نادرة هي تلك الحروب التي تشنها دولة ما في العصر الحديث بغرض الانتقام، ويزيد من ندرة هذا النوع من الحروب اذا كانت الدولة كبرى أو عظمى ولها سياسات ومصالح استراتيجية كونية. وليس معنى ذلك استبعاد هدف الانتقام من الحروب. فإذا كانت الولايات المتحدة تعلن ليل نهار انها تهدف لمعاقبة المخططين لتفجيرات 11 سبتمبر، فربما كان ذلك صحيحا جزئيا سواء من جهة تهدئة رأيها العام الثائر أو استعادة هيبتها التي دفنت تحت أنقاض برجي التجارة والبنتاجون. الهدف الأمريكي من الحرب التي تدور الآن من طرف واحد في افغانستان كما يروج الكثير من المحللين العرب هو فرض الهيمنة الامريكية على هذه المنطقة التي يقال انها تحوي أكبر كنز بترولي مستقبلي، اضافة الى وضع موطيء قدم امريكي للتأثير على السياسات الصينية والروسية والايرانية. ورغم وجاهة هذا التحليل، الا ان محللين امريكيين يقولون مستنكرين: «كيف نقدم على التورط بتلك المنطقة التي يبتعد عنها الجميع واكتوت بنارها القوى الكبرى المحيطة.. يضيف هؤلاء ان النفوذ الامريكي موجود في هذه المنطقة دون الحاجة لوجود قوات عسكرية. إذن وفي ظل هذا التناقض بين انصار الفريقين والمنطقين يثور السؤال الخاص بالسيناريوهات المتوقعة لما يحدث في أفغانستان الآن. هناك سيناريوهات شائعة لكنها مبسطة ومخلة من قبيل ازاحة طالبان وتنصيب حكومة موالية لواشنطن أو حكومة ائتلافية تجمع كل القوى والاعراف من التحالف الشمالي الى الملك السابق وممثلين لطالبان من الجناح المعتدل، وسيناريو ثالث بدور أكبر لباكستان في تقرير الشكل المقبل للنظام في افغانستان ثمنا لدورها الحيوي في التحالف الراهن. لكن ما يجمع عليه غالبية المراقبين المحايدين هو انه لا يمكن التنبؤ بالضبط بما هو قادم الا في ضوء شكل النهاية للحرب الراهنة.. خاصة، هل ستشن واشنطن حربا برية أم تكتفي بالضربات الجوية وترك التحالف الشمالي ليصبح وقود هذه المعركة؟ وهل ستعلن طالبان الاستسلام أم تتحصن في الجبال وتشن حرب عصابات؟ وهل تتورط واشنطن في مستنقع جديد على غرار ما حدث في فيتنام، أم يتحول الأمر برمته الى تحويل افغانستان لتصبح ساحة لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية خاصة بين اللاعبين الكبار في المنطقة مثل الصين والهند وايران وباكستان وروسيا اضافة الى أمريكا وأوروبا؟ الاجابة عن هذه الاسئلة هي التي ستحدد شكل السيناريوهات النهائية.. نحن الآن في الدقائق الأولى من المعركة، وامريكا تبحث الآن خلف الكواليس ليس فقط عمّن يخلف نظام طالبان، بل ايضا توزيع الكعكة على شركاء المعركة، واذا كانت واشنطن قد عودت كل العالم على الاحتفاظ بالجزء الأكبر من الكعكة واحيانا التهامها بالكامل، فإن مشكلتها الراهنة ان شركاءها في هذه المعركة أكثر شراسة من شركاء تحالفها السابق عام 1990، وأغلب الظن انهم لن يقبلوا بالفتات، بل ربما عمدوا الى تسميم الكعكة بأكملها!! عماد الدين حسين