استمرار العنف مقدمة لكارثة تاريخية، احتجاجات اليسار الاسرائيلي تديرها المؤسسة الحاكمة في تل أبيب يوصف معظم الكتاب الذين وضعوا مقالاتهم في هذا الكتاب بأنهم «رجال اليسار» (على الرغم من وجود عدد منهم يعتبرون ليبراليين بصورة محضة)، لكن أحداً منهم غير محسوب على ذلك اليسار الذي يقول بأن انتفاضة الأقصى أثبتت وجودها ونجحت في إرباك إسرائيل، وعلى العكس من ذلك، فإن أصحاب المقالات وهم كتاب وباحثون وأساتذة في الجامعات وصحافيون ومفكرون يواجهون من بين ما يواجهون الصورة، أي صورة «الارتباك في اليسار» التي رسمتها وسائل الإعلام في الأسابيع الأولى من الانتفاضة، فهم يريدون أن يفهموا من الذي ارتبك ومن الذي لم يرتبك، ومن هو صاحب المصلحة بوصف اليسار بأنه مرتبك، إن الكتاب الذين شاركوا في هذا الكتاب لم يربكوا، لقد دفعهم اندلاع الانتفاضة وأحداثها في الأشهر الأخيرة إلى التوقف والتفكير ملياً كما حثتهم على الكتابة وزودتهم بمدارك جديدة، تجاه أنفسهم واتجاه الآخرين بيد أن الانتفاضة لم تربكهم قط. ويردف : على الرغم من أن كاتبي هذه المقالات متفقين على نقطة الانطلاق الا أن آراءهم تباينت حول العديد من المسائل، فهناك من يؤيد ومن يعارض مسيرة أوسلو وهناك من يؤيد ومن يعارض دعم اليسار لحكومة باراك، كما أن هناك جدلاً بشأن التعاطف مع الفلسطينيين المطلوب اليوم من يهود يشكلون «معسكر السلام»، وهناك أيضاً مفاهيم متضاربة حول العنف الفلسطيني، ونقد واختلاف بشأن أداء اليسار الإسرائيلي وطبيعة تدخل مثقفين من اليسار في الأزمة الراهنة وكذلك مفاهيم مختلفة حول دور وسائل الإعلام أو حول مكانة الفلسطينيين «مواطني إسرائيل». ويختتم عادي أوفير كلمته حول اليسار مؤكداً: من هنا يناط باليسار دور مهم : عدم التوقف عن تذكير الجمهور اليهودي في إسرائيل بثمن سكوته النسبي والاستمرار في رفع صوته ضد الاحتلال، إذ يجب أن يكون لليسار حضور وكلمة في كل مكان يريد فيه الإسرائيليون تجاهل الاحتلال ويجب أن نوضح بأن «العنف» الفلسطيني لا يبرر الاحتلال بل هو نتيجة للاحتلال، لذا فإنه «أي العنف الفلسطيني، لا يبرر وقف المفاوضات، ان على إسرائيل أن تواصل المفاوضات، أيضاً تحت العنف تماماً كما يجري الفلسطينيون مفاوضات تحت عنف الاحتلال». أن مشكلة اليسار ليست السلام بل إنهاء الاحتلال. وفرص السلام، وتصالح الشعبين، وترميم المجتمع المدني في إسرائيل، والتوزيع العادل للغنى، ودعم المجموعات الضعيفة وكل ذلك رهن بإنهاء الاحتلال. هكذا تكلم جروسمان لعلنا نتوقف بداية أمام الرسالة المفتوحة التي وجهها دافيد جروسمان الكاتب اليساري الإسرائيلي المعروف للمثقفين الفلسطينيين والتي تشتمل على مواقف جروسمان الانتقادية لسياسة الاحتلال ضد الفلسطينيين، يقول جروسمان : كتبت هذه الرسالة فور قراءتي للرسالة التي وجهتها مجموعة من المثقفين الفلسطينيين إلى الجمهور، وفضلت الا أتطرق بشكل مفصل إلى قائمة الشروط التي في رسالتهم، حتى لا يتحول ردي إلى ما يشبه «المفاوضات»، والتي من شأنها أن تغلق المنفذ الصغير للحوارالذي شاهدته في رسالتهم، ويذكر أن