يرى المحللون ان هناك محاولة أمريكية للضغط على اسرائيل لتخفف من غلوائها، في إشارة الى انها تقترب من الدول العربية في محاولة لمسح صورة العنصرية الغربية ضد العرب والمسلمين وهي القضية التي تفجرت مؤخراً. ولعل العارفين بأمور السياسة الأمريكية يعرفون ان أمريكا تمارس ضغطها على اسرائيل عندما تحتاج لدعم العرب، وقد رأينا ذلك جليا في حرب الخليج الثانية ونراه الآن بشكل واضح في محاولة أمريكا جمع تحالف دولي ضد ما تسميه بالحرب ضد الإرهاب. والغريب ان الحملة السياسية والعسكرية الأمريكية التي يقودها اليوم الحزب الجمهوري والمعروف بتطرفه اليميني الى الدرجة التي دعت الباحثين الاستراتيجيين والسياسيين الأمريكيين الى تسميته باليمين الأصولي، يحارب الأصولية الإسلامية بل ويذهب الى حد اتهامها بالارهاب في ربط غريب. ولعل الجميع يعرف ما الذي يربط بين الفكر الصهيوني والفكر الأمريكي وبين الاستراتيجيتين معاً، وكلاهما يعتمد مفهوماً عنصرياً لبقية الديانات والمعتقدات، وربما كان هذا الرابط هو الذي يقود السياسيين معاً في نهج موحد قلما نجد مثله في العالم. كيف نقرأ العلاقة الاستراتيجية بين اسرائيل وأمريكا وأثرها على السياسات الدولية، وكيف يمكن فهم الضغط الأمريكي الجديد على اسرائيل من منطلق هذه العلاقة؟ ما هو النهج الذي يسير عليه بوش الثاني، وكيف يمكن ربطه أومقارنته بنهج بوش الأب وبالرئيس الأسبق رونالد ريجان، هل يمكن القول انها توجهات وسياسة واحدة تستند الى نفس الأسس، وما هي هذه الأسس؟ ما هي ملامح السياسة الأمريكية الحالية في اطار الحملة العسكرية الأمريكية التي سميت بحرب القرن وفي اطار العلاقة الاستراتيجية مع اسرائيل، وأين يكمن دور الأخيرة، ولماذا سمي الاعتماد على تغيير نظرة الولايات المتحدة تجاه منطقتنا العربية بالرهان الخاسر، وكيف يمكن قراءة المصالح العربية وفق كل ذلك؟ لابد لقراءة العلاقة الاستراتيجية بين الحليفتين أمريكا وإسرائيل، من الولوج عبر بوابة مقيمي هذه العلاقة وتوثيقها، ذلك انهم راسمو السياسة الأمريكية الجديدة والتي يمكن تأشير بداياتها الى عهد رونالد ريجان. ومجال ذكر ريجان هنا يفرضه علينا نهج الرئيس الأمريكي الجديد جورج بوش الابن الذي يذكرنا في كل خطوة يخطوها بالرئيس الأسبق ريجان، مثلما يذكرنا بالتطرف اليميني الذي يمثله الجمهوريون وهم الحزب الحاكم اليوم. والجمهوريون معروفون بتطرفهم الديني حتى أسماهم الباحثون والسياسيون بالأصوليين، وهم بذلك يشبهون حزب الليكود الاسرائيلي الذي يوصف باليمين العلماني، قياسا الى اليمين الديني الاسرائيلي. والدارس لخريطة الانقسامات الحزبية الاسرائيلية سيجد ان من الصعب عليه التمييز بين يمين ديني أو يمين علماني يساري، فالاثنان يمتلكان نفس الرؤية ونفس التطرف ونفس المنهج وان اختلفا في التعبير عنه. ومن فهم طبيعة الجمهوريين والليكوديين يمكننا قراءة الاتجاه الأمريكي الحالي الذي رأت فيه اسرائيل تخليا عنها واقتراباً من العرب، رغم ان كل المؤشرات تؤكد على ان العلاقة بين الحليفتين