بنظرة لا تخلو من السخرية وكثير من التندر، يرفع سكان الريف ومزارعو المناطق الديمية - التي تعتمد المطر - في العراق عيونهم إلى عشرات بل مئات الآلاف من أجهزة التبريد التي تستخدم الماء والمعلقة على نوافذ البيوت والشقق والعمارات السكنية في مراكز المدن والمحافظات بما فيها العاصمة بغداد. ومرد تلك النظرة هو العطل الذي أصاب هذه الأجهزة - وهو عطل لا شفاء منه - بعد أن أصبح الحصول على الماء لأغراض الشرب والطهي والغسيل وشتى الاستعمالات الحياتية الضرورية محفوفاً بمصاعب جمّة، ولهذا لم تعد مسألة توفير الماء المطلوب لتشغيل أجهزة التبريد إلا ضرباً من الترف، وهو الأمر الذي حوّلها بصورة عقلانية إلى صناديق حديدية على واجهات الشبابيك مثيرة لأصحابها ما يكفي من السخط النفسي. صحيح ان انقطاعات التيار الكهربائي المبرمجة وغير المبرمجة قد أصبحت حائلاً بين المواطن وبين الاستعانة بأضعف وسائله المتمثلة بالمراوح السقفية والمنضدية، ولكن ما هو أكثر صحة أن درجات الحرارة في العراق، وبالذات في هذا الصيف كفيلة بألا ينتظر أعظمُ العشاق حبيبته دقيقة إضافية على الموعد المحدد، ومن هنا تطفو (قضية ) أجهزة التبريد المائية على سطح الأحداث كواحدة من أبرز ظواهر شحة الماء في العراق. ( على أن هذه ) القضية في حسابات البيدر والربح والخسارة تبدو هي الأخف والأقل وطأة على قائمة المعاناة الحقيقية في الريف والمدينة والزراعة والصناعة على حد سواء. أحاديث المقاهي وحوارات المجالس الرجالية والنسائية تدور في الغالب حول أوصاف واقعية لتدني مناسيب المياه في حوضي دجلة والفرات وفروعهما، وحول جفاف بعض الأنهار الثانوية جفافاً تاماً بحيث يمكن التفرج على تشققات القيعان بسهولة ولكن بكثير من الأسى والحزن، ولا تخلو تلك الأحاديث من لهجة متشائمة يقودها (المثقفون ) وقراء الصحف ومتابعو الأخبار وهم يشيرون إلى مشروع GAP التركي الذي يتضمن إنشاء 21 سدأ على نهر الفرات ستتضرر منها سوريا بنسبة 40% من حصتها المائية في حين تكون خسارة العراق مدعاة لمزيد من الحزن والأسى، لأنه سيخسر 90% من حصته المائية وهو رقم يدعو للفزع، يضاف إليه فزع مماثل من 3 سدود تركية على نهر دجلة 00 وستؤدي تلك المشاريع مجتمعة إلى انخفاض حصة الفرد من 3068 مترا مكعبا سنوياً من الماء إلى 1025 مترا مكعبا. قد لا يبدي المواطن كبير اهتمام للمدلولات الرقمية، لأن الرقم بالنسبة له (قيمة ذهنية مجردة ) ولكنه قادر على أن يتحسس المعاني العملية لذلك من خلال تعامله اليومي مع حقيقة كبيرة يصعب التغاضي عنها، تلك هي شحة الماء التي اجتمعت كل الظروف لدفعها إلى تسيد اللغة اليومية للشارع. ابتداءً هناك موسمان من الانحباس المطري مرّا على العراق كانت نتائجهما السلبية وخيمة على الواقع الزراعي وبالذات على الأراضي الديمية - أي التي تعتمد على الأمطار في الارواء بشكل مباشر - وهذه الرقعة تؤلف حوالي 27% من مجمل الأراضي الصالحة للزراعة، كما شملت تلك النتائج عموم الأراضي التي تعتمد في ريها على الآبار والعيون - تؤلف حوالي 6% من المجمل العام - والتي لم يعد مخزونها المائي يفي بالغرض وإذا تجاوزنا الكثير من التفاصيل الرقمية، وإذا تجاوزنا متاعب الزراعة التي تهدد الأمن الغذائي العراقي نتيجة تعطل العمل في العديد من المشاريع الاروائية أمام حمى السدود التركية المتصاعدة، نقول إذا تجاوزنا ذلك فان متاعب الشحة المائية قد هزت استرخاء المدن هزاً عنيفاً وهي التي لم تعتد التعامل مع صنابير تدفع الهواء بدل الماء لساعات طويلة من اليوم، في حين يعتبر سكان العديد من الأحياء في بغداد كالأمين والفضل والكاظمية والجعيفر أو أحياء في سامراء وبابل والاسحاقي وبلد وغيرها من مدن العراق أنفسهم محظوظين جداً لأن صنابير بيوتهم تمنح الماء على هيئة نقاط وفي أحسن الأحوال على هيئة خيط مائي رفيع. وبات من المشاهد المألوفة في الكثير من المدن - والقرى طبعاً - أن يُرى الأطفال والنساء يحملون الأواني والقدور والجرار الفارغة وهم يقصدون صنبور ماء معافى في مكان ما قريب أو بعيد أو في حي سكني لم يتأثر كثيراً بالشحّة، كما بات مشهداً مألوفاً أن تُرى العربات اليدوية وهي معبأة بعلب بلاستيكية تحمل الماء الذي ينسكب من الجوانب مع كل مطب أو حفرة في الشارع إنها