الى أي مدى تعيد الضربات العسكرية على أفغانستان تشكيل التوازنات في آسيا الوسطى؟ ما هي ملامح المستقبل الأفغاني؟ في أي نقاط تتقاطع التوازنات الجديدة، المحتملة، مع ذلك المستقبل الذي يشوبه الغموض؟ ما هي المعادلات التي يتمخض عنها الصراع المحتدم في قلب آسيا لتساهم في رسم خريطة العالم، غدا؟ ما دور الولايات المتحدة في النظام العالمي ما بعد الجديد؟ إن أي سيناريو للمستقبل لا يمكن أن يغفل الاجابة عن تلك الأسئلة، وأسئلة أخرى عديدة تتوالد، كما يحدث عند القاء حجر في بركة ماء! وإذا كان بناء أي سيناريو يبدأ - عادة - بتساؤل عن ماذا يمكن أن يحدث لو حدث كذا، وبمجرد طرح التساؤل تتوالى التصورات حول مختلف الآثار المترتبة على واقعة معينة، ثم تتصاعد الأحداث - وفق ذلك التصور - وصولا الى تتبع الآثار الناجمة عن التطورات المحتملة، في دائرة تشبه الموجات المتلاحقة، لانجاز توصيف للواقع في مرحلة مستقبلية، فإن الأمر - في مواجهة ما يحدث في أفغانستان - يتقاطع مع العديد من التداخلات والمتغيرات والتفاعلات، بل والمحاذير، تجعل استنطاق الأحداث، والتعجل في رسم السيناريوهات - للمستقبل القريب أو البعيد - عملية محفوفة بمخاطر كثيرة، لأن التنبؤ أو التكهن لا يمكن أن يخضع لحسابات غير قائمة بعد، حتى وإن كان على الورق، بل يصعب على الولايات المتحدة ذاتها أن تزعم أنها تملك ضمن أوراقها كل الأرقام التي تحكم معادلات تاريخ الغد القريب! لكن من غير المعقول - كذلك - الجلوس في مقاعد المتفرجين، انتظارا لما يحدث، أو ما تسفر عنه الأحداث من نتائج، ثم التعامل معها باعتبارها قدرا محتوما! وربما كانت البداية الصحيحة هي استبعاد بناء أي سيناريو يعتمد على متغير واحد، أو فاعل وحيد، مع استمرار تثبيت كافة الأوضاع والأدوار الأخرى، مثل حذف دور طالبان من مشاهد المستقبل - كما يتمنى الكثيرون - أو افتراض تحول الولايات المتحدة الى دولة عادية، كما طرح فرانسيس فوكوياما في معرض تصوره لوضعية الولايات المتحدة خلال المرحلة القادمة، باعتبارها دولة عظمى، لكن لها مصالح محددة، ونقاط ضعف، بل ومضطرة للتعاطي مع بعض المعطيات الدولية التي لا تروقها تماما. مثل هذه التحولات أمر وارد، دون شك، لكن لا يمكن أن تمثل المحدد، أو المدخل الوحيد الذي يحتل مقدمة المشهد، خلال اعادة تشكيل خريطة القوى الاقليمية - في آسيا - أو خريطة القوى العالمية المؤثرة في النظام الدولي الذي تفضي اليه التفاعلات الراهنة. الدمار الشامل ثمة احتمال يقترب من مستوى الحقائق يتعلق باقتراب الصراع في إحدى مراحله من خطر التحول لاستخدام أسلحة الدمار الشامل من جانب الطرفين الرئيسيين في الصراع، سواء أكان السلاح نوويا أو كيميائيا أو بيولوجيا، كما أن النطاق الجغرافي قد يمتد ليشمل دولا أخرى في الشرق الأوسط، بزعم حق الولايات المتحدة بملاحقة الارهاب الى منابعه، وتلك الدول التي توفر ملاذا آمنا للارهابيين، كما ذكر الرئيس بوش، ووزير خارجيته باول، ووزير دفاعه رامسفيلد! تلك المعطيات يمكن أن تقود الى توقع سيناريو دموي متصاعد يغذيه طبقا لرؤية ناعوم تشومسكي الرجال الأشداء، من كلا الجانبين! وتكتمل ملامح تلك الصورة القاتمة مع ما يذهب اليه الجنرال ديفيد جرين المحلل العسكري الأمريكي وجه الاختلاف الذي أشار اليه بوش عند حديثه عن الحرب ضد الارهاب بأن ذلك يتمثل في أن تلك الحرب سوف تكون على مستوى عالمي، وأن العالم سوف يكون هو جبهة القتال!! وغير بعيد عن ذلك السيناريو النووي الذي قد تعتمده الولايات المتحدة حال فشل استراتيجيتها العسكرية المعتمدة في تحقيق أهدافها المعلنة، مما يدفعها باتجاه استخدام السلاح النووي التكتيكي في منطقة قوس الرعب الآسيوي الممتد من كوريا الشمالية - حتى اسرائيل، مرورا بالصين والهند وروسيا، وباكستان وايران، ولا يمكن التنبؤ بدقة بردود الأفعال من جانب القوى النووية المتاخمة لأفغانستان في مواجهة المخاطر الواقعة على الصحة والبيئة، إذا ما أطلقت الولايات المتحدة المارد النووي من عقاله بدعوى الدفاع عن النفس! إن تجليات العصر النووي الثاني، التي بدأت مع دخول دول آسيا للنادي النووي، مع أول اختبار أجرته الهند عام 1974، يمكن أن تتبدى في لحظة مفعمة بمشاعر الغضب والكراهية واليأس، تدفعها قوى القومية الممزوجة بفهم خاطئ للدين باتجاه صدام يتفاعل في بوتقة صراع الحضارات الى مدى يصعب التنبؤ بعواقبه. قد يبدأ السيناريو النووي بدافع حفظ ماء الوجه، أو كضربة حسم نهائيا كما حدث في هيروشيما ونجازاكي، أو لإبعاد شبح عقدة فيتنام، والاهانات التي لحقت بالولايات المتحدة في الصومال ولبنان وكينيا واليمن و.. ولكن الأمر يظل مرهونا بمدى فعالية الضربات الجوية والصاروخية من ناحية، أو التصعيد - على الجانب الآخر - باستخدام أسلحة الدمار الشامل، وإن بشكل جزئي من خلال اللجوء للسلاح البيولوجي في العمق الأمريكي، والذي بدأت بوادره بحالات الجمرة الخبيثة، الأمر الذي تعده واشنطن ذريعة مناسبة، وكافية للولوج الى السيناريو النووي. أصعب من الحرب الثانية وسواء أكان السيناريو القادم دمويا أو نوويا، فإن الحرب ضد الارهاب سوف تكون في بعض جوانبها - كما يتصور روبرت أوكلي رئيس مكتب مكافحة الارهاب السابق بالخارجية الأمريكية - أصعب من الحرب العالمية الثانية، وربما تدوم لفترة أطول، والرجل الذي شغل من قبل منصب السفير في باكستان، يستند في تأكيداته على تقدير مفاده أن ذكاء ابن لادن يتجلى في القدرة على بناء مؤسسة تستطيع أن تستمر بعد اختفائه من على مسرح الأحداث، مثلما تستمر أية شركة عملاقة بعد استقالة أو وفاة رئيسها بفضل الحوافر الالهامية التي يستمر أثرها بعد اختفاء صاحبها من موقع القرار! وحتى اذا لم تصل نتائج التفاعلات الراهنة الى ذروة ميلودرامية مفجعة، فإن سيناريو اللانصر واللاهزيمة يكون محتملا أكثر من غيره، حين يصعب على الولايات المتحدة أن تحسم الحرب في المدى المنظور، أو أن تلجأ لترسانتها النووية، ومن ثم يصعب عليها أن تحسم الحرب ليس فقط في المدى المنظور، ولكن في مدى يتجاوز عقد من الزمان، تكون خلاله على مدرج انحدار، أي تعاني من السقوط التدريجي الذي بدأ بانهيار مركز التجارة العالمي، فيما يشبه ما حدث في سور برلين! إن إدارة بوش، وبالقطع الادارة التي سوف تعقبها، ترنو لاعادة عقارب الساعة الى ما قبل الثلاثاء 11 سبتمبر سواء بالنسبة للهيبة الأمريكية، أو لأمن المواطن الأمريكي العادي، إلا أن مثل تلك الغاية - بشقيها - تقترب من حافة المستحيل، خاصة في ظل سيناريو اللانصر واللاهزيمة، مما يطيل المدى الزمني للحرب، التي قد تستغرق وقتا يتجاوز بكثير ذلك الذي تم تحديدة في أوراق الخطط، وربما كان ذلك عائدا لغياب استراتيجية شاملة، رغم وجود استراتيجية حربية واضحة مما ينتج في المحصلة النهائية فوضى وارتباك شديدين. لقد أشار رامسفيلد الى أن مفرد الحرب ربما تكون مختلفة تماما، وعندما تتمكن الولايات المتحدة - على حد قوله - من غزو أي مكان، لأي عدو، ربما نكون سيطرنا عليه تماما، إنسوا تماما استراتيجيات الخروج لأننا نبحث الدخول الكامل الذي ليس له وقت محدد للخروج وليس لدينا قواعد محددة حول كيفية سحب القوات! هذا الفقر الواضح في الرؤية الاستراتيجية لواشطن، يبدو أكثر وضوحا اذا ما اقترب أي محلل من سيناريو يعالج مستقبل التحالف الدولي ضد الارهاب، إذ أن مهمة الحفاظ على هذا التحالف تزداد تعقيدا أو حساسية كلما طال الوقت، بعد أن بدأت ردود الفعل تتراوح ما بين الصمت الرسمي واحتجاج الرأي العام في العديد من الدول العربية والاسلامية والغربية، وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها التي رفعت المظاهرات المناهضة لضرب أفغانستان - وذكرت على نحو ما بما حدث في سياتل وجنوا - لافتات تؤكد أن الحرب، ارهاب، من ثم تعدد أوجه المهمة التي تحملها ادارة بوش على كاهلها المثقل، ليس على المستوى الحربي والدبلوماسي فحسب، وتعني أيضا فيما يتعلق بترتيب الأوضاع المستقبلية في أفغانستان. فقد كشف المتحدث باسم الخارجية الأمريكية عن غياب سيناريو، أو خطة واضحة لدى ادارة بوش عن مستقبل الحكم في أفغانستان، في حال القضاء على نظام طالبان، وقال المتحدث بصراحة فيما يخص مستقبل أفغانستان، يمكن سؤال بلورة سحرية. من ثم فإنه حتى على مستوى سيناريو جزئي في اطار سيناريو أشمل يتعلق برسم ملامح آسيا، أو تصور للنظام الدولي بعد الحرب الراهنة يعد مسألة تدخل في اطار الميتافيزيقا، بالنسبة للادارة الأمريكية التي يتصور البعض - عن جهل - أنها تمسك بكل تفاصيل المشهد المستقبلي. في السياق ذاته يمكن رصد غياب القواسم المشتركة بين الولايات المتحدة، ودولة محورية في التحالف مثل باكستان سواء فيما يتعلق بشكل الحكم في أفغانستان بعد الحرب، حيث أن نظام الجنرال مشرف يضغط باتجاه عدم تمكين التحالف الشمالي من استعادة السلطة، كما أن مشرف يأمل في أن تكون الحرب قصيرة حتى لا يهدد المدى الزمني الممتد نظامه، بينما يرى بوش أن الحرب سوف تكون طويلة حتى تتم تصفية كل شبكات الارهاب في العالم أجمع. أي خيال خصب هذا؟ فيما الحديث إذن عن سيناريوهات للغد القريب، أو البعيد، في ظل كل ذلك الغموض والالتباس والتضارب في المواقف والمعادلات والافتراضات! لقد أطلق علماء الاجتماع منذ أوجست كونت شعار: المعرفة، ومن ثم التنبؤ فالقدرة عند محاولة التصدي لمعالجة أمور استشراف المستقبل، ولكن في ظل الغيم والضبابية الشديدين، وتلبد السماء فوق الساحة الدولية، فإن زعم الاستناد الى افتراضات تقترب من الصواب، وفي ظل ثوابت تستند الى حقائق جغرافية قديمة فحسب، ومتغيرات بلا حصر، فإن بناء أي سيناريو يقود الى تلمس ملامح الزمن الآتي يبقى مجرد اجتهاد يحتمل الخطأ أكثر مما يقترب من الصواب، لأن قراءة خطوط الوضع الراهن عملية محفوفة - كما أشرنا من قبل - بالكثير من المحاذير والمخاطر، من ثم يصعب على ضوء الواقع الذي يتحرك بوتيرة قلقة أن يرسم مسار حركة الغد القريب، خاصة وأن الثقة غائبة في وجود آليات تاريخية تقود نحو مستقبل أفضل في مدى منظور إلا اذا وقعت معجزة في زمن خلا من المعجزات إلا أن يشاء الله. بقلم: علاء عبدالوهاب ـ كاتب مصري