ما هو مستقبل منطقة جنوب آسيا بعد انتهاء الحملة الامريكية على طالبان، وما هي معادلة التوازن الاقليمي بين القطبين النوويين ـ الهند وباكستان ـ مستقبلا؟ وكيف سيتم توزيع الادوار بين نيودلهي واسلام أباد في الاستراتيجية الامريكية المقبلة في جنوب آسيا؟ من سيكلف بدور «وكيل» واشنطن في تلك المنطقة من العالم، وخاصة مع ادراك الامريكيين انهم لن يستطيعوا البقاء فيها طويلا؟ هذه هي الاسئلة التي يطرحها الآن عدد من الاستراتيجيين الهنود والباكستانيين لمعرفة الدور المنوط بهم مستقبلا في الاستراتيجية الكونية الامريكية. لكن معرفة الاجابات الأولية على هذه الاسئلة يتطلب تحديد ماهية الاستراتيجية الامريكية المستقبلية في جنوب آسيا، ومعرفة اهداف واشنطن من هذه المنطقة التي يقارب سكانها المليار وأربعمئة مليون نسمة. لاشك ان ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر حول «مفهوم الارهاب» في الفكر الاستراتيجي الامريكي من «عارض اجرامي» يتم التعامل معه بالوسائل الأمنية عبر الـ F.B.I أو C.I.A أو بأساليب قضائية كوزارة العدل أو حتى دبلوماسية عبر وزارة الخارجية الى «تهديد استراتيجي» لا تتطلب مواجهته تعبئة كافة الامكانيات المتاحة في يد الادارة الامريكية فقط بل الأكثر أهمية ان تصاغ استراتيجية شاملة للتعامل معه. وفي هذه الاستراتيجية ستوزع المهام على الحلفاء، ويوكل للاصدقاء حسب درجة قربهم من واشنطن أعمال خاصة ومحددة، ولن يكتفي البيت الابيض بالمراقبة عن بعد، أو الاشراف والمتابعة في صمت، بل سيكون عليه من الآن وصاعدا ان يتواجد بنفسه في موقع الحدث، ليعلم الجميع ان الهيبة لم تهتز، وان امريكا مازالت قادرة على ادارة الشأن الدولي دون منازع، والعصر الامريكي لايزال في تباشيره الأولية. كشمير بداية ونهاية هذه أول ملامح المستقبل في جنوب آسيا، فالصراع الهندي الباكستاني أضحى الآن يحتل مرتبة متقدمة على جدول الأعمال الأمريكي وبمقدار ما يؤدي اليه هذا الصراع من ثغرات يمكن «لأعداء» واشنطن النفاد منها لضرب المصالح الامريكية، بقدر ما يزداد اهتمام واشنطن وتدخلها في المنطقة. الا ان البيت الابيض يدرك ايضا ان بقاءه في جنوب آسيا يتطلب موافقة اقليمية، وسواء تم الحصول عليها بالضغوط السياسية أو بالمساعدات الاقتصادية، فإن الموافقة الاقليمية مرهونة بمدى قدرة واشنطن على القيام بدور أكبر لحل النزاعات الراهنة بين نيودلهي واسلام أباد وأهمها بالطبع القضية الكشميرية. تدرك واشنطن ان حملتها على حركة طالبان قد أضفت مزيدا من التشوه لصورتها في العالم الاسلامي، فالحديث على حملة صليبية ضد العالم الاسلامي بقيادة أمريكا هيمن على الخطاب السياسي للعديد من المعارضين للقصف الامريكي لمواقع طالبان، وأمريكا المدركة ان الارهاب لم يعد عارضا اجراميا، وإنما تهديد استراتيجي في حاجة لحملة علاقات عامة في العديد من البلدان الاسلامية الرئيسية، تجمل وجهها الملطخ بغبار المعارك الحربية في افغانستان. وقضية كشمير واحدة من القضايا التي سيجد البيت الابيض ان عليه التعامل معها بجدية أكثر في مرحلة ما بعد طالبان. فالتنظيرات الاستراتيجية التي روجت لها بعض دوائر اليمين الامريكي في واشنطن من ان اسلام أباد ـ وان لم تستنفد قدرتها على خدمة الاهداف الامريكية في جنوب آسيا والعالم الاسلامي ـ لم يعد لها ذات الحاجة في استراتيجية كونية يرسمها ويحدد أطرافها قطب دولي واحد، ومن ثم فإن تعزيز العلاقات بين واشنطن ونيودلهي باعتبار ان الآفاق الاقتصادية مع الهند أوسع، والتحديات مما عرف بالاصولية الاسلامية مشتركة، يجعل نيودلهي تحظى بموقع أكثر بريقا في الاستراتيجية الامريكية تجاه جنوب آسيا والمحيط الهندي. الا ان أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومستتبعاتها اثبتت ان باكستان هي الرقم الذي يمكن التعويل عليه لتفعيل الاستراتيجية الامريكية في جنوب آسيا. وان تحقيق واشنطن لاستراتيجيتها يتطلب مؤسسة عسكرية قوية وصديقة في اسلام اباد، ومن ثم فإن الجيش الباكستاني في حاجة الى «ترضية» من واشنطن لدوره في انجاح حملتها على افغانستان، بل وللدور المنوط به مستقبلا للتخلص من أي بوادر لاعادة المجموعات المناوئة لأمريكا لترتيب أوراقها بعد رحيل القوات الامريكية من المنطقة، ومعاودة الهجوم ان أمكن. وقضية كشمير هي المدخل