باختصار رحلات يومية مكوكية لجلب الماء إلى بيوت وأحياء وشقق ينقطع عنها الماء ساعات طويلة في صيف تجاوزت حرارته الـ 50 درجة مئوية. لا يقتصر مشهد الشحة على قوافل جلب الماء، بل تعدّاه إلى ولادة صورة جديدة باتت جزءاً من الحياة اليومية، فثمة أحياء تعمل صنابيرها في أوقات معينة من اليوم، كأن تكون بعد الساعة الثالثة ليلاً أو بعد الساعة الرابعة فجرا، ولأن تلك الأوقات معلومة يعمد الأهالي إلى الساعات المنضدية الدقاقة للاستيقاظ وملء كل ما يمكن ملؤه من براميل وأحواض وأوانٍ وقدور، ويطلق العراقيون فيما بينهم لأغراض التندر اسم (الخفارة الليلية ) على عملية انتظار الماء هذه. واستقبلت المدن حالة جديدة تكاد تؤلف ظاهرة، وهي اللجوء إلى مضخات الماء لسحب كمية أكبر من المياه تؤثر على حصص الآخرين بالطبع وتثير انزعاج المؤسسة الرسمية لتنقية الماء، في حين لم تكن المدن وخاصة بغداد تعرف مثل هذه الحالة من ذي قبل. ولا يصح أن يفهم من هذه الصورة، بأن هناك أحياء أو مدنا تنعم بالارتواء على حساب الأخرى، وذلك لأن واحدة من أهم أسباب الشحّة المائية تتمثل في قَدِم شبكات التوزيع وأجهزة الضخ وانتهاء العمر التشغيلي للغالبية العظمى من الأنابيب المدفونة تحت الأرض والتي تتعرض كثيراً للكسورات أو التآكل وظهور الثقوب والنضوحات وخاصة في الأحياء العتيقة وفي ذلك هدر لكميات كبيرة من المياه الصالحة للشرب ناهيك عن أن بعض الأحياء السكنية القديمة قد بُنيت في مناطق مرتفعة نسبياً وهو الأمر الذي عرضها إلى مشاكل إضافية لأن الأحياء الأكثر انخفاضا تحصل وفق نظرية الأواني المستطرقة على حصة أسدين لا أسد واحد. وفي كل الأحوال فان المؤسسة الرسمية المائية في العراق تُلقي اللوم على ظروف الحصار وتلكؤ الأطراف الدولية المجهزة لمستلزمات تنقية المياه وضخها والموقف الأمريكي ولجنة العقوبات حيث الإضرار المتعمد بالعراق وتأخير أو عرقلة أو تعطيل طلباته ليس فيما يتعلق بتنقية المياه فقط وإنما أيضاً في صيانة أو تجديد شبكات وأجهزة ومعدات إسالة الماء وتوزيعه. وفي إطار الكلام عن الشحّة يبدو مفيداً إلقاء نظرة على بعض المظاهر الجديدة في الشارع، ربما هي ليست بذي بال إلا في كونها بعض متممات وهوامش الصورة العامة، فقد اختفى على سبيل المثال مشهد الصبيان وهم يتراشقون بالماء أو يلحق أحدهم بالآخر ليلقي بين ثيابه قدر ماء بارد، وهي لعبة يستمتع بها حتى الكبار، وبالمقابل فقد ذبلت ورود الحدائق المنزلية واستبدل الحشيش باللون الأصفر خضرته الزاهية وتوقفت البنات عن (رش ) مسطحات البيوت وفسحة الأرض الممتدة أمام منازلهم بهدف تخفيف الحر وتلطيف الأجواء عند الغروب، ولعلها المرة الأولى التي يلجأ فيها العراقيون إلى التقنين ويصغون جيداً إلى دعوات ترشيد الماء، مجبرين على ذلك بالطبع. وإذا لم تكن نسبة الأذى في هذه المظاهر تساوي شيئاً فانها في الريف ليست كذلك بعد أن عمد الفلاحون، أو نسبة كبيرة منهم إلى حفر الآبار بمئات الآلاف من الدنانير 00 ليكتشفوا بعد ذلك بزمن وجيز أنها قد نضبت وذهبت دنانيرهم في رحم عاقر، ولكن مصيبة هؤلاء تبدو أهون مقارنة بزملائهم الذين ما ان شربوا مياه تلك الآبار ورووا عطش ماشيتهم ودواجنهم حتى ظهرت على الجميع أعراض الإسهال الشديد والتقيؤ والتسمم، بل أن أعداداً كبيرة من الماشية والدواجن هلكت وذلك لاحتواء تلك المياه الجوفية على نسب عالية من المعادن بسبب انخفاض مناسيبها في الأصل أحياناً ولطبيعة الأرض أحياناً أخرى وهو ما دفع وزارة الري إلى تحذير الفلاحين بشدة من مغبة الاستعمال العشوائي لمياه الآبار متبرعة في الوقت نفسه لتقديم خدماتها المختبرية لتحديد صلاحية تلك المياه. هذه هي الحال إذن... والصورة المرئية في غاية القتامة والعراقي الذي تخلى عن مبردة هوائه أو ترك ورود حديقته تذبل محق تماماً، وربما يتحمل عناء حمل الماء الصافي من أي مكان على أن يضطر إلى تحمل أعباء مادية جديدة فوق أعبائه المضنية لشراء الماء من السيارات الحوضية كما تفعل العديد من مناطق العراق خارج مراكز المدن وفي بعض مراكزها أيضاً كالبصرة مثلاً... بل قد يضطر إلى مشاطرة أهل القرى النائية نشاطهم الصباحي المبكر لجلب الماء من النهر مباشرة.. إنها تراجيديا الجفاف والعطش في بلاد النهرين الخالدين!