سيظل الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 تاريخاً لا ينساه الامريكان وستتذكره الاجيال المتعاقبة. مثلما شكل الثانى من أغسطس عام 1990 تاريخا فاصلا فى تاريخ الأمة العربية. وفيما كان التحالف الذى نشأ بعد الغزو العراقى للكويت قد أسفر عن صفة سياسية بين العرب وأمريكا دشنت لمؤتمر مدريد وانطلاق عملية التسوية السلمية فى الشرق الأوسط.. فربما يبحث البعض عن صفقة جديدة بعد الدعوة للتحالف العالمى الجديد فى مواجهة الارهاب.. فهل تقدم واشنطن فى دعوتها للتحالف الجديد ضد الإرهاب صفقة سياسية جديدة للعالم العربى.. أم أن الزحف الهادر الذى تحركه مشاعر الانتقام يمكن أن يؤدى إلى نكبة عربية جديدة لن تجنى ثمارها سوى الدولة العبرية؟ وبين الحادى عشر من سبتمبر والثانى من أغسطس فروق لا تبدو بسيطة، فالمعتدي فى الحالة الاولى مجهول والمجني عليه هو الدولة العظمى التى تتربع على عرش القوة فى العالم.. أما فى الحالة الثانية كان المعتدي مجرد دوله عربية ودخلت إلى مصيدة هائلة لم تخرج منها حتى اليوم.. وفى الحالتين سعت الولايات المتحدة الامريكية لتشكيل حلف يضم الدول العربية. المراقبون السياسيون يرون أن هناك اختلافا جذريا ما بين حلف حرب الخليج الثانية وبين الحلف الامريكى ضد الارهاب فى طبيعة العدو والهدف الرئيسى من الضربات العسكرية التى قد تطول دولا عربية واسلامية متخذة أمريكا شعار الارهاب شعارا واهيا وغير مقبول لعدو مجهول غير محدد الملامح والاماكن. اذا كان العرب ينتظرون أن تقدم لهم أمريكا حلا جذريا لقضية الشرق الاوسط فى مقابل انضمامهم لحلفها ضد الارهاب أو تقديم المساعدة لها فهذا أمر يستبعده الدكتور حسن نافعة ـ استاذ السياسة ورئيس القسم السياسى فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ـ فالولايات المتحدة عندما طرحت على العرب قضية انضمامهم الى حلفها ضد الارهاب لم تتحدث لهم جملة و انما لوحت لكل دولة من دول العالم بالطريقة التى تتلاءم معها وقد أمسكت فى كلتا يديها أدوات ترغيبهم أو ترهيبهم.. والنقطة الفاصلة حقيقة فى مسألة التحالف ما بين العرب وأمريكا تتركز على أن الولايات المتحدة الامريكية لم تطرح قضيتها على أنها مطالب تطلبها من العرب وانما استخدمت وسائل تبدو للبعض أن هناك هامشاً من الحرية يمكن للدول العربية أن تتفق أو تختلف مع الولايات المتحدة الامريكية.. وهذا مافعلته مصر عندما اتفقت على مبدأ محاربة الارهاب واختلفت على وسيلة محاربته.. كذلك كانت هناك دول غير متوقعه سارعت باعلان تأييدها الكامل للتحركات الامريكية مثل ليبيا واليمن.. وكان للسعودية دور مختلف حيث لم تعترض على ضرب طالبان انما لاتسمح أن يحدث ذلك من خلال قواعدها العسكرية.. المهم هل سيكون هناك موقف عربي موحد مع الاخذ فى الاعتبار أنه لا توجد دولة عربية مستهدفة رغم ان المتهمين فى التفجيرات عرب ومسلمين. يرى الدكتور نافعة أنه ينبغى أن يكون هناك هدف لهذا التحالف ومدة واضحة المعالم والاطراف المطلوبة.. وهل هو تحالف مرحلي مرهون برد الاعتبار الامريكى أم سيكون تحالفاً دولياً طويل الأمد يستمر حتى يتم القضاء على الارهاب العالمى.. وحتى يتم الاجابة عن التساؤلات العربية فلن يكون هناك وعود من أى نوع ولن تستطيع الولايات المتحدة الامريكية أن تقترب من وضع نفسها فى مأزق صعب هذه المرة