في الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة الأمريكية ضرباتها العسكرية ضد افغانستان وللأسبوع الثاني على التوالي، بدأت التساؤلات تتردد حول مدى تحقيق هذه الضربات الأمريكية البريطانية لاهدافها عسكريا وسياسيا، ومدى نجاح الولايات المتحدة في حشد التحالف الدولي في حملتها ضد الارهاب وحربها ضد طالبان، وحقيقة مصالحها وأهدافها الخفية الظاهرة من وراء شن هذه الهجمات والضربات وموقف حلف الناتو من هذه التطورات وكذلك مواقف الدول العربية والاسلامية منها وفرص اتخاذ مواقف متقاربة تجاهها. الملف التقى لواء د.محمد قدري سعيد رئيس وحدة الدراسات العسكرية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في حوار للاجابة عن هذه التساؤلات والقاء الضوء عن السيناريوهات المتوقعة مستقبلا لهذه الحرب التي بدأت والكل يترقب ويتساءل الى أين ستنتهي ؟ كثرة الطلعات ـ بداية هل حققت الضربات الأمريكية البريطانية على افغانستان أهدافها عسكريا وسياسيا؟ ـ لا أعتقد ذلك فالواضح حتى الآن أن الضربات الأمريكية ورغم كثرة الطلعات الجوية والصواريخ التي تم اطلاقها، ان هذه الضربات لم تؤثر بالشكل الذي كانت تريده الولايات المتحدة فاذا كانت القوات العسكرية الأمريكية والبريطانية قد نجحت في تدمير بعض مراكز للاتصالات والرادارات والمعدات العسكرية لقوات طالبان، فإن هذا لا يعني ان هذه الضربات قد أثرت في حركة طالبان بدليل اننا لم نشاهد أو نسمع عن قصف أو ضرب لتجمعات من قوات طالبان، وكل ماقيل عن ضرب لقواعد طالبان مبالغ فيه حيث لا تخرج عن كونها مجرد مواقع هشة ضعيفة وغالبيتها من الصفيح، لقد أريد لهذه العمليات أن تنتهي سريعا وكل ما يهمهم منها هو القبض على ابن لادن لأن هذا مطلب الرأي العام الأمريكي، ولكن من الواضح من التطورات العسكرية حتى الآن ان هذا الهدف ليس قريب المنال، ومن هنا فانني اعتقد ان كل ماحققته الضربات هو التأثير الى حد ما على معنويات الشعب الافغاني، وتقديم الدعم لتحالف المعارضة الشمالي حتى يستطيعوا مواجهة قوات طالبان. جمع المعلومات ـ هل يعني هذا أن الحرب البرية قادمة لامحالة وانه لا سبيل لتحقيق القوات الأمريكية لأهدافها الا بالعمليات العسكرية البرية؟ ـ الحرب البرية يمكن النظر اليها من خلال تصورين الأول هو أن تستمر القوات الأمريكية والبريطانية في قصفها الجوي لافغانستان لتدمير كل الأهداف والقواعد التي تم تحديدها، في الوقت نفسه تنشيط عمليات جمع المعلومات عن الأماكن المحتمل وجود ابن لادن فيها وبعد التأكد من وجوب انزال بعض القوات البرية الخاصة لتمشيط هذه المنطقة من أجل القبض على ابن لادن واتباعه، وهذا التصور يتوقف نجاحه على نوعية المعلومات التي سيحصل عليها الأمريكان وطول مدة القصف الجوي حتى يتم انهاك قوات حركة طالبان نهائيا، أماالتصور الثاني وهذا ليس مستبعدا وهو اذا حدث وطالت مدة القصف الجوي دون أن يحقق الأمريكان أهدافهم سوف يضطرون الى الاقدام على خطوة الغزو البري لافغانستان وهذا