بني بوش الابن سياسته الخارجية على مبادئ خمسة حددها له مستشاروه، ورسمتها الاستراتيجية الأمريكية التي رأى بوش ان منهج ريجان يمثلها ودعامات نجاحها اسرائيل واللوبيات الداعمة. والمبادئ الخمسة يشار اليها على انها مبادئ الحزب الجمهوري الذي كان يتهيأ لفترة رئاسية ذهبية، وهي تصف في مجملها صورة العنصرية اليمينية التي لا تشابهها في العالم سوى عنصرية ووجه اسرائيل. فهناك أولاً مبدأ التسليم بقوة أمريكا العاتية الوحيدة على المسرح الدولي التي ستحقق مصالح أمريكا القومية، والتي تعطيها حق التصرف إزاء الأخطار الجسيمة، وهنا يربط المحللون هذا المبدأ بالسلوك المتفرد أو شبه المتفرد وهو سلوك يصدر دوماً عن منطق الرؤية الوحيدة التي تفرض قوانينها الخاصة. وهناك ثانياً اهتمام السياسة الخارجية للجمهوريين، ويمثلها بناء التحالفات وتشييد الائتلافات والشراكات، وهذا المبدأ يتخذه السياسيون بنداً مخففاً لوطأة المبدأ الأول ويرون انه لا مجال لانفاذه مع تطرف بوش السياسي وادارته. ونجد ثالثاً اعتبار الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي عدها الجمهوريون، «مجرد وسائل للوصول الى الأهداف دون أن تكون هي هدفاً بحد ذاتها»، ومن هنا ننظر الى معاهدة ستارت 2 التي رأى بوش انها لا تحقق الأهداف الأمريكية وانها لا تواكب التطور. وهناك المبدأ الرابع الذي يتعلق بالدعم المطلق لاسرائيل ظالمة أم مظلومة وهو مبدأ توارثه الرؤساء ورسخته اللوبيات اليهودية المتغلغلة في عمق الادارة والمفاصل السياسية والاستراتيجية الأمريكية. وهناك أخيراً العنصر الخامس الذي ينظر اليه بشكل خاص لخطورته ويستند الى أهمية «ان يظل الحزب الجمهوري مؤمناً في سياساته الخارجية بأن العالم لا يزال يحوي كثيراً من عناصر الشر ممثلة في الناس الذين ما زالوا يبغضون أمريكا والافكار التي تجسدها». بعد هذه المبادئ يأتي التطور العسكري وأهميته وهو ما دعا اليه الجمهوريون لانه «سيحقق أهداف السياسة الأمريكية في كل مناطق العالم»، دون أن ينسى هذا الحزب اضافة واجب أمريكا في التصدي للدول التي تهدد بالخطر اسرائيل بوصفها أقرب أصدقاء أمريكا وخلصائها، أو تهدد مصالح أمريكا الحيوية الممثلة في تأمين الوصول الى النفط في الخليج وفي غيره!! وقبل قراءة ملامح السياسة الأمريكية الجديدة، ينبغي أن ننظر للتغلغل الاسرائيلي في مفاصل الادارة السياسية الأمريكية والذي لعب دوراً مهماً دائماً في سياساتها وسياسة رؤسائها سواء تجاه الشرق الأوسط أو تجاه العالم. ويرى بول فيندلي وهو سيناتور سابق وله مؤلف من يجرؤ على الكلام، ان ملك الكابيتول هيل هو «إيباك» فنجده يقول: أشهر ما في الكونجرس الأمريكي اللجنة الأمريكية ـ الاسرائيلية للشئون العامة والتي تعرف اختصاراً ب«إيباك» فما ان يذكر هذا الاسم أمام أي شخص في مبنى الكونجرس بواشنطن ممن يتعاطون بسياسات الشرق الأوسط حتى يتجهم وجهه ان لم نقل يمتقع فـ «ايباك» هي صاحبة السلطة الغالبة بين المجموعات الضاغطة ـ اللوبيات ـ في واشنطن، فما هي «إيباك» وماتأثيرها؟ السلطة الباغية ليست «إيباك» سوى جزء من اللوبي الاسرائيلي الضاغط في الادارة الأمريكية بشقيها التشريعي والتنفيذي كما هو معروف، وهي من ناحية التأثير المباشر على السياسة العامة هي الأهم، وفي العقدين الأخيرين من القرن الماضي عمقت ووسعت نفوذها حتى غدت تتحكم فعلاً بالكابيتول هيل بشأن السياسة الشرق أوسطية، ويكاد جميع أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب يطيعونها بلا استثناء وينفذون أوامرها، لان معظمهم يعتبر «إيباك» الممثلة المباشرة للكابيتول هيل وذات القدرة السياسية التي تتيح أمامهم فرص النجاح في الانتخابات أو تقضي عليها. وهكذا أصبحت «إيباك» مرادفاً للسلطة الباغية المرعبة، وتردد منشوراتها الدعائية كلمة مديح نشرتها عنها نيويورك تايمز فقالت: «انها أقوى التجمعات ذات المصلحة المشتركة في السياسة الخارجية وأحسنها ادارة وأكثرها نفوذاً