ليس لتحسين العلاقات مع العسكر في باكستان فقط، بل ولاعادة تجميل صورة واشنطن في أعين الشارع الباكستاني. الا ان اهتمام امريكا بالقضية الكشميرية لا يعني بأي حال من الاحوال قدرتها على حلها، فأوراق الضغط الامريكي على الهند محدودة، وتهديدات المتحدث باسم القاعدة سليمان أبو غيث تطول الصليبيين والهندوس، ومن ثم فإن التنسيق الامني والمخابراتي تحديدا بين الـ C.I.A وجهاز المخابرات الهندي RAW والموساد ضد الجماعات الاسلامية واحد من محاور التعاون الأساسية في مرحلة ما بعد الحملة الامريكية على طالبان. والهند التي تخلت عن رزانتها السياسية والدبلوماسية المعهودة بسعي بين لمغازلة الادارة الامريكية، والعمل على اقناعها بكافة السبل بأنها أكثر قدرة من اسلام أباد على القيام بدور وكيل المصالح الامريكية في المنطقة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمواجهة المد الاسلامي، والمقابل المطلوب بسيط... ان تضغط واشنطن على اسلام أباد للحد من دعمها للجماعات المسلحة في كشمير. ان الصراع الهندي الباكستاني حول كشمير يستلزم التهدئة في المرحلة المقبلة، فالوضع المضطرب في افغانستان والذي سيدوم بعض الوقت سيتطلب عدم فتح جبهات جديدة. واذا كان على واشنطن القيام بدور فعال في جنوب آسيا، فعليها اقناع نيودلهي بقبول شكل من أشكال الوساطة الدولية بينها وبين باكستان لحل القضية الكشميرية، وفي المقابل الضغط على باكستان للحد من نشاط الجماعات الكشميرية المسلحة التي دفعت الهند الى نشر قرابة نصف مليون جندي على حدودها مع باكستان وتوجيه 15% من ميزانيتها العسكرية الى كشمير. الديمقراطية ... تأجيل إلى حين قضية الديمقراطية وحقوق الانسان واحدة من محددات السياسة الخارجية الامريكية في فترة ما بعد الحرب الباردة، ولطالما أعربت الادارات الامريكية المختلفة عن معارضة دبلوماسية للمؤسسة العسكرية الباكستانية، باعتبارها نموذجا فاضحا للقضاء على الديمقراطية وانتهاك حقوق الانسان. واذا كان كولن باول وزير الخارجية الامريكي قد أعلن ان الموقف الباكستاني المساند للهجمات الأمريكية على طالبان لن يمنع الخارجية الامريكية من مواصلة انتقاداتها لانتهاكات حقوق الانسان في باكستان، فإن تصريحات باول تكشف في حقيقتها عن الضغوط التي تمارسها بعض المجموعات في الكونجرس على الخارجية الامريكية بأن تواصل الضغط على النظام العسكري في باكستان من أجل استعادة الديمقراطية والحد من انتهاكات حقوق الانسان في البلاد. الا ان وزارة الدفاع الامريكية من جانبها تعتقد بضرورة منح الجنرال مشرف فسحة من الوقت لاعادة ترتيب اوراقه الداخلية، على ضوء المواقف التي بنتها التيارات السياسية المختلفة في باكستان من مساندته لواشنطن. وخلال هذه المهلة فإن الصمت عن الانتهاكات السياسية وقمع المعارضين قد يبدو مبررا. لكن الصمت الامريكي تجاه الجنرال ومواقفه من حقوق الانسان قد لا يطول. فترتيب البيت الباكستاني يتطلب دعما أمريكيا اقتصاديا واضحا. واذا كانت واشنطن قد اعتادت على دعم كافة الانظمة العسكرية في اسلام أباد اقتصاديا، فالفساد السياسي حال دون ترك هذه المساعدات لأثر ملموس على الاقتصاد الباكستاني، وهو ما قد يتطلب هذه المرة البحث عن آليات مختلفة ليحقق الدعم المالي الامريكي نتائج حقيقية على عملية تخصيص تلك المساعدات وتوزيعها مواقف صدامية بين المؤسسة العسكرية والمسئولين الأمريكيين. تحظى باكستان في الاستراتيجية الامريكية المقبلة في جنوب آسيا بأهمية كبيرة، فترتيب البيت الافغاني لابد ان يتم عبر اسلام أباد بشكل أو آخر، وتجاهل باكستان يعني عودة المشكلة الافغانية الى المربع الأول، واستمرار الصراع الافغاني دون حل، لكن المشكلة الافغانية أكبر من ان تترك لباكستان بمفردها، فللهند علاقات وطيدة مع التحالف الشمالي، وبرحيل طالبان فإن نيودلهي تتوقع الحصول من اصدقائها الشماليين على مقابل للدعم الذي قدمته لهم في صراعهم العسكري والدبلوماسي مع طالبان، وقد يؤدي توزيع «غنائم» ما بعد الحرب الى صدامات بين اسلام أباد ونيودلهي، وهو ما يتناقض مع أسس الاستراتيجية الأمريكية تجاه جنوب آسيا التي ستعتمد على التهدئة واستيعاب الطرفين دون التحالف مع أحدهم ضد الآخر، والعمل على الاستفادة من المزايا النسبية المتاحة لكل منهما. بقلم: هشام بدوي ـ كاتب مصري