في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر وبدء الحديث عن تدخل عسكري امريكي لتوجيه ضربات لحركة طالبان في افغانستان كان من المتوقع ان تعارض روسيا، وبشدة، هذا التدخل من جانب الولايات المتحدة في منطقة بالغة الاهمية بالنسبة لها خاصة انها سعت دوما للحيلولة دون تدخل الولايات المتحدة في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز ومحاولة بسط نفوذها وسيطرتها على منابع النفط والغاز الكامنة في المنطقة والتي تعتبر ثاني اكبر احتياطي نفطي في العالم، بعد منطقة الخليج العربي. فروسيا تعي جيدا ان التدخل الامريكي يعني خصما من نفوذها في المنطقة وتهديدا لمكانتها وهيبتها التي تسعى جاهدة للحفاظ عليها، وقد كان ذلك احد محاور الخلاف بين البلدين خاصة في ظل التوتر الشديد الذي ساد العلاقات بينها مؤخرا وذلك نظرا للتباين الواضح في مواقف البلدين حول عدد من القضايا التي تمس صميم الامن القومي الروسي وابرزها قضية الدرع المضادة للصواريخ، التي تقيمها الولايات المتحدة والتدخل في الشئون الداخلية لروسيا واجراؤها اتصالات مع الانفصاليين في الشيشان. ولكن على خلاف ما كان متوقعا جاء الموقف الروسي مؤيدا للموقف الامريكي . وابدت روسيا تعاطفا ملحوظا تجاه الولايات المتحدة منذ بدء الازمة، وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من اوائل الذين قدموا المواساة والعزاء للولايات المتحدة على ضحايا التفجيرات التي تمت بها، كما اكد بوتين منذ الوهلة الاولى على ضرورة معاقبة المسئولين عن مثل هذه الاعمال، وابدت استعدادها للتعاون في مجال الاستخبارات وتبادل المعلومات حول افغانستان والجماعات الارهابية العاملة فيها، بل ان روسيا وافقت على تعاون دول آسيا الوسطى عسكريا مع الولايات المتحدة، وان كانت قد رفضت اي مشاركة عسكرية، من جانبها او التورط في عمل عسكري وارسال قوات الى جانب الولايات المتحدة ورغم ان روسيا كانت تفضل ان تكون جهود محاربة الارهاب في اطار دولي تحت رعاية الامم المتحدة ومجلس الأمن الا انها عادت واعلنت دعمها للولايات المتحدة وموافقتها على الضربات الامريكية. ويثير هذا التساؤل حول اسباب الموقف الروسي والدوافع التي حدت بروسيا الى اتخاذ مثل هذا الموقف؟! في هذا الاطار تبرز مجموعة من الاسباب والعوامل: اولاً: رغبة روسيا في اطلاق يدها في الشيشان، فقد تعرضت روسيا لانتقادات حادة من جانب الولايات المتحدة والغرب والمؤسسات الدولية بسبب استخدام القوة ضد المدنيين في الشيشان ووصل الامر الى حد التهديد بوقف المساعدات المقدمة لموسكو ومن ثم كان احد دوافع روسيا هو اضفاء شرعية على سياستها في الشيشان واذا كانت الولايات المتحدة تحارب الارهاب على بعد مئات الاميال من اراضيها، فمن حق روسيا محاربته داخل البيت الروسي ذاته وقد اكد الرئيس بوتين ذلك حيث رأى ان الجهات التي تساند المتمردين الشيشان نفسها التي تقف وراء احداث 11 سبتمبر، وان المراكز الارهابية متداخلة ويجب العمل على القضاء عليها ليس فقط بالقوة ولكن بحرمانها من مواردها المالية. ثانياً: عداء روسيا لحركة طالبان ورغبتها في القضاء عليها حيث تعتبرها مصدر عدم الاستقرار في المنطقة، وانها وراء الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات والارهاب فيها، كما تتهم موسكو ابن لادن وحركة طالبان بمساندة الانفصاليين في الشيشان ووجود معسكرات لتدريب الارهابيين على الاراضي الخاضعة لسيطرة طالبان. ومن ثم تقوم موسكو بدعم قوات تحالف المعارضة الشمالي في مواجهة حركة طالبان، بل انها اكدت قبل سنة حقها في ضرب معسكرات الارهابيين الموجودة على الاراضي الافغانية دفاعا عن مصالحها وعن مصالح دول آسيا الوسطى الا ان هذا لم يلق قبول الولايات المتحدة وحلفائها وقد وجدت روسيا في التدخل الامريكي فرصة سانحة للقضاء على حركة طالبان بأيد امريكية ودون التورط في عمل عسكري لا يعرف مداه. ثالثا: ان عدم تأييد روسيا للتحالف الدولي سوف يؤدي الى عزل روسيا دوليا خاصة مع التأكيد الامريكي على انه من ليس معنا فهو ضدنا وتأييد الدول الغربية. رابعا: ان ما حدث في الولايات المتحدة ينطوي على نوع من المهانة والاستهتار بالقوى الكبرى في العالم واذا لم يتم الرد بقوة وحزم عليه فان هذا سيفتح المجال للنيل من اي دولة اخرى وقد تكون روسيا واحدة من هذه الدول خاصة انها تعرضت من قبل لسلسلة من الاعمال الارهابية استهدفت محطات قطار ووسائل نقل بل ومبان سكنية، واتهمت الانفصاليين الشيشان بالقيام بها وادت الى تدخل موسكو عسكريا في الشيشان في سبتمبر واخيرا، فان روسيا كانت تدرك انه بتأييد منها او بعدمه سوف تتدخل الولايات المتحدة عسكريا في المنطقة وتوجه ضرباتها الى حركة طالبان وهو ما دفع روسيا الى ابراز تأييدها للولايات المتحدة وذلك حفاظا على وضعها ومكانتها، وحتى لا يبدو الامر وكأن الولايات المتحدة قد تجاهلت نفوذها في المنطقة مما ينال من هذا النفوذ ويسبب الحرج الشديد للقيادة الروسية في الداخل وعلى صعيد العلاقة مع دول الكومنولث عامة وآسيا الوسطى والقوقاز خاصة. كل هذه الاسباب والدوافع ادت الى تأييد روسيا الصريح المعلن للموقف الامريكي وللضربات الامريكية على افغانستان. ويظل السؤال حول ما اذا كان هذا التأييد الروسي سوف يستمر في المستقبل ام لا؟ لاشك انه لا توجد اجابة قاطعة على مثل هذا التساؤل حيث يتوقف الامر على مجموعة من العوامل لعل اهمها يتمثل في خطط الولايات المتحدة المستقبلية في المنطقة وهل ستسحب قواتها فور الانتهاء من تحقيق الاهداف التي جاءت من ا جلها، ام ستظل محتفظة بوجود عسكري ودرجة هذا التواجد فكما سبقت الاشارة فان الولايات المتحدة تسعى منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وانحصار النفوذ الروسي في المنطقة الى بسط نفوذها السياسي والاقتصادي عليها خاصة منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، ومن ثم فانه من غير المتصور ان تنسحب من المنطقة نهائيا بعد ان واتتها الفرصة للتدخل العسكري فيها، وحتى لو تم ترتيب الاوضاع السياسية في افغانستان على النحو الذي يحقق الاهداف والمصالح الامريكية، ولعل هذا يغير من الموقف الروسي مستقبلا، خاصة وان روسيا لم تحقق حتى الآن ايا من اهدافها الاساسية لتأييد الموقف الامريكي. بقلم: د. نورهان الشيخ ـ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية / جامعة القاهرة