في واشنطن»، وقال النائب السابق ماكلوسكي بصراحة أكثر: «ان إيباك ترهب الكونجرس»!! وتشكل «إيباك» ومنظمة بيناي بيرث «رابطة مكافحة الافتراء بالحقيقة»، الجزء الأبرز للعيان من اللوبي الذي يحكم أمريكا ويعتمد في نفوذه الى حد بعيد على المؤسسة التي بناها يهود أمريكا على مستوى الوطن كله وتعمل بواسطة أكثر من 300 تجمع وطني. ونشاط اللوبي اليهودي في واشنطن مجهود خطير الشأن بالنسبة للمنظمات اليهودية التي تتطلع بازدياد لقوة «إيباك» ويرى ستيفن. سي. روزتفيلد، محرر الافتتاحيات في الواشنطن بوست ان: «إيباك هي القوة السياسية اليهودية الرئيسية في أمريكا اليوم». يحدد ميثاق «إيباك» غايتها بالعمل التشريعي، الا انها تمثل الان ايضا مصالح اسرائيل، وبمرور السنين تغلغل اللوبي اليهودي والموالي لاسرائيل في نظام الحكم بكامله، فتركت «إيباك» اعمق انطباع هناك، حتى رئيس الولايات المتحدة يلجأ اليها كلما واجهته مشكلة سياسية معقدة لها علاقة بالنزاع العربي ـالاسرائيلي بداية، ثم تطور الأمر الى استشارة سياسية بكل ما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية. والرباعي الأساسي للوبي «إيباك» الضاغط ـ حسب بول فيندلي ـ يتألف من : دوجلاس بلومفيلد، ورالف نوريبندجر، واستر كورتز، وليسلي ل. ليفي، وكلهم باستثناء ليفي استقل بالسياسة الخارجية لسيناتور أو نائب قبل الانضمام لايباك، ويتقاسم هؤلاء الأربعة فيما بينهم أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إذ على كل من أولئك المفاتيح الأربعة أن يراقب بعناية حوالي 30 مشرعاً ويركزون على المشرعين الذين يأتون من الولايات الاثنتي عشرة التي يشكل اليهود 3% من سكانها وهي: نيويورك، نيوجيرسي، كاليفورنيا، ماساشوستس، أوهايو، الينوي، متشيجان، بنسلفانيا، ميريلاند، ديلاوير، فلوريدا، كونكتكت. ولدى «إيباك» سجلات وثيقة عن كل عضو في مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ويراقب مفاتيح «إيباك» الانتخابات، رعاية مشاريع القوانين، توقيع الرسائل وحتى القاء الخطب، ولا تنتصر «إيباك» لقضايا اسرائيل في الولايات المتحدة فحسب بل ولمطامعها ايضا، ويذكر انه في العقدين الماضيين أطلق اللوبي الاسرائيلي برنامجاً توسعياً دولياً لخدمة مصالح اسرائيل بتوفير مساعدات أمريكية لبلدان أخرى صديقة لاسرائيل أوتشكل قواعد دولية لها، وهذا يعطي انطباعاً كامناً عن تمدد النفوذ الاسرائيلي دولياً بتمدد «إيباك» دولياً وحجم الدعم الأمريكي لذلك. وتلتقي مبادئ اللوبي اليهودي ـ الاسرائيلي مع مبادئ الحزب الجمهوري وبالذات المتطرفين منه وهم أقصى يمينه رغم انها تلتقي مع مبادئ كل الأحزاب السياسية الأمريكية، ونقرأ هذه المبادئ في كل سياسة لرئيس جديد، عبر دعمه المطلق للكيان الصهيوني وبذل الجهود المطلقة لوقف المقاومة. ونجد في سياسة الادارة الأمريكية الجديدة سمة التطرف اليميني الذي التقى بالتطرف اليميني الاسرائيلي، فانتج اطلاق يد اسرائيل في الاغتيالات، واجبارالعرب على الاعتراف بواقع اسرائيل وما تريده هي لا هم. على ان الادارات الأمريكية جميعها اكدت ان سياساتها واحدة تجاه اسرائيل وعناصرها ثابتة يمكن تلخيصها بما يلي: ـ أهمية مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية ـ الحيوية في المنطقة وعلى رأسها أمن الكيان الصهيوني، ومن أهم مسئوليات الادارة الأمريكية حمايته باعتباره قاعدة الغرب المتقدمة عسكرياً وثقافياً. ـ التأييد الأمريكي المطلق للكيان الصهيوني، وهو ليس تأييداً نخبوياً انما هو حالة شعبية فالدعم الشعبي للكيان الصهيوني فاق 85% وتأييدهم لمفهوم الارهاب الفلسطيني الذي يستوجب القيام باغتيالات دفاعاً عن اسرائيل بلغ مايفوق 73% وهو مؤشر على التحالف الأمريكي ـ الصهيوني. ان دعم اسرائيل حالة شعبية ثقافية دينية أمريكية ـ غربية، وهو مرتبط بمعتقدات عودة المسيح التي يستقونها في كثير من الأحوال من العهد القديم، وللكنيسة البروتستانتية في الولايات المتحدة قدرتها الكبيرة على التأثير والتنمية السياسية الأمريكية، رغم الحديث عن فصل الدين عن الدولة. هكذا نجد ان العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة واسرائيل هي ثوابت وعُرى لا تنفصم، ولا يمكن بعدها النظر الى ضغط اليمين الجمهوري الأمريكي على اليمين الاسرائيلي على انه مؤشر تغيير في سمات السياسة الأمريكية الجديدة، فما هي ملامح هذه السياسة؟ مظاهر وملامح بدءاً يجب القول ان السياسة الأمريكية تقوم على مصالح ثابتة أهمها تعزيز مكانتها العالمية بما يحفظ لها الريادة في العالم وتحافظ على بقاء أمريكا القطب الواحد المهيمن على السياسة والاقتصاد العالميين. تقوم سياسة أمريكا في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام على أربع مصالح حيوية هي: ـ البترول والشرق الأوسط مصدر رئيسي له. ـ الممرات المائية ويتحكم الشرق الأوسط بمجموعة من أهم الممرات المائية في العالم. ـ المحافظة على أمن الكيان الصهيوني ووجوده وتفوقه في مختلف المجالات باعتباره قاعدتها في الشرق الأوسط. ـ اعتبار المنطقة وخاصة دول الخليج سوقاً للبضائع الأمريكية. من هنا ننظر الى أي سياسة أمريكية ومنها سياسة بوش في المنطقة والتي رسمها له مستشاروه وفقاً للاستراتيجية الأمريكية فكانت ملاح سياسته كما أشرتها الدراسات هي: ـ اعتبار اسرائيل بمثابة الركيزة الأولى لضمان المصالح الأمريكية. ـ تخفيف تورط الادارة الأمريكية في أزمات المنطقة مع المحافظة على دعم اسرائيل. ـ ابعاد المؤسسة الرئاسية من التعامل مع الأزمة حفاظاً على هيبتها واطلاق يد اسرائيل فهي الأقدر على هذا التعامل. ـ الحرص على عدم تصاعد الأزمة الى حرب اقليمية والضغط على الأطراف المختلفة بكافة الوسائل لوقف التدهور الأمني في اسرائيل واعادة الطرفين لطاولة التفاوض. ـ استمرار الدول العربية الصديقة لأمريكا في اطلاق مبادرات سياسية لتسوية الصراع لكي لايحدث فراغ سياسي في المنطقة يصعد الاحداث. ـ استمرار الضغط على السلطة الفلسطينية للعودة الى دورها الأمني. ـ الضغط على سوريا لتهدئة جنوب الجبهة اللبنانية ولجم تحركات حزب الله مع اظهار الدعم لأي اجراء اسرائيلي ضد سوريا أو لبنان كرد على هجمات محتملة لحزب الله. ـ الفصل الكامل بين ملف الصراع العربي ـ الصهيوني وملف العلاقات مع دول الخليج العربي النفطية في الجزيرة العربية باعتبارهما نظامين استراتيجيين لكل منهما سياساته وخططه. ـ الاستمرار في الضغط على الدول الخارجة عن السيطرة الأمريكية وعلى رأسها ايران، العراق، والسودان. الأزمة التي خلفتها اسرائيل باغلاقها كل السبل لحل القضية الفلسطينية وضعت بدورها أمريكا في أزمة، اضافة الى أزماتها السابقة ومنها حرصها على عدم ضياع مناطق مصالحها في آسيا وافريقيا وعدم السماح لبروز أية قوة دولية قد تلعب دوراً مماثلاً للاتحاد السوفييتي السابق جعل الادارة الأمريكية تنظر في اعادة احياء برامج التحالفات والحصول على مكاسبها بسرعة وبقوة، فوجدت بديلاً يمكن لها من خلال تسويق مفهوم السيطرة على العالم عبر قيادة حرب شاملة، وأسمتها بالارهاب وصورتها بديلاً للاتحاد السوفييتي. وهو نفس الذي فعله ريجان عندما غير أولويات أمريكا السياسية فنقل القضية الفلسطينية الى مراتب أخرى وأعطى الأولوية للاتحاد السوفييتي الذي كان يمثل لديه الارهاب. هكذا نجد التحالف الاسرائيلي ـ الأمريكي ينقل أولويات القضية العربية الى ما بعد الارهاب الذي لم ينس هذا التحالف الصاقه بالاسلام وبالصورة العربية، فهل يمكن ان نقول بعد ذلك ان أمريكا واسرائيل لاتعزفان على نغمة واحدة، انهما معاً مارد رأسه في اسرائيل وسواعده وأقدامه في أمريكا. انها استراتيجية واحدة، صنعت بدقة شديدة ورسمت أدوارها، وخطت نحو عالم القوة الأمريكية ـ الاسرائيلية الذي لا يعرف حدوداً. وأخيراً، يمكن القول ان اسرائيل لم تر عصرا ذهبياً، آخر منذ ريجان الا عندما تولى بوش الابن قيادة أمريكا والعالم بعدها.