ربما يبدو المشهد العالمي الجديد محاطا بمجموعة من القراءات الشكلانية التي تعيده الى بدايات الحروب الكبرى، ولكن واقعية هذا المشهد تبدو بصوره المتعددة من خلال التعقيد الذي يحيط به خاصة ان التحالفات هذه المرة موجهة ضد حكومة واحدة إن لم نقل شخصا واحدا، مما يدعونا الى التساؤل مباشرة عن طبيعة الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على حكومة طالبان وشخص اسامة بن لادن وإن كان عنوانه العريض «تنظيم القاعدة». ولكن هذا التساؤل يحاط بطبيعة الحال بمجموعة اخرى من المتناقضات تبدأ حول الاهداف الخفية للتحرك الاسطوري الامريكي الذي يحشد العدة والعتاد في القسم الشرقي من الكرة الارضية وكأن الولايات المتحدة نفسها مهددة بحرب عالمية ليس منبعها افغانستان بالطبع، بل وهم تريد الولايات المتحدة ان تتأكد من حقيقته أو تؤكد كما تشاء! المشهد الأمريكي مشهد صغير من فيلم العشرة أعوام التي وعد بها الرئيس الامريكي شعبه رأيناه في القطع الحربية الثلاث التي عبرت قناة السويس مؤخرا متوجهة الى شرق الأرض وتمثلت في حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» والطراد «لايت جلف» وسفينة المعاونة «ديترويت» وبالطبع لا يمكن ان نتجاهل المجاميع البريطانية السابقة واللاحقة والمرافقة، وعلى اللغة السينمائية في هوليوود يصبح الانتاج ضخما فهل سيكون السيناريو كما هو الانتاج أم ان الاستعراض سيغلب على الفكرة؟! الواقع ان من يرى جحافل الجيوش الامريكية والانجليزية وهي تتوجه الى افغانستان وما حولها يشعر بأن العدو الذي لايزال مفترضا للولايات المتحدة سيقدم مفاجأة القرن الحادي والعشرين! ولكن كيف يمكن لنا ان نقرأ صورة الواقع الآتي في حرب العشر سنوات أو أكثر حسب وعد بوش؟! إن القراءة العامة للمشهد الامريكي تؤكد بما لا يدع أي مجال للشك ان الولايات المتحدة تسير حسب خطة محبوكة الداخل بشكل دقيق أول خيوطها يتركز حول التأكيد الامريكي على ان هذه الحرب الموجهة ضد الارهاب هي حرب طويلة الأمد وهي ليست حربا خارجية تقوم بها الولايات المتحدة على طريقتها الخاطفة بل هي حرب ستطال الولايات المتحدة من الداخل حسب تعبيرات رئيسها جورج بوش حين يقول: «سوف ننتصر في الحرب ضد الارهاب وسوف نواصل الكفاح في المعارك الداخلية في الوطن». وصيغة الوطن التي بدأت تتكرر على ألسنة الساسة الامريكيين تعيدنا الى حرب الاستقلال وبالطبع معها الحرب الأهلية الامريكية مما يدعونا للوقوف على طبيعة الحرب القادمة في الولايات المتحدة ذاتها مع التذكير بأن الادارات الامريكية المتعاقبة تسعى لحرب كل عشر سنوات وتحاول من خلالها التذكير بقوة الهيمنة الامريكية على العالم بل تنوه بشكل علني على ان السياسات المتراخية (احياناً) التي تطلقها الولايات المتحدة هنا وهناك ليست سوى زرع لفتيل حرب قادمة وهذا بالتأكيد تبشير سياسي وجرعة من المهديء تقدمها الدراسات النفسية للمواطن الامريكي ذاته الذي ينسى ذاته احيانا وينسى انه مواطن امريكي نتيجة للظروف الحياتية التي يعيشها خاصة تلك الظروف الاستقرارية للفئة الغالبة في المجتمع الامريكي. وبالطبع