رسالتهم وردي قد كتبا في أحد الأسابيع الأشد عنفاً في الانتفاضة، وبدا لي أن الأهم من كل شيء هو الإبقاء والحفاظ على قناة من الحوار مفتوحة وحية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وحتى تكون بديلاً لأعمال العنف وحوار الطرشان، إضافة إلى أن مثل هذه القناة قد تشكل مكاناً تنضج فيه الظروف مع مرور الوقت للدخول في بحث معمق. ويضيف جروسمان : مؤخراً نشر نحو 120 رجلاً من الأكاديميين والمثقفين والناشطين السياسيين الفلسطينيين رسالة مستعجلة موجهة إلى الجمهور الإسرائيلي، وبحكم أنني واحد من هذا الجمهور ارتأيت أن أرد على هذه الرسالة. ويتحدث جروسمان عن المواقف السياسية وتصوره للحل قائلاً : أنني كإسرائيلي محب للسلام اتفق مع الكثير من المواقف التي وردت في رسالتكم، كما مع وصفكم للوضع الذي نجم في المناطق المحتلة تحت مرأى «مسيرة أوسلو» وأيضاً مع عدم الجدوى من اتفاق سلام يعكس أكثر من أي شيء آخر، التفوق العسكري لإسرائيل، إضافة إلى ذلك تبدو لي معظم «المبادئ الواسعة» التي عرضت في رسالتكم، أنها تشكل قاعدة ممكنة لاتفاق مستقبلي. إلى جانب ذلك، فإنني كإسرائيلي محب للسلام يعوزني في رسالتكم تحديد أن مثل هذا الاتفاق سيشكل نهاية للمطالب المتبادلة وأنه يتضمن اعترافاً كحدود عام 1967 كحدود دائمة بين إسرائيل وفلسطين، أملت أن أرى في رسالتكم أيضاً موقفاً أكثر وضوحاً حيال مستقبل العلاقات بين الدولتين، ومحاربة العنف بصورة مشتركة والنضال ضد التحريض وهو النضال الذي من دونه ستنشأ هنا أجيال وأجيال على ثقافة الكراهية والعنصرية. ويوضح جروسمان موقف الجمهور الإسرائيلي قائلا: لا أحاول هنا أن أزعم بأن تلك الآراء والأفكار هي أراء وأفكار الغالبية في إسرائيل، ولكن من الواضح بالنسبة لي أن هذه الأفكار تتبناها نسبة لا بأس بها من الإسرائيليين، وهذا ليس بالأمر السهل، إن الجمهور الإسرائيلي يشعر اليوم بأنه مهدد لعدة أسباب، فالجمهور الإسرائيلي بأغلبيته لم يكن مدركاً لعمق الغضب الفلسطيني على طريقة إدارة عملية السلام، وقد أصيب بالذهول جراء قوة العنف التي وجهت ضده، لقد آمن معظم الإسرائيليين أنه مع بدء عملية السلام بدأت أيضاً عملية مصالحة، كما أن معظم الجمهور اليهودي الإسرائيلي (كما هي الحال بالنسبة لمعظم الجمهور الفلسطيني) لم يكن مطلعاً على تفاصيل الاتفاق، لقد شعر الإسرائيليون بأنهم قدموا تنازلات هائلة، وتغلبوا على مخاوف وتشوهات، وهنا وعلى خط النهاية حقاً، من ناحيتهم خانهم شركاؤهم في المسيرة، وانتهكوا اتفاقاً موقعاً ومن يعرف ماذا سيطلبون، بعد أن «يحصلوا» على دولة مستقلة. إنني أعرف الأجوبة الفلسطينية على هذه الأقوال، وأنا اتفق مع جزء منها، فالإسرائيليون أيضاً لا يحترمون الاتفاقات الموقعة، كما أن الوجود الإسرائيلي في المناطق المحتلة هو عنف، وكذلك الاستيطان وعمليات الحصار والإغلاق وأيضاً الرد الإسرائيلي القوي على إلقاء الحجارة. أنني أكتب هذه السطور وأنا أشعر بالتفاهة المحبطة التي تنطوي عليها عملية تكرار هذه الأقوال المعروفة لنا جميعاً وما الفائدة في السير بطريقة ملتوية في طريق الاتهامات المعروفة، في وقت يقتل المئات من الفلسطينيين والإسرائيليين الأبرياء ؟ وما الفائدة في الوضع الراهن من محاولة تحديد «من هو المتهم» أو «من الذي بدأ» ؟ أننا جميعاً من إسرائيليين وفلسطينيين شركاء بهذا القدر أو ذلك في المسألة التي حلت بنا، أعتقد أن هناك شيئاً واحداً في مناخ الخوف والتشوش والارتباك لا يعتريه الشك وهو أنه إذا لم تتحلَّ القيادات في كلا الشعبين بالجرأة الكافية، فإن الأطفال يهودا وفلسطينيين سيواصلون قتل بعضهم بعضاً، ونحن أولياء أمورهم وآباءهم نرسلهم ليموتوا (ثم نتبادل الاتهامات قائلين «أنتم تستخدمون الأطفال). مغزى الانتفاضة ويتحدث جروسمان عن مغزى الانتفاضة أيضاً قائلاً: لقد دفعت انتفاضة الأقصى إلى السطح وبقوة كبيرة الألم والإذلال والغضب الفلسطيني، وقد أضحى العالم بأسره ومن بينه بالطبع إسرائيليون كثيرون يفهم الآن أنه يتعين «فتح» اتفاقات أوسلو وصياغة اتفاق سلام جديد، أكثر منطقية وأكثر شجاعة ومما لا ريب فيه أن مثل الاتفاق سيضع تحديات صعبة، وربما لا تطاق، أمام الشعبين، إذ سيضطر كلاهما للتنازلات عن أملاك حقيقية وهامة، كما سيضطر كلاهما للتنازلات عن خيالات وأوهام قاما بمنحها قوة وأملاً وشعوراً بهوية قومية. ويحذر جروسمان من الكارثة التاريخية موضحاً : أن كل عاقل يدرك بأن استمرار العنف من كلا الجانبين قد يدفع بالمنطقة إلى كارثة وإلى مأساة تاريخية لا يستطيع أحد أن يتصور عواقبها اليوم، ولن يخرج منها لا الإسرائيليون ولا الفلسطينيون بأية مرابح، اللهم إلا المتطرفين في كلا الشعبين الذين يشكلون في نهاية المطاف أعداءً حقيقيين للسواد الأعظم من الجمهور في كلا الشعبين. ما زال بوسع الفلسطينيين الذين وقعوا على الرسالة المفتوحة للجمهور الإسرائيلي وكذلك فلسطينيين وإسرائيليين كثيرين يؤمنون بما قلت في رسالتي هنا، أن يواصلوا حوارهم بصورة منطقية، من الواضح أننا لا نملك صلاحية إجراء مفاوضات، ولكن لدينا القوة على الأقل لاستئناف الحوار، وربما نستطيع إيجاد حلول خلاقة وعادلة في نقاط عجز السياسيون لأسباب شتى عن الارتقاء بها فوق مصالحهم قصيرة الأمد. ويتساءل جروسمان في ختام رسالته : إنني أتساءل كإسرائيلي محب للسلام، هل نستطيع أن نلتقي أيضاً في هذه الأيام العصيبة في مكان ما على خط الحدود بين فلسطين وإسرائيل، ولنفترض في داخل خيمة سلام نقيمها هناك معاً، وهل نستطيع أن نضع هناك خياراً للعداء الذي يعصف بنا، وللكراهية والقتل وشهوات الانتقام ؟ وهل نستطيع إيقاف دوامة العنف المسعورة التي تهدد بجرنا جميعاً إلى داخلها، وفي الختام أعتبر رسالتي هذه دعوة إلى إجراء الحوار. تفكك الاستعمار الإسرائيلي أما الكاتب اليساري الإسرائيلي باروخ كيمرلنج، فيتحدث بدوره عن الانتفاضة الفلسطينية ودلالاتها، وعن تفكك واضمحلال الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي فيقول : - في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية التي تفجرت في أكتوبر من عام 2000، حدث أمر هام في إسرائيل، ففي السابع عشر من نوفمبر 2000 نشر في صحيفة «هآرتس» بيان موقع بأيدي مفكرين إسرائيليين بارزين، من بينهم عدد لم يتحلوا في الماضي بالشجاعة الكافية وبرؤى بعيدة المدى، واتضح أن من بين الموقعين عاموس عوز، وأ. ب يهوشع، ويزهار سميلينسكي وديفيد جروسمان وآخرين، وقد دعا البيان إلى إجراء المفاوضات مع الفلسطينيين على قاعدة حدود الرابع من يونيو 1967، وقد اغلق هذا البيان عملياً الدائرة التاريخية التي فتحها الكتاب والشعراء وآخرون من الشخصيات العامة الذين وقعوا على الصوت الأول لحركة «أرض إسرائيل الكاملة» في سبتمبر 1967، وكان من بين الموقعين البارزين على تلك الوثيقة نتان أكترمان، موسى شامير، أوري تسفي جرينبرج، ش. ي عغنون (المتدين القومي الوحيد في هذه المجموعة )، تسفي شلوح، رحيل ينئيت بن تسفي، ايسرهرئيل، حاييم يحيل، غوري باينرمان، وعمداء في الاحتياط مثل يعقوب دوري (الذي كان يشغل منصب رئيس هيئة الأركان في حرب عام 1948، دان طولكوبسكي، الياهو بن حور، ابرهام يفيه ومئير زوريع، وكان رجال اليمين هم الوحيدون باستثناء الشاعر أ. ص جرينبرج الذين وقعوا على الوثيقة، من بينهم عري جيبوتنسكي (نجل زئيف جيبوتنسكي الذي أبعد من حزب الحرية) ويسرائيل شايف. وتجدر الإشارة هنا أنه إلى جانب ضم كافة المناطق التي احتلت في الحرب (بما في ذلك شبه جزيرة سيناء) طالب الموقعون على الوثيقة بمنح الجنسية الإسرائيلية والمساواة المطلقة لكافة مواطني المناطق المحتلة، والذين كان من المقرر أن يكونوا مواطنين في «أرض إسرائيل الكبرى» وبذلك، أي بتلك الوثيقة بدأ فعلياً خاصة من قبل من كانوا آنذاك يشكلون نخبة حركة العمل الحديث عن الاستعمار الجديد الذي يرافقنا حتى يومنا هذا بالمقابل، فإن نوفمبر سنة 2000 يعتبر كما يبدو بمثابة سنونو أول يبشر بضمور الاستعمار الإسرائيلي. أما الأسئلة العديدة التي بقيت مفتوحة فهي كم من الدم الإسرائيلي والفلسطيني سيراق بعد، وكم من الأشخاص والأسر سييتمون من كل جانب إلى أن يجد الاعتراف بذلك طريقة إلى عقول الزعامات السياسية أيضاً، وكم من الوقت سيمضي حتى تستخلص العبر الإيجابية المطلوبة وتتحول إلى نهج سياسي، ذلك أن كل نهج سياسي جديد خاصة ذلك المتصل بعمليات حسم مصيرية يبدأ سواء إيجاباً أم سلباً بحوار جديد يكتشف وينشر من قبل ثلة من المثقفين. حساب الربح والخسارة ويتابع كيمرلنج: في الحقيقة، من الصعوبة بمكان أن نتخيل ونحن في مدخل الألفية الثالثة وجود دولة في العالم تعتبر نفسها دولة متحضرة وتواصل في الوقت ذاته جهودها الاستعمارية بنشاط، أي أنها تعمل على توطين مواطنيها بطريقة منهجية في مناطق خارج حدودها، ومن خلال قضم أراضي المواطنين المحليين، وبصورة تتعارض وكافة القوانين الدولية، أما بالنسبة لنا نحن الإسرائيليين، وحتى بالنسبة لرجال «معسكر السلام» من الصعب بل من المستحيل أن نرى ذلك الأمر من الداخل، ذلك بعد أن اعتدنا جداً بالطبع على بلاغة القومية الاستعمارية وعلى الوضع الذي نجم بين حرب 1967 وحتى نهاية الثمانينات. يحتمل أن يكون هذا طبيعياً، ذلك أنه في هذه الفترة الزمنية ربحنا فقط من مستوطنات التي شيدت عبر الخط الأخضر : فقد حظينا بقوة عمل بخسة جداً، وأوجدنا سوقاً كبيرة جداً لمنتوجاتنا، كان من الصعب تصديرها إلى أسواق أخرى، كما بدا وبصورة رئيسة أننا حظينا بأرض واسعة لتوسيع حدودنا الصغيرة، من دون أن تشمل مواطنين «غير مرغوب فيهم». شكلت المستوطنات اليهودية التي أقيمت عبر الخط الأخضر من الناحية العملية عملية ضم انتقائية ومحسوبة، لم ترفق بتصريحات ضم رسمية، لو استطعنا أن نرى أنفسنا من الخارج، مثلما رآنا ويروننا كثير من المثقفين في العالم، لكنا ليس فقط قد صرخنا منذ سنوات طويلة صرخة أخلاقية بل فهمنا أيضاً بأن هذا الوضع لا يمكنه أن يستمر إلى مالا نهاية، وأن المصيبة آتية لا محالة. ويأتي كيمرلنج إلى اليسار الاسرائيلي ليؤكد : من الناحية العملية لم يطور «معسكر السلام» أو ذلك الجمهور الذي يكني نفسه خطأ ويكنا من قبل خصومه بـ «اليسار» لم يطور فكراً حقيقياً ومفهوماً أيديولوجياً شاملاً يتعلق بجوهر عمليات استعمار المناطق المحتلة من قبل الدولة، لقد كان «اليسار» مشغولاً أساساً بنوعين من الاحتجاج : أولهما احتجاجات ذاتية ضد مظالم الاحتلال، وضد الاستغلال الممنهج لمواطني المناطق المحتلة وضد نشاطات استيطانية معدودة كانت تقوم بها هذه الحكومة أو تلك، وثانيهما، احتجاجات عامة ضد جمهور المستوطنين ومؤيديهم من اليمين. إن مثل هذه النشاطات التي ميزت بخاصة حركات على غرار المجلس للسلام والأمن أو جزءاً من رجال حركة ميريتس وحمائم حزب العمل، كانت جزءاً من المؤسسة الحاكمة، وكان حديثهم ولا يزال خليط من العسكرية وتخليد الذات بين «ما هو جيد للفلسطينيين» وكم وأين علينا أن نعطيهم » أو «نتنازل لهم»، وهكذا لم تنشأ في إسرائيل لا من الوجهة الأيديولوجية ولا من الوجهة التنظيمية حركة سلام حقيقية (باستثناء مجموعات صغيرة غير مؤثرة ولا حول لها ولا قوة )، وعلى العكس من ذلك، فإن الحركات الكبيرة كما يبدو منعت نشوء أي حوار حقيقي وأيديولوجي منطقي من شأنه أن يضع بديلاً ليس فقط لليمين، للأحزاب الدينية القومية الاستيطانية وللأحزاب الدينية الأصولية الجديدة ن بل لنهج الدولة الاستعماري نفسه، والذي ميز كافة الحكومات الإسرائيلية، بما في ذلك حكومة رابين الثانية. ويطرح الكاتب البديل من وجهة نظره : أحسب أن هناك شرطاً حتمياً لنشوء بديل فكري حقيقي لوضع الاحتلال والمستوطنات وهو أن نصف الناجم بأنه «وضع استعماري»، أن حقيقة الامتناع عن هذا الوصف كانت كامنة في عوائق أكثر عمقاً تتصل مباشرة بالبقرة التاريخية لدولة إسرائيل، واعني بها الحركة الصهيونية بين عامي 1881 و1948 والتي استكملت مع التطهير العرقي للسكان العرب، حيث اصطبغت بعدة ألوان استعمارية. ينبغي على اليسار الجديد أو على معسكر السلام الإسرائيلي المرمَّمْ أن يعاين مدى قدرته الأيديولوجية للخروج من داخل فقاعات المفاهيم التي أسر نفسه فيها منذ العام 1967، وبوسعه أيضاً أن يمنح هوية جديدة لإسرائيل وعنواناً أيديولوجياً أثناء عمليات إزالة الاستعمار الإسرائيلي : هوية إسرائيلية جديدة لإسرائيل في حدودها القديمة، لقد شكل بيان نوفمبر 2000 مدخلاً مشجعاً لذلك.