت وزيرة خارجيتها بينيتا فيريرو فالدنر الى أن مكافحة الارهاب لا تستهدف الاسلام، وأكدت أن التضامن مع الأمريكيين عقب الهجمات والاتفاق على مكافحة الارهاب لا يعنيان في أي حال من الأحوال أن المسألة تتعلق بمواجهة بين المسيحية والاسلام. وذكرت أن الاتحاد الأوروبي يعتبر «أنه يجدر الاهتمام بالمشكلة التي هي في أساس الارهاب وهي النزاع الفلسطيني الاسرائيلي». وعلى المستوى الافريقي أدانت دول القارة، كل على حدة وبشكل جماعي، الهجمات على الولايات المتحدة، لكن دورها في الحملة الأمريكية لمكافحة ما تسميه واشنطن الارهاب يبدو هامشيا حتى الآن. اعداد: هويدا سعيد