على الرغم من ان الهجمات العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة بدعوى محاربة الارهاب تستهدف حركة طالبان الافغانية وتنظيم القاعدة الذي يترأسه اسامة بن لادن، وعلى الرغم ايضا من ان هذه الهجمات لم تتعد بعد الحيز الجغرافي لهذا البلد الا ان احدا لا يشك مطلقا بأن حرب الولايات المتحدة على افغانستان بآثارها فحسب وانما على المستوى الاقليمي والدولي، وينبع ذلك من تشابك العلاقات وتعقيداتها بين دول المنطقة وانعكاسات ذلك على علاقات القوى الكبرى في العالم ولا سيما روسيا والصين اللتين وان اقتنعتا بانتهاء الحرب الباردة مع انهيار الاتحاد السوفييتي في اواخر الثمانينيات من القرن الماضي الا انهما لا تستطيعان تجاهل مصالحهما الحيوية على الاقل في المناطق القريبة منهما. معادلة صعبة واذا امعنا النظر قليلا فيما يجري على الساحة الافغانية بعد السابع من الشهر الجاري اي منذ بداية الحملة العسكرية الامريكية ضد افغانستان نرى ان الولايات المتحدة قد زجت بنفسها في معادلة جد صعبة ومعقدة كثيرا وان واشنطن التي دشنت هذه الحرب الجديدة تحت شعار مكافحة الارهاب قد تجد نفسها عاجزة عن ضبط نتائج هذه الحرب بشكل دقيق حتى وان نجحت في اسقاط نظام طالبان وتدمير منظمة القاعدة التي يرأسها اسامة بن لادن. وباستعراضنا لمواقف الدول المختلفة في المنطقة وطبيعة تعاطيها مع المشكلة الافغانية وبالتالي مع المواقف الامريكية حيال ما يسمى بالارهاب نلاحظ ان وقوف العديد من هذه الدول الى جانب الولايات المتحدة في حربها لا يعدو كونه موقفا تكتيكيا ذا طابع برجماتي املته على كل دولة مصالحها الخاصة وليس توافق هذه الدول كما يتخيل البعض مع مصالح الولايات المتحدة. اذ انه بالتوقف عند موقف كل دولة من دول المنطقة على حده نستطيع ان نتبين نوع وحجم المصالح التي تنتظرها كل دولة لقاء مشاركتها في الحملة الامريكية ضد ما يسمى بالارهاب وفي مقدمة هذه الدول بالتأكيد روسيا والصين، فبالنسبة لروسيا وبعض الدول التي كانت ضمن اطار الحظيرة السوفييتية السابقة تشكل الحرب ضد افغانستان مناسبة لتصفية حساب قديم بين هذه الدول وحركات اسلامية على اراضيها تعتقد بأنها تستمد قوتها من حركة طالبان الاصولية المتشددة. ومن وجهة النظر الروسية يدعم وقوف موسكو الى جانب الولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب موقفها ازاء المشكلة الشيشانية ويطلق يدها في التعامل مع هذه المشكلة تحت نفس المسمى وهو محاربة الارهاب. وما ينطبق على روسيا يمكن ان ينطبق على بعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة التي شهدت تحركات اسلامية ذات طابع راديكالي. ولعل هذه الحسابات الروسية هي التي دفعت موسكو الى الموافقة على اقتراب الامريكي من الحدود الروسية رغم اقتناع الروس بأن مثل هذا الاقتراب امر لا يمكن تقبله على المدى البعيد خاصة في ظل رغبة موسكو وتوقها الشديد الى العودة الى الساحة الدولية كقوة عظمى ناهيك عن رغبة روسيا القوية بالعودة الى آسيا الوسطى وما تمثله هذه العودة من مصادر قوة ومراكز نفوذ، ولذلك نرى ان وقوف روسيا الى جانب الولايات المتحدة في الحرب كان محاطا بالكثير من الخطوط الحمراء التي ألمحت اليها موسكو اكثر من مرة حيث اعتبر مدير اجهزة الاستخبارات الروسية نيكولاي باتروشيف خلال زيارته لطاجيكستان في اوائل الشهر الجاري ان مجموعة الدول المستقلة يجب الا تشارك في العمل العسكري الامريكي ضد افغانستان في حين تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن احتمال مشاركة بلاده في عمليات اغاثة فقط مستبعدا امكانية انضمام القوات الروسية الى عمل عسكري ضد ميليشيا طالبان الحاكمة في كابول. ويبدو انه ليس مصادفة ابدا ان تعلن روسيا عن توقيع اتفاقية عسكرية مع ايران في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تنهمك في اعداد نفسها للمعركة خاصة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار مواقف ايران المتحفظة ازاء الهجمات الامريكية على افغانستان