بعد تأثر وضعها عالميا وسياسيا بعرض حل لقضية الشرق الاوسط نهائيا لانه لن يحدث فى القريب العاجل خاصة فى ظل حكومة شارون الدموية والمتشددة. اذن لن يجد العرب الفرج فى ظل تحالف ضد المجهول.. ولن تسعى أمريكا الى بذل ما يروق للعرب لانها لن تحققه فى الوقت الحالى.. و لانها ستسعى الى ضرب من يعترض على طلباتها إن عاجلا او آجلا. اختلاف جوهري أما الدكتور أحمد يوسف ـ ومدير مركز الدراسات العربية والاستراتيجية ـ فيرى أن امريكا أضعف من ان تستطيع تقديم حل جذري للعرب، ففى الحلف الاول فى حرب الخليج الثانية كان الامر اكثر سهولة ويسراً للحديث عن تسوية تحت العباءة الامريكية.. أما فى هذه المرة فالمواقف العربية تبدو متباينة تبعا للمصلحة العربية قربا أو بعدا من امريكا كذلك هناك اختلاف جوهري ذو تأثير وهو أن العدو مجهول.. فالواضح لنا أن التحالف من شأنه القبض على أسامة بن لادن ومسرح الحرب دول العالم الثالث ومن هنا جاء تخوف العرب هل نكون مع أمريكا ونساعدها على ضرب أفغانستان وقد تطول دولا عربية ليس لها علاقة بما وقع من هجمات ارهابية فى الولايات المتحدة الامريكية ونجد أنفسنا قد طالتنا هذه الضربات دون أن ندرى كما قد يحدث لدولة مثل اليمن والتى أيدت الضربات العسكرية الامريكية وفى نفس الوقت تضع امريكا اسمها على قائمة الدول التى تاوى الارهاب وتتستر عليه. ويجب أن نعترف ان القضية ـ كما يؤكد الدكتور احمد يوسف ـ فيها تعقيدات هائلة سيزيد من ضخامة هذه التعقيدات قدر الحماقة أو التعقل الذى سوف تستخدمه أمريكا فى ضرباتها العسكرية وهل ستصل تلك الضربات الى أماكن قد تؤلب ضدها العالم العربى والاسلامى.. ولكى تسوغ امريكا هذا الحلف وتضم اليه العرب يجب أن يتسم الوعد الامريكى بقدر من الصدق والجدية لان «العرب لن يلدغوا من جحر مرتين» وتبدو لى أن أمريكا لا تستطيع المبادرة بتقديم التزامات للعرب خاصة وأن الادارة الامريكية هى الاضعف فى مواجهة شارون وحكومته المتطرفة.. والتى لن تسمح لبوش ان يعد العرب أو أن ينفذ تلك الوعود.. بعدما بادرت امريكا حتى تستقطب العرب التلميح أمام الدول العربية والاسلامية أن اسرائيل لن تكون فى هذا الحلف الذى يحارب الارهاب طالما هى تمارس هذا الارهاب فى الاراضى المحتلة والذى على اثر هذا التلميح بادر شارون بكل تطرفه ايقاف العمليات العسكرية فى الاراضى المحتلة.. طمعا فى الاشتراك فى هذا التحالف الذى يهدف الى ضرب الابرياء فى أفغانستان من أجل تعقب ابن لادن. المطلوب هو التأييد والدكتور محمد السيد السعيد ـ الخبير الاستراتيجى بمركز الدراسات السياسية فى الاهرام ـ لا يتفق مع القول أن امريكا يجب ان تعطى العرب مقابل مشاركتهم فى الحلف ضد الارهاب فلم يطلب من الدول العربية اية مشاركة عسكرية فقط مطلوب التأييد للموقف الامريكى فى تحركاتها وضربها لافغانستان،من هنا نجد ان امريكا ليست مضطرة الى دفع الثمن مقابل هذه الخدمات التى تبدو لها بسيطة.. وفى كل الاحوال فان حكومة طالبان لا تجد تعاطفا عربيا وعلى رأسهم السعودية التى اصيبت بخيبة امل من جراء ايواء الحركة للارهابيين و تشويه صورة الاسلام لدى الغرب. والمشكلة التى يقرأها الدكتور السيد السعيد ان المصلحة العربية كانت واضحة جلية فى حرب الخليج الثانية والتحالف الامريكى الذى استطاع تحقيق النصر أما فى هذه الحالة فيبدو لنا أن