تحمل الحملة العسكرية الامريكية في افغانستان الكثير من السيناريوهات التي تطرح بدورها تساؤلات مشروعة حول أبعاد هذه الحملة من جهة وآفاقها الجغرافية والاستراتيجية من جهة اخرى. وعلى الرغم من ان المسئولين في الولايات المتحدة يؤكدون ان هذه الحملة لن تستهدف في المرحلة الراهنة دولا اخرى خارج نطاق الحيز الافغاني، الا ان الخبراء العسكريين والمحللين السياسيين يرون ان مسألة توسيع الحملة باتت على درجة كبيرة من الواقعية وذلك بالنظر الى الاشارات الواضحة التي تصدر عن البنتاجون ووزارة الخارجية الامريكية، ويرشح هؤلاء منطقة الشرق الأوسط لأن تكون المسرح الجديد للحملة العسكرية الامريكية ذلك ان الولايات المتحدة ترى انه قد تم الآن فتح ملف الارهاب العالمي بكل تشعباته وتعقيداته، وبالتالي فإن احتمال تعرض دول مثل العراق وايران لضربات وضغوط عسكرية امريكية بات واردا في كل لحظة. وتؤكد المصادر الغربية ان خبراء البنتاجون يضغطون الآن لتوسيع دائرة الحرب حتى تشمل العراق بحجة ان هذا الأخير متورط في عمليات ارهابية. مراحل استراتيجية وتشير أوساط المراقبين الى ان الولايات المتحدة تركز حاليا على افغانستان على أساس ان التحقيقات التي أجرتها أجهزة الاستخبارات الامريكية قد أظهرت ان تنظيم اسامة بن لادن الذي يطلق عليه اسم «القاعدة» هو المسئول عن التفجيرات التي تعرضت لها المدن الامريكية الشهر الماضي. ومن هذا المنطلق فإن السياسة الامريكية تركز الاضواء على المسرح الافغاني، والواضح ان الولايات المتحدة لا تريد توزيع الاهتمام السياسي والدولي على مواقع اخرى وذلك حتى لا تفتقد حملتها الراهنة في افغانستان الدعم العالمي الذي تحظى به الآن ولكن بعض المراقبين يتساءلون ماذا لو استمرت الحملة الامريكية ضد افغانستان فترة طويلة من الزمن قد تصل الى عدة سنوات كما صرح بذلك الرئيس الامريكي جورج بوش نفسه؟ ففي هذه الحالة هل ستكتفي الولايات المتحدة بضرب افغانستان فقط؟ أم انها قد تفكر بتوجيه ضربات عسكرية الى العراق الذي تتهمه واشنطن بأنه يرعى ويمارس الارهاب ضد المصالح الامريكية والغربية في الشرق الأوسط؟ من الواضح ان هناك استراتيجية متحركة على هذا الصعيد، ذلك ان توقف الحملة العسكرية الامريكية عند حدود افغانستان لن يحقق للولايات المتحدة كل الاهداف التي تتوخاها من وراء تحركها الراهن لمكافحة الارهاب، وعليه فإن توسيع نطاق الحرب لتطال العراق بات أمرا واردا بصورة جديدة رغم ان الولايات المتحدة تخشى ان تؤدي مثل هذه التطورات الى اثارة الرأي العام العربي ضد سياستها في المنطقة، ولهذا السبب بالذات فقد دأبت واشنطن على اطلاق بعض التسريبات الى بعض العواصم العربية وهي تحمل نوعا من التأكيدات التي تقول بأن الولايات المتحدة لن تستهدف دولة عربية في المرحلة الراهنة على الأقل ولكن المسئولين العراقيين يؤكدون بأن ذلك مجرد خداع لأن واشنطن مستمرة في فرض سياسة الحصار على الشعب العراقي وقصف المواقع العراقية وان كان بدرجة غير دراماتيكية. وفي السياق نفسه، يمكن تسليط الضوء على الدائرة الايرانية