قد يتم بالتنسيق مع المعارضة الافغانية، وعموما هذا ممكن وليس كما يقول الكثيرون انه سيكلف القوات الأمريكية خسائر كبيرة، لأن هذه القوات ليس مطلوبا منها أن تحتل كل الاراضي الافغانية ولكن فقط السيطرة على الاماكن الرئيسية والمؤثرة في افغانستان، هي خطوة جريئة ولكنهم قد يضطرون اليها، فهم عالميا قرروا وبدأوا الحرب فلابد أن يحققوا أهدفهم بالقبض على ابن لادن وتنظيم القاعدة، هم يدركون أن عملية مثل هذه قد تكون خسائرها بالنسبة للقوات الأمريكية كبيرة ولكن لا بديل امامهم الا استكمال مابدأوه لان الولايات المتحدة لن تقبل بهزيمتها في هذه الحرب كما لن يقبل حلف الناتو بهذه الهزيمة لأن الأمر اصبح مشكلة أمريكية أوروبية وليس امريكية فقط وخصوصا بعد ظهور جوانب وتداعيات أخرى للمشكلة مثل حالات الجمرة الخبيثة التي أصابت الأوروبيين والأمريكيين بالهلع والفزع. ـ هذا يقودنا للتساؤل عن طبيعة موقف حلف الناتو والذي أعلن تأييده الكامل للتحركات الأمريكية؟ ـ حلف الناتو حتى الآن يقوم بحماية ظهر الولايات المتحدة سواء في أوروبا بحماية مصالحها العديدة والمتشعبة، أو حتى داخل أمريكا بارسال خمس طائرات أواكس لحماية المجال الجوي الأمريكي وذلك بناء على الرغبة الأمريكية في أن يكون الحلف متواجدا وبقوة ولكن بدون أن يشارك كحلف في العمليات العسكرية حتى الآن على الأقل، ولكن قد يطلب منه ذلك مستقبلا اذا ساءت الأمور، وهذا يعود الى أن الولايات المتحدة لا تريد المشاركة المباشرة للحلف الآن لأنها تعرف انه اذا حدث ذلك فسوف تواجه بسيل من الاستفسارات من دوله حول طبيعة العمليات وأهدافها وغيرها من الاسئلة التي لا يريد الأمريكان الدخول فيها في الوقت الراهن، ولكنني مع ذلك أتوقع أن يدخل الناتو وبقوة مستقبلا اذا لم تحقق الولايات المتحدة أهدافها لأنه لن يسمح بهزيمتها لأن في ذلك هزيمة للغرب كله وليس لأمريكا وحدها ومن هنا كانت المسارعة من جانب الحلف لاعلانه بتنفيذ البند الخامس من ميثاقه الذي ينص على مشاركته ودعمه الكامل السياسي والعسكري للعمليات الأمريكية في افغانستان. ـ في رأيكم هل هناك أهداف أخرى خفية لهذه الضربات التي تتلقاها افغانستان الآن أم أن الهدف الرئيسي كما تقول الولايات المتحدة هو محاربة الارهاب والقبض على ابن لادن وتنظيمه؟ ـ أعرف أن هناك العديد من التحليلات التي خرجت خلال الفترة الماضية لتؤكد على أن الهدف الحقيقي من العمليات العسكرية الأمريكية ليس محاربة الارهاب ولكنها تبحث عن موطيء قدم في هذه المنطقة من العالم وبالقرب من بترول بحر قزوين وبجوار الدول النووية الأربع روسيا والصين والهند وباكستان، ولكنني لا أتفق مع هذا الاعتقاد وأرى فيه تبسيطا كبيرا للأمور، فما حدث بالنسبة للولايات المتحدة في 11 سبتمبر الماضي ضربة كبيرة وهزيمة ساحقة، ولا أحد كان يتوقعها، وموضوع تواجدها في هذه المنطقة كان يمكن ان يتم بدون هذه الضربات المؤلمة لها، ثم من قال أن الولايات المتحدة بعيدة عن هذه المنطقة، فقواعدها موجودة في المحيط الهندي، وفي الخليج العربي وفي كوريا الجنوبية واليابان، بل اننا لا نبالغ اذا قلنا ان هناك دولا في هذه المنطقة هي التي تسعى لتواجد الولايات المتحدة بها مثل أوزبكستان وغيرها بحثا عن الاستفادة الاقتصادية، حتى ايران نفسها كانت في طريقها لتحسين العلاقات مع أمريكا، أما موضوع البترول الذي طرح والموجود في بحر قزوين فأيضا الولايات المتحدة موجودة في الخليج العربي ولا مشكلة من هذه الناحية، كما انه ينبغي ان ندرك تجيدا أن مفهوم الهيمنة بأن تقوم دولة باحتلال دولة قد انتهى حيث أن هناك العديد من الأساليب وخاصة الضغط الاقتصادي يمكن أن تحقق هذه الهيمنة والولايات المتحدة مؤهلة للقيام بهذا الدور فهي التي تستطيع ان تعرف وتنفق على الحروب وكذلك على السلام حتى يحقق أهدافها، فعلت ذلك في صربيا وعندما تفكك الاتحاد السوفييتي قدمت مساعدات حتى لا تحدث كارثة من وراء هذه التفكك، وهي تشعر انها مسئولة عن العالم، وتقوم الآن بضرب افغانستان من الخليج العربي والمحيط الهندي، أي أن القول انها تقوم بهذه العمليات بحثا عن موطيء قدم في المنطقة فهذا الأمر مستبعد، ولكن ماتقوم به هو من أجل القبض على ابن لادن وتنظيم القاعدة لأن اللطمة التي تلقتها في 11 سبتمبر كانت قوية والرأي العام الأمريكي لن يرضى بأقل من ذلك. عناصر أساسية ـ وماذا عن مواقف الدول العربية ازاء التطورات الجارية وماهي فرص اتخاذ مواقف متقاربة؟ ـ الموقف العربي ازاء التطورات الجارية يرتكز على ثلاثة عناصر أساسية أولها تأييد الحملة الأمريكية لمكافحة الارهاب، وثانيها ضرورة عدم التعرض لأي دولة اخرى عربية بحجة هذا الموضوع، وثالثها القضية الفلسطينية وضرورة العمل على ايجاد حل وبما يضمن الحقوق الفلسطينية، والموقف العربي هنا واضح ولا بأس به ولكن هنا لابد أن تعمل الدول العربية والاسلامية على ألا تتحول المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وافغانستان الى مواجهة بين العالم الاسلامي والغرب لأن هذا هو الغرض الأساسي لبعض الأطراف ومنها اسرائيل التي تسعى لتصوير مايحدث على أنه صراع ومواجهة بين المسلمين المتخلفين والغرب المتقدم، أيضا حركة طالبان التي تعمل جاهدة على اقناع شعوب العالم الاسلامي بأن مايحدث هو حرب ضدهم وليست ضد طالبان وحدها. وينهي د.محمد قدري سعيد حواره بقوله أنه يعتقد أن الولايات المتحدة كانت غير راغبة في التدخل بهذا الشكل في افغانستان، وكانت لا تريد التدخل ايضا في موضوع طالبان وضرورة تغيير هذا النظام وتترك الأمور على ماهي اذا سلمتها الحركة ابن لادن من البداية، وهي عرضت ذلك أكثر من مرة، حتى بعد أن بدأت الحرب عرضت ذلك ولكن طالبان رفضت، كما أعتقد أن الولايات المتحدة من المؤكد أنها كانت قد وعدت باكستان بذلك قبل بدء الضربات، ولكن تطورات الأحداث دفعت باتجاهات أخرى وتم ضرب طالبان وسوف تشجع الولايات المتحدة المعارضة الشمالية على التقدم الى كابول، طالما أنها لم تقبض بعد على ابن لادن. القاهرة ـ مكتب «البيان»: