حتى الآن نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في بناء «التحالف» الذي أرادته تحت شعار «الحرب ضد الإرهاب» وقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية كل الوسائل لتحقيق هذا الهدف من الوعد إلى الوعيد، ومن العصا إلى الجزرة، ومن إسقاط الديون إلى عقد صفقات السلاح، ومن تقديم المعونات إلى التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور، ومن تذكر «مبادرات» كانت تنوي تقديمها ونسيت!! الى الإعلان أن أفغانستان هي البداية مجرد البداية، وعلى الكل أن يعيد حساباته في ضوء ذلك. وقد ساعد الولايات المتحدة في نجاح مهمتها في هذه المرحلة، أن الهدف المطروح ليس محل نقاش، فالكل ضد الإرهاب حتى حين كانت أمريكا نفسها تحتضنه!! كما ساعدها على ذلك حرصها على إبقاء «مهمة» التحالف مبهمة واقتصارها في الوقت الحالي على ضرب حركة طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان، بالاضافة الى القناعة بما تستطيع أو بما يمكن أخذه من كل دولة فالمهمة العسكرية تتكفل بها أمريكا بمشاركة صغيرة من بريطانيا، وحاملات الطائرات هي القواعد الأساسية، والمطلوب بعد ذلك أن تقوم كل دولة بما يطلب منها لمحاصرة ما يسمى بـ «الارهاب» باجراءات مالية أو مخابراتية ودون الحاجة الى تحالف عسكري واسع ومعلن يمكن أن يثير في دول عديدة ما يثيره إنخراط باكستان في الحملة بدرجة أساسية من متاعب داخلية. لكن السؤال يبقى: إلى متى يمكن الاحتفاظ بهذا التحالف؟ وهو سؤال يثير بلاشك مخاوف واشنطن لأسباب كثيرة: فالمعركة حتى الآن تبدو غير متكافئة وغير ضرورية ومهمة القضاء على طالبان وتنظيم القاعدة لا تتطلب مثل هذه الحشود العسكرية التي تثير المخاوف بأكثر مما تبعث على الاطمئنان كما أن عدم وجود أهداف للضربة العسكرية يحيل المعركة إلى عقاب للشعب الأفغاني أكثر من كونها حربا ضد الارهاب. واستمرار المعركة لفترة طويلة، مع ما يصاحبه من ضحايا أبرياء من المدنيين الذين لا علاقة لهم بالارهاب يلقي بظلاله على الرأي العام العربي والاسلامي، ويصعب من مهمة الأنظمة في المحافظة على الاستقرار والاستمرار في البقاء داخل التحالف. وامتداد الضربة الأمريكية الى أي دولة عربية سوف يكون كارثة تصيب التحالف في مقتل. ووضع منظمات المقاومة مثل حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد في فلسطين على لائحة المنظمات الارهابية يفقد «التحالف» جزءا كبيرا من مصداقيته، ويضع النظام العربي كله في موضع صعب. والسيطرة على أفغانستان، أو الامتداد الأمريكي الى آسيا الوسطى لن تبلعه الصين، ولن يرضي الروس ولا الايرانيين، بالاضافة الى مشاكل الهند وباكستان التي يبدو أن الانضمام ل«التحالف» يفاقمها ولا يحلها. فإذا أضيف لذلك موقف أوروبي أقل اندفاعا من الموقف الأمريكي وأكثر حرصا على مصالحه الخاصة فإن مستقبل التحالف المهزوز لن يتأمن إلا إذا انتهت ـ وبسرعة ـ الى أحضان الأمم المتحدة باتفاقية دولية تنظم سبل مقاومة الارهاب، ولا تترك الأمر ليتحول ـ على يد أمريكا ـ الى وسيلة للسيطرة وتأكيد الهيمنة على العالم! جلال عارف