وعلاقتها باحتمالات توسيع الحرب ضد افغانستان، وهنا يمكن تسجيل بعض المعطيات المهمة ولعل من أبرزها رفض ايران السماح للطائرات الأمريكية باستخدام اجوائها من أجل الوصول الى افغانستان ومهاجمتها وذلك على الرغم من ان علاقات ايران مع حركة طالبان هي على درجة كبيرة من السوء والتدهور. ولكن ايران لا تريد ان تظهر في هذه المرحلة وكأنها قد تخلت عن مواقفها المعلنة ودخلت في تحالف غير مقدس مع ما تسميه «الشيطان الأكبر» في العالم. وكما هو واضح فإن هذا يسبب الكثير من الحرج السياسي بالنسبة لدولة اقليمية مهمة في الشرق الأوسط مثل ايران. ومن جانب آخر فإن طهران تخشى ان تقوم الولايات المتحدة بممارسة المزيد من الضغوط السياسية والعسكرية ضدها سيما بعد ان أعلنت واشنطن بأنها تعتبر منظمات مثل حزب الله وحركتي حماس والجهاد الاسلامي بأنها منظمات ارهابية وهي تلقى كل أشكال الدعم والتأييد من جانب ايران وتستطيع الولايات المتحدة ان تكثف من ضغوطها على طهران لكي تفك ارتباطها بهذه المنظمات والحركات، وتجد بالتالي من النشاطات التي تقوم بها هذه التنظيمات اذا ما استمر الوضع على ما هو عليه فإن ايران ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ولا حاجة للتأكيد ان اسرائيل واللوبي اليهودي ـ الامريكي يلعبان دورا خطيرا للغاية في تأليب الولايات المتحدة ضد ايران ودفعها الى التصدي لها عسكريا وأمنيا بحجة ان لدى طهران أسلحة حديثة ومتطورة لاسيما في مجال الصواريخ، وبالتالي فإن الوقت قد حان للتخلص من هذه القوة الايرانية وذلك في اطار حملة مكافحة الارهاب. ويدرك المسئولون الايرانيون مدى حساسية هذا التوجه الامريكي بالنسبة لهم ولكنهم يراهنون في الوقت نفسه على انه لن يكون باستطاعة الولايات المتحدة توسيع رقعة الحرب لأنها ستؤدي في هذه الحالة الى نوع من المواجهة الشاملة، الأمر الذي سيسقط الكثير من المسوغات والدعاوى التي أطلقتها واشنطن ليزيد ضرب افغانستان وذلك تحت شعار معاقبة اسامة بن لادن والاقتصاص من حركة «طالبان». ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا عن المعادلة السورية، أي كيف تنظر الولايات المتحدة الى دور دمشق في سيناريو مكافحة الارهاب وهي المصنفة امريكيا بأنها احدى الدول المساندة للارهاب؟ من الواضح ان هناك تعقيدات اضافية في هذا السياق لأن أي اقتراب امريكي من سوريا سيؤدي الى خسارة مضاعفة بالنسبة للولايات المتحدة واذا كان البعض يرى انه ليس مطروحا على الاطلاق ان تتعرض سوريا لأية ضربات عسكرية مباشرة من قبل الولايات المتحدة، الا ان الشيء المؤكد هو ان واشنطن ستمارس حملة من الضغوط الكبيرة ضد سوريا لدفعها نحو وقف دعمها وتأييدها لمنظمات وحركات توصف بأنها ارهابية مثل حزب الله وحركتي حماس الجهاد الاسلامي. ويبدو ان القيادة السورية استوعبت هذا السيناريو الامريكي بشكل مسبق، الأمر الذي دفعها الى القيام بتحرك واسع النطاق على الصعيد العربي والاسلامي والدولي للتعامل مع المحاذير المستقبلية ووضع العالم أمام ما يجري. بقلم: غزوان عمر ـ صحفي سوري