وما يعنيه تزويد روسيا لايران بالاسلحة او الاعلان عن ذلك في هذا الوقت بالذات رغم معارضة واشنطن الواضحة والصريحة لاستئناف مبيعات الاسلحة الروسية لايران. ترتيب المنطقة ولذلك بامكاننا الادعاء بأن الموقف الروسي ازاء الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ليس سوى عملية مقايضة تسعى روسيا من خلالها الى تبادل المصالح مع الغرب ولا سيما فيما يتعلق بالملف الشيشاني حيث يرى الرئيس الروسي في هذه المرحلة فرصة مناسبة لتحقيق وعد قدمه للروس باغلاق هذا الملف ويبدو التناغم الروسي الامريكي واضحا في هذا المجال من خلال تصريحات مستشارة الرئيس الامريكي للامن القومي كونداليزا رايس التي طالبت فيها القادة الشيشان بعدم انتهاج ما اسمته الارهاب واذا كان الملف الشيشاني هو الابرز في محصلة الفوائد التي تأمل روسيا في الحصول عليها مقابل موقفها من الحرب الا ان هناك بالتأكيد قضايا اخرى لا تقل اهمية ومنها القروض المالية الكبيرة التي يحتاجها الروس لترميم اوضاعهم الاقتصادية ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل يستطيع الروس ان يقبلوا بترتيب المنطقة في اطار المقاييس الامريكية ام ان شهر العسل القائم على تبادل المصالح سينقلب الى شكل آخر عندما تكتشف موسكو مقدار الثمن الذي دفعته للولايات المتحدة في هذه المرحلة؟ واذا انتقلنا من الموقف الروسي ازاء الازمة الى موقف بكين منها نلاحظ ان الحسابات الصينية كانت اكثر حذرا من نظيرتها الروسية ويعود ذلك الى خشية الصين من خروج باكستان التي تعد من حلفاء بكين الرئيسيين ضعيفة في مرحلة مابعد طالبان ويزداد هذا القلق الصيني وضوحا اذا ما اخذنا بعين الاعتبار القوة المنتظرة للهند على حساب باكستان وهو امر لن يجعل بكين مرتاحة للمعادلة الجديدة. ويبدو ان هناك دولا اخرى سترى نفسها مضطرة لمتابعة ما يجري بحذر شديد غير روسيا والصين مثل ايران التي وان كانت تناصب حركة طالبان العداء الا انها تنظر بقلق شديد الى احتمال سيطرة الولايات المتحدة على منطقة هامة بالنسبة لها. اما الهند وهي دولة مؤثرة ايضا فانها تخشى من تحول التعاون العسكري الامريكي الباكستاني في مرحلة الحرب الى علاقة استراتيجية تنمو وتترعرع على حسابها وهو ما يفسر التوتر الذي ظهر على الحدود بين الهند وباكستان وكأنه رسالة هندية لتذكير واشنطن بالقلق الهندي، في حين تبدو السياسة الباكستانية اكثر براجماتية من سياسات الدول الاخرى في الحرب ذلك ان اسلام اباد تخلت في سبيل مصالحها القطرية عن حليف قديم لها رغم حساسية الوضع الداخلي لباكستان واحتمالات انعكاس ذلك على المعادلة الباكستانية الداخلية وما يمكن ان يتركه تغيير نظام طالبان من تأثيرات على الشارع الباكستاني، ولذلك نرى انه في الوقت الذي تخلت فيه باكستان على حركة طالبان تتمسك برفضها وصول قوات المعارضة الشمالية الى السلطة في افغانستان. وهكذا نرى ان تعقيدات الوضع في هذه المنطقة من العالم قد تقود الى استمرار الازمة الافغانية حتى بعد الانتهاء من نظام حركة طالبان. وهذا الامر يبدو ان الولايات المتحدة تدركه جيدا حيث اوفدت وزير خارجيتها كولن باول الى كل من اسلام اباد ونيودلهي بالتزامن مع مشاورات مكثفة تجريها مع الدول المؤثرة الاخرى في المنطقة بغية ترتيب الاوضاع في افغانستان بشكل يقبل به جميع الاطراف لان انهاء الحرب بغير هذه النتيجة سيفتح الباب من جديد امام استمرار الصراع في افغانستان تماما كما حدث بعد انسحاب قوات الاتحاد السوفييتي السابق وازاء كل ما تقدم نرى ان الخاسر الوحيد في هذه الحرب هو الشعب الافغاني المعدم الذي دفع ثمن الحرب الباردة ايام الاتحاد السوفييتي السابق كما يدفع الآن ثمن انتهائها من دماء ملايين الفقراء والبؤساء الذين تغص بهم المنافي القسرية خارج وطنهم. ولعل السؤال الاخير الذي يتوجب طرحه هنا هو هل تحولت الحرب الباردة التي كانت سائدة في القرن الماضي الى حروب ساخنة على الدول الصغيرة من اجل الحفاظ على مصالح الكبار والكبار فقط؟ بقلم: نبيل سالم ـ كاتب فلسطيني