العرب قد يتورطون فى حال انضمامهم لهذا التحالف العسكري لأنهم لن يحققوا اى مكاسب من جراء انضمامهم الى تحالف للانتقام من اجل الكرامة الامريكية.. وان كان الحل الحاسم للقضية الفلسطينية يبدو بعيدا وغير محتمل فى مثل هذه الظروف الا ان امريكا لن يكون امامها من خيار فى حالة ضرب افغانستان ومحاولة ضرب المعاقل الارهابية فى العالم العربى سيؤدى ذلك الى حرب ثقافية كانت أمريكا بمنأى عنها الا أن تجد حلا سحريا تقدمه للعرب وتبذل جهودا جادة فى تسوية الصراع العربى الإسرائيلى وهذا ايضا سيبدو أمام أمريكا صعبا ولا يمكن ضمان فعالية الولايات المتحدة الامريكية لحل القضية نهائيا الا فى حاله تغيير الحكومة الإسرائيلية الحالية واختفاء شارون الى الابد. تحرير الأرض ويختلف فاروق أبو عيسى ـ أمين عام اتحاد المحامين العرب ـ مع الذين قد يطالبون أمريكا بوعود وتسوية نهائية للقضية الفلسطينية، ففلسطين بفضل الانتفاضة لم تعد فى حاجة الى مثل الضغوط الامريكية على حكومة شارون حتى تصل الى هدفها وهو التحرير للاراضى الفلسطينية وقيام دولة فلسطين فقد وضعت الانتفاضة الفلسطينية العدو الصهيونى والمجتمع الدولى فى محك واحد وطرحت القضية على اساس أنها قضية تحرير الارض بالكامل من الاحتلال الاسرائيلى ومن اجل هذا فسقف العرب اعلى من مجرد اللهث وراء وعود أمريكية زائفة تنتهى الى لاشيء يذكر.. وتطبيقا للمثل العربى الشهير «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» فاذا كانت النخب الحاكمة قد خرجت من الحلف الماضى صفر اليدين فيجب أن يفهم العرب هذه المرة حتى لا تتكرر مثل هذه المأساة ولنتخذ الانتفاضة وصمود الشعب الفلسطينى مثلا يحتذى به هذا التضامن الذى شهدناه فى مؤتمر مكافحة العنصرية فى دوربان بجنوب افريقيا. ويدعو فاروق ابو عيسى الدول العربية الا تقبل الاطروحات الغربية والامريكية كما هى،فاذا كنا ضد الارهاب فإن هذا لا يعنى قبول انقسام العالم الى قسمين،وليتمسك الجميع بموقف الرئيس مبارك فى دعوته لعقد مؤتمر دولى تتخذ من خلاله قرارات دولية من شأنها محاربة الارهاب وليعاقب الجناة الأصليين عندما توجد القرائن الواضحة والدامغة على تورطهم وليكن هذا الموقف المصرى موقفا عربيا موحدا فى مواجهة الحملة الامريكية الانتقامية ضد الشعب الفقير المسلم فى افغانستان. ويدعو ابو عيسى جميع الدول العربية أن تنعزل عن ذلك الحلف حتى لا تراق دماء المسلمين فى أفغانستان وربما فى دول عربية شقيقة ووقتها لن ينفعنا كعرب كل الوعود الامريكية. ويجب الانتباه الى حقيقة دامغة وهى أن الولايات المتحدة ستظل هى الداعم الرئيسى لاسرائيل مهما عانت ومهما وجدت التحديات العربية والدولية تزداد فى مواجهتها. ويصف عبد القادر ياسين ـ المفكر الفلسطينى ـ أمريكا هى التى تحمى الارهاب الاسرائيلي فكيف تريد ان تواجهه وتقضى على الارهاب من خلال حملتها المشوهة ضد الارهاب.. والأمر الذى يجب ان تعلمه أمريكا جيدا أنها لا تستطيع تحقيق نصر بدون عباءة عربية اسلامية هذه المرة.. والدعوة الامريكية باقامة حلف يضم العرب وأمريكا على غرار ما تم فى حرب الخليج هو أمر غير محتمل هذه المرة.. وله من العواقب ما يجعل العرب يفكرون وينتظرون لاتخاذ مثل هذا القرار. ورغم أننى لم أعتد امتداح موقف أى رئيس عربى فأنى لا أستطيع الا أن امتدح موقف الرئيس مبارك فى