فإن الحرب الخارجية لابد ان ترافقها حرب داخلية واذا كانت هذه المرة حرب التفجيرات الخارجة عن الارادة الامريكية فإنها بطبيعة الحال فرصة جديدة وغير متوقعة بمعنى ان المطبخ الامريكي لم يكن قد اختتم العمل في التحضير لمائدته الكبرى مما أوجد خللا واضحا في السياسة الامريكية التي أعلنت حربها سريعا ضد الارهاب، وهذا بالطبع أدى الى تشابكات وتناقضات واضحة في تصريحات الساسة الامريكيين وبدأت الحرب الموجهة ضد حكومة طالبان تخطيء حتى في حساب دقة صواريخها. ولكن مع ذلك فإن السياسة الداخلية للولايات المتحدة بشكلها الحالي استطاعت ان تعيد حسابات عجزها الى صندوق خزينتها، فالجمرة الخبيثة التي أعلن عن عملها الارهابي بشكل رسمي أعطت الضوء الأخضر لكل التصريحات التي تؤكد ان الولايات المتحدة مازالت مهددة من الداخل، فها هو وزير العدل الامريكي «جون اشكروفت» يقول: «ان بعض المسئولين عن هجمات الشهر الماضي ربما لايزالون في الولايات المتحدة يخططون لهجمات جديدة، وان السلطات الأمنية لاتزال تلاحق حوالي مئتي شخص في البلاد». وهو ما يدعنا نؤكد ان الولايات المتحدة مازالت عمليا متخوفة من قضية كبيرة ومعقدة تدركها الادارة الامريكية وتسعى الى التأمل فيها ومحاربتها دون اعلانها وهذا بالطبع مستنتج من خلال التصريحات الكثيرة لادارة بوش. إذن مسألة اعادة الاعتبار للهيبة الامريكية هي مسألة غاية في التعقيد لا يمكن ان تحصل في ليلة وضحاها، وبالمقابل لا يمكن ان ننسى ان رئاسة جورج بوش لم تفز باجماع شعبي كاسح، بل لعلها كانت أقرب الى الغرق منها الى الفوز، وهذا بالطبع يؤثر على تحركات الادارة الامريكية كما يؤثر على المتلقي الأول لتلك التحركات وهو الشعب الامريكي بكل فئاته وتناقضاته. ما بين الداخل والحرب ومباشرة يقودنا ذلك الى ان نتذكر طريقة التعامل مع تفجيرات دار السلام ونيروبي وكيف كان الرد الامريكي بالقصف السريع على السودان وافغانستان والصمت السريع ايضا تجاه هذه التفجيرات، ومن ثم أتت تفجيرات المدمرة كول في ميناء عدن والتي لم يرد عليها باجراء أمريكي سريع بل بقي اسم افغانستان واسامة بن لادن يتردد على ألسن القيادة الامريكية دون رد معتاد سريع. ولكن عندما أتت النار الى قلب الولايات المتحدة والرأسمال الامريكي والعسكرة الأقوى في العالم صار لابد من رد، وهذا الرد لم يعد بطبيعة الحال على تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر فقط بل ان وراءه الكثير من السياسات الدفينة للولايات المتحدة نقرأ أساساتها في الحشود الهائلة للعسكرة الامريكية، فالفرصة أولا متاحة للولايات المتحدة لأن تسيطر على تلك المنطقة الصعبة عليها سياسيا، ويذكرنا التاريخ ان آسيا الوسطى ومنذ القرن التاسع عشر تتمتع بسياسات متنوعة وغريبة جعلت الغرب الاستعماري في تلك المرحلة يعاني من فهم حقيقي لها وصعب عليه التأقلم مع هذه السياسات بل لعله لم يستطع ان يكسب ما كان يتوقعه في حروبه وسيطرته الاستعمارية (مع آسيا الوسطى) ولذلك فإن الولايات المتحدة تدرك تماما ان هذه المنطقة المضطربة سياسيا تبدو بالنسبة لها كمستنقع فيتنام العسكري مما يجعلنا نتأمل قليلا في أسلوب تعامل الولايات المتحدة مع مشاكل الهند وباكستان عندما أعلنتا حرب التجارب النووية التي عجزت الولايات المتحدة عن التدخل عمليا فيهما حتى ان الانقلاب العسكري للجنرال مشرف في باكستان كان النقطة الحاسمة التي شتت السياسة الامريكية في تلك المنطقة ولم تكن العقوبات الاقتصادية الامريكية ضد باكستان ذات منفعة لواشنطن التي كانت تحلم بها. إن صورة هذه العقوبات والمقاطعة باتت الآن نائمة أمام التأييد الحكومي الباكستاني للولايات المتحدة بل من الممكن ان تتحول المقاطعة الامريكية الى تحالف من نوع مختلف مع باكستان رغم ان المؤشرات العامة لا تقول ذلك بل على العكس، فمن مصلحة واشنطن ان تثار الاضطرابات في باكستان وتكسب بذلك عدم تقديم عربون الشكر للجنرال مشرف الذي بدأ يتحرك بدوره لاثارة قضية كشمير محاولا ان يكسب تأييدا شعبيا كونه قدم خدماته للولايات المتحدة ضد حكومة طالبان وهي الحكومة المعترف بها في باكستان، ولكن يبدو ان اضطرابات باكستان ستعطي الضوء الأخضر لواشنطن كي تتدخل في السياسة الباكستانية بعد ان فشلت سابقا بحصارها الاقتصادي ضد اسلام أباد وحكومتها العسكرية وصواريخها النووية.إذن الصراع المفتوح الآن لن يكون فقط ضد افغانستان وحدها، بل لابد ان يشمل باكستان وهو الأمر الأكثر خطورة على المنطقة كون باكستان تمتلك جيشا قويا مزودا بالاسلحة النووية، وبالطبع لا ننسى أسلحة الهند والعلاقات الخلافية بين الجارتين التي تنام على برميل من البارود. وهذا بدوره يضمن للولايات المتحدة اللعب على تشابك الحبال في هذه المنطقة وبعيدا عن المصالح النفطية في الجمهوريات المحيطة بافغانستان، بل لعل الهدف الكبير يبدو موجها ضد أي تحالفات يمكن ان تشهدها تلك المناطق خاصة الصين وروسيا. ولعلنا نرى الآن ان مشهد الحشد العسكري الامريكي يحمل اسلوبا جديدا من أساليب الهيمنة لا يقف على مشكلة افغانستان وحكومتها، بل هو في واقع الأمر يتخطى هذه المشكلة ليصب بقوة في أحلام واشنطن السياسية والاقتصادية وبأداة عسكرية، ولا ننسى المهمة المركزية وهي المتمركزة اصلا في الداخل الامريكي وتحدياته المعلنة من الحكومة وموقف الشعب من هذه التحديات بعد فشل سياسات مختلفة اتبعتها الادارة الامريكية خلال العقد الأخير.إن العالم الآن أمام معضلة جديدة من معضلات السياسة الامريكية وهذه المعضلة لا يبدو أفقها بحل قريب بل هي متشعبة ومتماسكة وستطال العالم أجمع لأن مدلولاتها الدفينة لا تدل ان أفق حلها قريب، بل هو بطبيعة الحال سوف يحمل الكثير من الافكار الجديدة التي ستكون مفاجأة غير سارة للعالم أجمع أمام التحرك الامريكي الكبير، ومع كل الدعم الدولي له، الا ان بعض الدول الصديقة والحليفة للولايات المتحدة بدأت تعيد حساباتها وتتخلى عن النبرة العاطفية التي أطلقتها اثر تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر وهذا يؤكد ان القادم في السياسة الامريكية سيكون مختلفا وسيضع موازين سياسية جديدة عولمية الطابع وبأسلوب مغاير بدأت ملامحه تتكشف. بقلم: محمد احمد يوسف ـ كاتب فلسطيني