بدت أكثر عمقاً وانسجاماً وتناغماً في الفعل وترتيب التحرك السياسي في الفترة الأخيرة، وخاصة بعد مجيء جورج بوش للحكم. وبوش معروف لدى الأوساط الجمهورية بالوريث، وقد ربطه المحللون قبل ان يبدأ ترشيحه للرئاسة فعلاً بوالده الرئيس الأسبق جورج بوش وبالرئيس الأسبق رونالد ريجان، حتى قال ذات يوم جيم بيكرتون مستشار جورج بوش الأب: «لو لم يكن جورج ولكر بوش ابن ابيه لجاء ريجانياً». مدلولات هذا الربط لا تنحصر بكون بوش الابن يرتبط بحقبة ريجان عبر والده الذي شغل منصب نائب ريجان، أو بكونه سائراً على خطى ريجان، بل بكونه الشخصية الأمريكية الثانية بعد ريجان التي ستعيد عصر القوة الأمريكية وتضع اللمسات النهائية على مخطط استراتيجي أمريكي ـ اسرائيلي أوشك أن يحقق حلماً قديماً بالسيادة على العالم. نلمح هذه المدلولات فيما سبق بروز بوش الابن كشخصية كاريزمية ابتهج الجمهوريون بها وتأملوا ان تعيد لهم أمجاداً تمثلت في حكم عشرين عاماً أنهاها الديمقراطيون بحقبتي كلينتون. ولعل من نافلة القول الاشارة الى ان ريجان كان له فضل على العلاقات الأمريكية ـ الاسرائيلية، إذ بلغت في عهده ذروة مجدها، مثلما له الفضل على شخصية جورج ولكر بوش الابن التي لها الاثر اليوم على ترسيخ ما جاء به ريجان، ولفهم العلاقة بين بوش الابن وريجان ومايمثلانه من الاستراتيجية الأمريكية وبين اسرائيل وحكومتها الليكودية، ينبغي ان نقرأ على حدة الجمهوريين وخلفيتهم التاريخية التي شكلت التطرف السياسي في سلوك الادارة الجديدة، مثلما ينبغي ان نطلع على الاتفاقية الاستراتيجية بين ريجان واسرائيل، والعلاقة بين بوش الاب والابن معاً واسرائيل لنصل الى ملامح السياسة الأمريكية الجديدة وهي تشن حرب القرن ضد عدو قديم جديد. ونحاول هنا ان نتلمس التشابه بين سياسة ريجان وبوش الابن لكي نفهم حقيقة الضغط الأمريكي الأخير على اسرائيل وما أسمته اسرائيل بالاقتراب الأمريكي تجاه العرب، وقبل هذا وذاك لابد ان نرى الحزب الجمهوري بعين متفحصة لسياسته المتطرفة. يمين ديني تشير وثائق الكونجرس الأمريكي الى ان اصول وبدايات الحزب الجمهوري تعود الى بدايات الحزب الديمقراطي نفسه، لقد كان يسمى الجمهوري بحزب «توماس جيفرسون» ثم دعي بعد ذلك بالحزب الجمهوري الديمقراطي، أو ببساطة الديمقراطي، ثم عاد الاسم للظهور مرة أخرى في خمسينيات القرن التاسع عشر «1850» عندما تأسس الحزب الجمهوري الذي يلعب دوره السياسي اليوم، وفي ذلك الوقت قسمت قضية توسع امتلاك العبيد للأراضي بشكل حاسم الحزب الديمقراطي الى يمين ويسار، وانشأ اليمينيون المعارضون من كنساس ـ نبراسكا نواة الحزب الجمهوري في 6 يوليو 1854، لكن البداية السياسية الحقيقية للحزب تؤشر في فبراير 1856، وكان مرشحه الرئاسي الأول هو جون. سي. فريمونت ضد جيمس بوكانان. بدايات الحزب الجمهوري هذه والتي تشير الى تطرفه ضد الحريات العامة منذ نشأته تقودنا الى سني الذروة التي ارتبطت فيها السمة العنصرية الدينية بالحزب وتلك هي سني ريجان، على ان عهد المكارثية ابان عقد الخمسينيات شهد تطرفاً حاداً وهجوماً شرساً شنه اليمين ضد الحريات العامة بحجة مكافحة النشاط الشيوعي الهدام. وتقرن بداية الأصولية اليمينية أو اليمين الديني ب«بات روبرتسون» وهو بروتستانتي متعصب، وهو ابن السيناتور أي ويليس روبرتسون، تخرج من مدرسة يال للقانون. وفي 1960 أسس روبرتسون شبكة البث المسيحية وهي اليوم «قناة العائلة» كما أسس عام 1989 التحالف المسيحي وهي مجموعة مسيحية سياسية محافظة أثرت كثيراً في الحزب الجمهوري منذ تأسيسها ووجهت سياساته في تسعينيات القرن الماضي. والصراع بين الليبرالية التي يمثلها الحزب الديمقراطي والأصولية التي يمثلها الحزب الجمهوري اثر كثيراً على الانتخابات الرئاسية وعلى سياسات الولايات المتحدة، وقد أشار الباحثون الى ان اليمين المتطرف أو الأصولي تعاظم هجومه على الحريات العامة والمكتسبات الاجتماعية التي حققها الأمريكيون. وكان لروبرتسون دور حيوي في تعاظم هذا التطرف اليميني الأصولي للحزب الجمهوري، فقد بقيت نوعية الأصولية الدينية السياسية التي طرحها قضية استمرت مناقشتها عقدين من الزمان وما زالت تلقي بظلالها إلى اليوم، لقد تسبب اقحام روبرتسون وجماعته للأصولية الدينية في السياسة بالضرر للحوار الديمقراطي ولصورة الحزب الجمهوري حيث صبغت هذه النوعية من السياسة الحزب بسمة عدم التسامح والروح البعيدة عن السمو. تميزت مجموعة الحزب الجمهوري بالاستبدادية، وطالما أعرب الأمريكيون العرب عن عميق قلقهم من هيمنة اليمين الديني على الحزب الجمهوري فقد حول هذا اليمين سياسات الحزب الجمهوري بشأن الشرق الأوسط من سياسة تحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة الى سياسة خطرة تعطي الأولوية المطلقة للدور الاسرائيلي. وقد كانت الطروحات الغريبة التي قدمها روبرتسون ومجموعته هدامة بالنسبة لأي جدل عقلاني وظلت السبب وراء بروز العديد من المبادرات المناهضة للعرب من داخل الحزب الجمهوري، وهؤلاء المتشددون ليسوا أعداء للكاثوليك فحسب بل هم اعداء للمسلمين ايضا وهي التهمة التي وجهها اليهم السيناتور جون ماكين، وفي الوقع فانهم أعداء لأي مجموعة لا تؤمن بالمعتقدات التي يؤمنون بها على وجه الدقة. في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات أصبح اليمين الديني مسيطراً على أجندة نصف الحزب الجمهوري إن لم يكن أكثر وكان دعم هذا التيار أمراً مهماً للمرشحين الجمهوريين إذا ما أرادوا الفوز، وكان على المرشحين تبني مواقفهم مقابل الحصول على هذا الدعم. وتذكر المصادر البحثية ان لهذا التيار الأصولي الجمهوري صلة مباشرة إن لم يكن جزءاً من منظمة «إيباك» التي نجد ان دورها بدأ يتعاظم منذ مطلع الثمانينيات في القرن الماضي بمعنى منذ عهد ريجان أيضاً. ونجد المعتدلين الجمهوريين في المقابل يمنون بالهزائم وهذا ما دفع جون ماكين للقول: «انني أحمل اليمين الأصولي المتطرف المسئولية عن بروز نغمة الانعزالية والتزمت وعدم التسامح الأمر الذي كلفنا هزائمنا الانتخابية وفقدان التأييد وخيانة رسالة الحزب الجمهوري بأكملها» ولاننس ان ماكين نفسه اتهم الرئيس الأمريكي الجديد بوش الابن بوقوعه أسير أقصى اليمين وان ذلك يشكل مقدمة لأزمات جمهورية أخرى، على اننا نجد ماكين قد فرق بين ريجان وروبرتسون، فوصف ريجان بأنه جمهوري معتدل ووصف روبرتسون بأنه جمهوري يميني متطرف مشبها اليمين المتطرف باليسار المتطرف، وذلك ما أفرز جدلا وطنياً حول الدور المناسب للدين في السياسة. لم يخف الهجوم ضد تطرف الحزب الجمهوري الا في حقبة كلينتون، وربما حقبة ريجان قليلاً، وهما حقبتان متضادتان، فالأخير ديمقراطي والأول جمهوري، الا اننا لمسنا بروز القضية مرة أخرى عندما هيمنت على الحزب الجمهوري أواخر التسعينيات فئة أصولية أزاحت الفئة اليمينية المعتدلة في الحزب. ويختلف المحللون في وصف حقبة الثمانينيات، فقد وصف البعض سياسة الحزب الجمهوري فيها بأنه كان مدافعاً عن الليبرالية وتقليص هيمنة الدولة على النشاط الفردي، لكن هذا الحزب بدل نهجه في بداية التسعينيات ليتبنى ايديولوجية أصولية متطرفة محورها نزعة المحافظة والاستجابة لضغوط اليمينيين المتدينين المتطرفين، ويمثل هذا التيار حينها نيوت جينجريتش مهندس ما سمي آنذاك بوثيقة «العقد مع أمريكا» وقد وصف أحد الكتاب الأمريكيين هذا التغيير بأنه أشبه بانقلاب عسكري. أصبح هذا التحول في سياسة الحزب الجمهوري بمثابة ناقوس الخطر حول امكانية عودة المكارثية بلباس جديد مما حشد الأوساط الليبرالية للالتفاف حول كلينتون رغم المطبات التي وقع فيها لمواجهة خطر كبت الحريات وتدخل الدولة في حياة الأفراد، وقد أحدث هذا التغيير وفق المصادر السياسية انقساماً داخل الحزب الجمهوري بين أنصار الايديولوجية الأصولية وأبرز ممثليها نيوت جينجريتش، والفونسو داماتو وبين أنصار البراجماتية الانتخابية الذين يمثلهم نجلا الرئيس السابق جورج بوش واللذان نجحا في الوصول الى ولايتي فلوريدا وتكساس ثم وصول أحدهما للرئاسة، وهكذا ظهر بوش .. فكيف تحددت مهمته وهل مثل فعلاً نصيراً للبراجماتية؟ بوش وريث ريجان قبل دخول بوش حملة المنافسة وقبل مؤتمري الحزبين الجمهوري والديمقراطي بفترة وجيزة عام 2000 ظهرت مجلة «جورج» التي أسسها جون كنيدي بغلاف جاء عنوانه كما يلي: «من يعيد لنا عزتنا؟!» واختارت المجلة غلافين تصدر أحدهما الرئيس الأمريكي الراحل جون كنيدي ويظهر على الغلاف الثاني رونالد ريجان الذي كان يسمى بـ «الكاوبوي المبتسم»، وريجان كان ولا يزال وجهاً سياسياً مألوفاً ويرى الأمريكيون انه أعظم الرؤساء بعد روزفلت، فقد «عرف كيف يرد لهم عزتهم بعد المعارك الضارية لسنوات الستينيات في حرب فيتنام والعار الذي مثلته فضيحة «ووترجيت» والخواء خلال فترتي رئاسة فورد وكارتر، وأهم من هذا كله ينظر الى برنامجه حرب النجوم والى اتفاقيته مع روسيا ومع اسرائيل فهو قاهر الشيوعية. ورغم هذه الصفات العظيمة للكاوبوي الأمريكي المبتسم فان عهده لم يكن عهداً ذهبياً بالمرة فقد تسبب بعجز في الميزانية لا سابق له، وتفاقم العجز من 79 مليار دولار عام 1981 بداية فترته الى 221 مليار دولار عام 1986 مما ساهم في دفع أمريكا إلى أسوأ انحسار اقتصادي منذ الأزمنة الكبرى في ثلاثينيات القرن الماضي. بعد ريجان وجد الجمهوريون انفسهم في ضياع وأصبحوا مثاراً للسخرية بوجود نائب رئيس شبه أمي «كوايل» ووعود لم يتم الوفاء بها في ميدان خفض الضرائب أيام بوش الأب الذي أغرق أمريكا في حرب استنزفت اقتصادها وما زالت آثارها حتى اليوم. بعد منتصف التسعينيات وجه جون موران المسئول المالي السابق للحزب الجمهوري رسالة إلى المساهمين الماليين الرئيسيين حذرهم فيها من «ان الحزب الجمهوري يواجه خطراً بسبب نفوذ التحالف المسيحي واليمين المتطرف»، وقال «ان لم نتوصل الى اعادة النساء والمعتدلين الى صفوف الحزب فلن نرى رئيساً جمهورياً قبل فترة طويلة من الزمن». هكذا ظهر بوش الابن وتحددت مهمته بوضوح في «تجميع التحالف الظافر نفسه الذي انشأه رونالد ريجان والذي يضم التحالف المسيحي وأوساط رجال الأعمال والقسم الأكبر من الطبقات الوسطى بما في ذلك ديمقراطيون ومستقلون». وصف المحللون ما يشد الأنظار والتأييد إلى بوش بأنه «النموذج الريجاني لاستراتيجية بوش والتي تستهدف الناخبين المحافظين ثم الجمهوريين الأصليين والمستقلين وأخيراً الديمقراطيين المحافظين»، ونجد ان الأصولية كانت سمة كل الفئات التي تعامل معها بوش الابن، فمن يستطيع القول بعد ذلك انه ليس يمينياً أصولياً متطرفاً. ضمن بوش دعم اليمين المحافظ والمتطرف وتوجه نحو الوسط حتى إذا ما واجه أزمة أو احتاج للدعم عاد لليمين المتطرف وأشرع أصوليته وتشبث بايباك كما فعل ريجان ليحظى بما يريد، وقد نجح فعلاً طوال الأشهر التسعة الماضية. والذي يريد أن يعرف منهج بوش الابن وتطلعاته ينبغي عليه أن يقرأ منهج ريجان لانهما متشابهان، بل لعل بوش الابن يكمل ما بدأه ريجان، لقد وجد بوش نفسه خاوياً من أي سياسة خارجية تمثل فهمه للسياسة الخارجية فكان له في العم ريجان وملفاته ملاذ آخر، حتى قال السياسيون ان بوش يعيد ما فعله ريجان فماذا فعل ريجان؟ مثلت ادارة ريجان التيار المحافظ المتشدد الذي يستقي مواقفه من مدرسة التفكير الاستراتيجي العسكري، وهذه المدرسة تحدد أهمية كل دولة وفقاً لقوتها العسكرية وتنظر الى القوة كعامل وحيد في تقييم كافة الموازين الاستراتيجية والسياسية. وانطلاقاً من ذلك نظرت ادارة ريجان الى العلاقات الدولية نظرة كونية شمولية، لقد وضعت الاتحاد السوفييتي كسبب وعلة لكل نزاع دولي أو اقليمي مهما بلغت درجة خصوصيته وبعده السياسي والجغرافي، وأعطت هذه الادارة تفسيراً أحادياً لسمات وظواهر النظام الدولي الحالي، فظاهرة الحركات القومية التحررية والتحولات الاجتماعية تفرغان من أي معنى لتصبحا حركات شيوعية وإرهابية تقوم بدور محدد في اطار الاستراتيجية السوفييتية ووفقاً لهذه الأسس اتخذت هذه الادارة مواقفها من حركة المقاومة الفلسطينية وحركات التحرر الأخرى في العالم. واعتبرت في المقابل اسرائيل مكسباً استراتيجياً كبيراً في الشرق الأوسط مما يفرض تقديم الدعم المطلق لها، فالحلف في منظور هذه الادارة هو الذي يستطيع القيام بدور الشرطي في المنطقة والحفاظ على الاستقرار الاقليمي وردع التوسع السوفييتي واحتواء محاولات تغيير الوضع القائم في المنطقة وتحقيق ما تطلق عليه هذه الادارة بمصطلح «الاجماع الاستراتيجي» لاطراف الشرق الأوسط. ركزت ادارة ريجان على الاحداث التي وقعت عالمياً واقليمياً في نهاية السبعينيات، ومن أجل تأمين المصالح الأمريكية أولاً أرادت تجاوز واقع النزاع العربي الاسرائيلي بدعوة دول المنطقة لتجميد هذا النزاع لصالح التصدي للنفوذ السوفييتي الذي ترى فيه المشكلة الرئيسية في الشرق الأوسط، بمعنى انها غيرت الأولويات الأمريكية فأخضعت النزاع العربي ـ الاسرائيلي لضرورات المواجهة مع الاتحاد السوفييتي. ويمكن اجمال أهداف السياسة الخارجية لادارة ريجان بثلاث نقاط: ـ أولاً ابرام تحالف استراتيجي مع كل من اسرائيل ومصر والسعودية لتطويق النفوذ السوفييتي. ـ ثانياً احترام الولايات المتحدة لكافة التزاماتها تجاه حلفائها كأصدقائها من دول العالم الثالث لكي تعيد هيبتها العالمية. ـ ثالثاً اعتماد أسلوب العصا الغليظة في مواجهة الأنظمة الموالية للاتحاد السوفييتي التي تثير القلاقل والفوضى في منطقة الشرق الأوسط. انطلاقاً من هذه الأهداف لم تتوان هذه الادارة عن اظهار الأهمية الاستراتيجية لاسرائيل، ونلاحظ ان جورج بوش الأب كان نائباً لريجان في هذه الفترة الذهبية من تاريخ العلاقات الأمريكية الاسرائيلية، ومن هذا الموقع، تلقى بوش الابن منهجه السياسي وطموحاته المستقبلية فكان وريث «ريجان ـ بوش» اللذين يمثلان قمة التطرف السياسي الديني اليميني الأمريكي. ولا ننس أن نذكر ان ريجان وقع اتفاقاً استراتيجياً ـ عسكرياً مع اسرائيل في نوفمبر 1981 وهو أول اتفاق علني يحدد بصورة واضحة وصريحة طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين. على هذه الخلفية جاء الرئيس جورج بوش الابن، ومقارنة بمنهج ريجان نجد انه تتبع نفس خطوات ريجان لكنه استبدل العدو القديم «الاتحاد السوفييتي» بـ «الإرهاب» مع ان الارهاب كان في مضمون نظرة ريجان الشمولية للوضع الدولي. لكن بوش الابن لم يكن يحتاج لابرام اتفاق مع اسرائيل فهو قائم لكنه احتاج لجمع «حلف استراتيجي» على غرار الاجماع الاستراتيجي الريجاني في تحقيق مكسب سياسي على غرار «هزم الشيوعية» الذي قام به ريجان، فتناول المصطلح الثاني «الارهاب» واستبدله بالشيوعية السابقة ورفع عصا ريجان الغليظة معيداً «حرب النجوم» في الدرع الدفاعية الصاروخية. ونجده عندما احتاج الى دعم الكونجرس لما أسماه «باعادة الهيبة الأمريكية» أشرع أصوليته اليمينية وتطرفه الديني رغم انه صافح مبتسماً المسلمين بيد، ومهددا بهراوة في اليد الأخرى معارضيه أياً كانوا. ولا ننس ان نذكر ان بوش اطلق يد الاسرائيليين في الأراضي المحتلة كما فعل سلفه ريجان فأطلق يدهم لبناء المستوطنات فهل نشهد عهداً ريجانياً جديداً يعيد التعصب البروتستانتي لاسرائيل ويعيد للأمريكيين «عزتهم» كما ذكرت مجلة «جورج». لهيب عبد الخالق