هذا الصدد الذى اشترط حججاً وأدلة على ادانة أى شخص.. ثانيا : رفض أن يدفع أى قطر ثمن هذا الاتهام.. وثالثا فأن مصر ترفض رفضا مطلقا الدخول فى أى حلف عسكرى.. وحين ضغطت أمريكا على لسان رئيسها جورج بوش أن من يقف الى جانب امريكا فهو ضد الارهاب، رد الرئيس مبارك من فوره ـ بأن الامر يتطلب اتفاقا وموافقة أى أن مصر لن تلهث فى ذيل الولايات المتحدة الامريكية فى حربها غير العادلة أو عدوانها غير العادل.. وهنا يقتضى الامر أن تحاول أمريكا إقناع مصر بمسوغات هذا العدوان قبل أن تتخذ المؤسسات الدستورية قرارها من عدمه. وما يجب أن ندركه أن الولايات المتحدة الدولة الجريحة لن تسعى لارضاء احد أو استقطاب أحد.. وسوف تضع الولايات المتحدة الامريكية مصلحتها فى المقدمة ولن تلتفت الى الشرق الاوسط ولا القضية الفلسطينية كما يحلم البعض، فالوقت لم يعد هو الوقت الامريكى وينبغى أن ندرك جيدا أن حقوقنا لن تؤخذ الا بأيدينا ولن نسترد أرضنا المحتلة عن طريق الاحلام الامريكية. تحالف غير مفهوم اللواء طلعت مسلم ـ الخبير الاستراتيجى ـ يقرأ الواقع الدولى من منظور آخر فهو يرى أن التحالف العسكري الامريكى ليس فى صالح العرب كما أنه ليس فى مصلحة الولايات المتحدة الامريكية فهو تحالف غير مفهوم من حيث معالمه وأهدافه ونتائجه وكيف يكون تحقيق المصلحة من ورائه.. واذا كانت الولايات المتحدة تريد انتقاما وفقط فلما تسعى الى تكوين مثل هذا التحالف وما علاقة التحالف ضد الارهاب والاسلوب الامريكى فى تصفية الحسابات وليس من المنطقى أن نخوض نحن العرب حربا لا ناقة لنا ولا جمل من أجل ان نحقق هدفا أمريكيا وحتى امريكا نفسها اذا حاولت أن تسأل عن الهدف الحقيقى من وراء هذا العدوان فلن تجد الاجابة الشافية. أما بالنسبة للعرب فالأمر يختلف فاذا كان هناك اختلاف جذري فى الهدف من دخولهم التحالف العسكرى مع أمريكا فإن الأمر يبدو غير ذلك فى ظل تحالف من نوع جديد تشترط فيه الولايات المتحدة الامريكية على العرب أن يعصبوا أعينهم ويطلقوا النار على أصابعهم.. وهذا بالطبع امر غير وارد فاذا كنا قد قبلنا الماضى بأخطائه فلن نقبل أن نطلق الرصاص الى صدورنا بأيدى عربية ومسلمة وتحت مظلة أمريكية. واذا كانت حقوقنا لن نأخذها الا باستغلال الفرص فيجب أولا ان ندرك ما هى هذه الحقوق وأن تعترف أمريكا بها ولا نقبل على أى تعاون من أى نوع الا بشروطنا نحن العرب بما يتناسب مع إمكانياتنا واستراتيجيتنا وعلى غرار المنطق الامريكى يجب ان نسعى لتحقيق المصلحة العربية فالوقت يسمح بذلك خاصة وأن الموقف العربى يختلف عن الموقف الروسى والباكستانى فالعرب هم المعرضون الى ضربات امريكية فى أى وقت. ويرى اللواء مسلم أن مصر عليها دور مهم باعتبارها ذات موقع مركزى ومتميز يتحكم فى الطريق من أمريكا الى المحيط الهندى الامر الذى يجعلها تستطيع المساومة على تعاونها من ناحية ومن ناحية أخرى أن الوضع الحالى دفع مصر لكى تصبح مختلفة هذه المرة خاصة مع الاحساس العربى بخيبة الامل من جراء الوعود الامريكية الكثيرة والتى لم نجن من حصادها سوى الفتات.. ولذلك يجب أن نتفاوض بما يحقق اكثر المكاسب العربية للمنطقة وأن كانت أمريكا لن تعطى الى العرب ما يتمنوه وهو أمر وارد فلما نتعجل فى تقديم فروض الولاء فى زمن لا ينفع معه تقديم القرابين بلا مقابل. القاهرة ـ مكتب «البيان»: