إن الحقيقة التي غطى عليها الهجوم على مركز التجارة العالمي والتي سيؤثر فيها مباشرة هو أن النظام المالي العالمي كان في طريقه الى ركود شامل خلال هذه الأسابيع، حسب توقعات عالم الاقتصاد الأمريكي ومرشح الرئاسة الأسبق ليندون لاروش نتيجة سياسات عدة سنين من ضخ الأموال في أسواق المضاربات المالية وإهمال الاستثمارات في البنية التحتية والصناعات الثقيلة والزراعة والخدمات العامة في معظم دول العالم الصناعية. وكان لاروش قد حذر قبل شهرين من الان من وقوع أزمة عالمية عسكرية استراتيجية، أما عن طريق اندفاع رئيس الوزراء الاسرائيلي في سياسته الجهنمية واعلان حرب شاملة في الشرق الاوسط في آخر شهر أغسطس، أو قوع عمليات إرهابية كبرى في واشنطن! تزامناً مع موجة الاحتجاجات المضادة للعولمة التي كان مخططاً لها أن تقع آخر شهر سبتمبر عند انعقاد المؤتمر السنوي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في العاصمة الامريكية كما قال لاروش في خطاب ألقاه في المؤتمر السنوي لمعهد شيللر العالمي الذي انعقد في الولايات المتحدة في أول شهر سبتمبر: إن النظام المالي العالمي سينهار كلياً في الفترة من الان إلى آخر العام، إذا لم تندلع حرب كبرى في العالم. الناحية الاخرى من الوضع الاستراتيجي العالمي وعلى العكس من عملية انهيار النظام المالي والنقدي الغربي الذي هو مصدر قوة التحالف الانجلو أمريكي وحلف الناتو، هو بروز تحالف اقتصادي تجاري آسيوي ـ روسي ـ إسلامي على «طريق الحرير الجديد» وهو مشروع طموح لربط البنى التحتية للنقل والطاقة بين دول القارة الاوراسيوية ليتخطى ما يروج له مبتكري ما سمي «صراع الحضارات» وبناء حوار حضارات مبني على تعاون اقتصادي تنموي أكثر عدالة من النظام الاقتصادي والسياسي الحالي الذي وصل إلى نهايته المنطقية. إشارات من روسيا والشرق بعد ساعات من وصول رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الى موسكو بداية شهر سبتمبر الماضي، أعلن نائب وزير الطاقة النووية الروسي عن التزام بلاده بإكمال مشروع المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، بل وأعلن أيضاً عن استعداد روسيا لعرض بناء مفاعل جديد على إيران، كانت تلك إشارة واضحة الى شارون من القيادة الروسية حول ضرورة عدم التطرق إلى علاقة روسيا الاستراتيجية بإيران والعراق لأن إعادة النظر في هذه القضية أصبحت أمرا غير وارد، لكن عندما أصر شارون على محاولته الضغط على القيادة الروسية لإعادة النظر في علاقتها بإيران، سمع نفس الكلام من فم الرئيس فلاديمير بوتين . وإن دل هذا على شئ فهو أن السياسة الرسمية الروسية اليوم هي تقوية علاقاتها بالبلدان الأوراسيوية المستعدة للعمل على بناء علاقات اقتصادية متينة وبعيدة الأمد والتخلي عن نظام مساعدات صندوق النقد الدولي والدول الغربية التي نهبت روسيا «بإصلاحاتها». قبل شهرين من ذلك وقعت روسيا والصين معاهدة الصداقة الاستراتيجية القاضية بتقوية التعاون السياسي والاقتصادي بين الدولتين في مجالات النقل والطاقة والتجارة والتبادل التكنولوجي والتسليحي خلال العشرين سنة المقبلة، وقد اعتبر المحللون الغربيون تلك المعاهدة تحدياً استراتيجياً كبيراً لنظام القطب الواحد السائد في العالم، وقد كان هذا التعاون قد بدأ من عدة سنين لكنه لم يرقى إلى هذا المستوى في ظل سياسات الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن ويعتبر النقل عبر خط سكك الحديد «عبر سيبيريا» من أقاصي الشمال الشرقي الصيني إلى موسكو وأوروبا، بالإضافة إلى رغبة الصين بالاستفادة من الموارد المعدنية ومصادر الطاقة الهائلة غير المستثمرة في مناطق سيبيريا كمصدر مستقبلي لاحتياجاتها المتنامية من أهم نقاط هذا التعاون. وكانت كل من الهند وروسيا وإيران قد أسست في 15 مايو الماضي «اتحاد النقل الاوراسيوي» وهي اتفاقية ترانزيت تجارية لنقل البضائع من الهند بحراً إلى ميناء بندر عباس الإيراني وعبر شبكة سكك الحديد الإيرانية إلى ميناء بندر أنزلي على بحر قزوين ومن ثم بحراً إلى ميناء أستراخان الروسي وصولا إلى شمال شرق أوربا وهذا يعني فتح ممر تجاري بين آسيا وأوربا يختصر مدة نقل البضائع بمقدار الثلث، وفي ذات الوقت تقوية التحالف الإيراني الروسي . في ذات الوقت لا تزال إيران سائرة في بناء سكة حديد كرمان زاهدان على الحدود مع باكستان لربط إيران بها وبالهند كما أن المناقشات لا تزال قائمة حول بناء أنبوب غاز من إيران الى الهند يمر بباكستان حيث تستفيد منه هي أيضاً. أضف إلى ذلك تأسيس «منظمة شانجهاي للتعاون» في يونيو الماضي وتتألف من كل من الصين وروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان وكانت هذه المجموعة تعرف باسم «خمسة شانجهاي» أضيفت لها أوزبكستان هذا العام . كان الهدف الأساسي لهذه المجموعة هو محاربة ما يسمى بالتطرف الإسلامي في هذه المنطقة الحساسة من العالم حيث تدور ألاعيب جيوسياسية عالمية تقودها أمريكا وبريطانيا للسيطرة على مصادر الطاقة ومنع امتداد نفوذ روسيا وإيران والصين إليها وقد تحول انتباه أعضاء هذه المجموعة تدريجيا إلى قضية التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري خاصة بعد بناء مشاريع طرق وسكك حديد جديدة تربط بينها ومن المرجح أن تنضم إيران إلى هذه المجموعة قريباً أما أفغانستان التي تسيطر عليها طالبان وباكستان التي تدعمها فإن انضمامها إلى هذه المنظمة هو رهن بحل القضية الأفغانية الشائكة. كما أن تركيا ودولا عربية مثل العراق وسوريا هي في طريقها إلى الاندماج إلى هذه التشكيلة عن طريق الارتباط بها بواسطة سكك الحديد وأنابيب النفط والغاز يضاف إلى ذلك قيام مصر بإكمال بناء جسر الفردان في شهر أكتوبر المقبل الذي سيربط قلب مصر وقارة أفريقيا بالبر الآسيوي عبر سيناء والى رفح الفلسطينية وكان المتابعون المصريون يأملون في حل «أزمة السلام» بين الفلسطينيين والإسرائيليين حتى يكتب لقطار الشرق السريع أن يسير عبر الأراضي الفلسطينية إلى الأردن وسوريا في طريقه إلى أوربا وربما إلى آسيا عبر العراق وإيران. إن استراتيجية طريق الحرير الجديد هذه كانت تبدو وكأنها أحلام جميلة في بداية التسعينات، لكنها اليوم أصبحت تشكل واقعاً بسبب الجهد الكبير الذي بذلته الصين وإيران ودول أسيا الوسطى والآن روسيا وقد أصبح هذا أيضاً تكتلا عالمياً غير معلن قد يجذب إليه أوربا الغربية التي تتعطش لتوسيع صادراتها الصناعية إلى أوربا الشرقية والشرق الأوسط واسيا هرباً من الركود الاقتصادي القادم لكن يمنعها الخوف من رد الفعل الانجلوأمريكي الذي كان دائماً يعتبر التعاون القاري بين دول أوربا الغربية والشرقية واسيا تهديداً لنفوذ الإمبراطورية البحرية البريطانية كما أن هذه الستراتيجية قد أصبحت جزءاً من رغبة الصين وروسيا والهند بخلق «عالم متعدد الأقطاب» وكان رئيس الوزراء الروسي السابق يفجيني بريماكوف قد عبر عن ذلك صراحة حين أعلن أثناء زيارته إلى الهند في آخر شهر ديسمبر عام 1998 ثلاثة أيام بعد عملية القصف الأمريكية البريطانية ضد بغداد عن رغبة بلاده بتأسيس التحالف الثلاثي بين الهند وروسيا والصين. من ناحية أخرى كان هذا المشروع الذي يركز على تطوير البنية التحتية وتنمية المناطق الداخلية الواسعة لدول شرق وجنوب شرق آسيا بمثابة الرد على الأزمة الاقتصادية الآسيوية التي اجتاحت المنطقة بعد عام 1997 نتيجة المضاربات العالمية ضد عملاتها وأيضاً التركيز الشديد لهذه الدول على الاعتماد كلياً على صادرات السلع الاستهلاكية إلى العالم الصناعي. والاهم من كل ذلك، أن دولاً مثل الصين وروسيا والهند وإيران تتبع ديانات وعقائد مختلفة بشكل كبير عن بعضها البعض لكن تمكنت من جسر الهوة التي تفصلهم عن طريق البناء على مصالحها المشتركة . هذا النوع من التعاون سيساعد بالتأكيد في محاولة إزالة أسباب الصراع بين بعض هذه الدول الكبرى والاقليات المسلمة فيها مثل مشكلة الشيشان في روسيا والمسلمين في الصين وقضية كشمير التاريخية في ظل ظروف تعاون اقتصادي وتجاري ستجنح هذه الدول إلى محاولة التوصل إلى حلول عملية لهذه المشاكل حفاظاً على مصالحها الاقتصادية عند الأطراف الأخرى. لكن ما علاقة التفجيرات في نيويورك وسياسة شارون بهذا التوجه الاقتصادي في اوراسيا؟ صراع الحضارات إن انهيار أسواق المال الأمريكية والأوروبية الغربية واحتمال تدهور سعر الدولار وحدوث ركود قد يستمر طويلاً سيذهب بنصف القوة الاستراتيجية لأمريكا وحلفائها الغربيين في حلف الناتو وما سيتبقى لهم هو القوة العسكرية وفي ظل عدم قيام الدول الغربية هذه بإعادة النظر في النظام المالي الحالي الذي أدى إلى هذه الأزمة وبناء نظام جديد مبني على أساس التجارة العادلة والتنمية الاقتصادية الحقيقية لدول العالم النامية وتغيير سياسة الإقراض الاستعبادية وشروط صندوق النقد الدولي الظالمة، فإنه ليس من المرجح أن يكون هنالك حل للازمة المالية والاقتصادية العالمية . ويوجد في أوساط مؤثرة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي من يروج لاستخدام حالة الحرب بين إسرائيل والفلسطينيين لخلق أزمة عسكرية «وصراع حضارات» عالمي يعيد لحلف الناتو سيطرته على الشئون السياسية في العالم. لكن لن يتم هذا الأمر إذا بقي الصراع العسكري محدوداً بين إسرائيل والفلسطينيين، إذ لا بد من توسيع دائرة الصراع حتى يمكن تحويله إلى حرب دينية تجتاح معظم القارة الاوراسيوية. وبعض أبرز هؤلاء المخططين الإستراتيجيين هم زبيجنيف بريجينسكي مستشار الأمن القومي السابق صاحب نظرية «قوس الأزمات» الذي كانت تعني خلق طوق من الحروب الإقليمية والدينية وغيرها على طول حدود الاتحاد السوفييتي مع دول العالم الإسلامي من بنجلاديش وكشمير وأفغانستان مرورا بإيران والعراق ومنطقة الهلال الخصيب نزولاً إلى السودان وهناك صمويل هنتنجتون صاحب نظرية «صراع الحضارات»، واليكساندر هيج وزير الخارجية السابق الذي طالب إسرائيل بضرب المفاعل النووي الإيراني في بوشهر أثناء حديثه مع مجلة جيروزاليم بوست في شهر تموز الماضي وهنري كيسنجر الذي لا يحتاج إلى تعريف . وهناك قائمة طويلة من هؤلاء لكن نركز على هؤلاء بسبب تأثيرهم ومدى خطورة أفكارهم. يقول كيسنجر في كتابه الأخير المعنون هل تحتاج أمريكا الى سياسة خارجية أن الأزمة الاقتصادية العالمية هي أكبر تهديد للديمقراطية المعاصرة ثم يضيف: إن وقوع أزمة مالية مهمة أخرى في آسيا أو في الديمقراطيات الصناعية، سيعجل بالتأكيد جهود دول آسيوية للحصول على سيطرة أكبر على مصائرها السياسية والاقتصادية عن طريق خلق بديل آسيوي للنظام الإقليمي الحالي إن بروز تكتل آسيوي معادي يضم مزيجاً من أكثر دول العالم كثافة بالسكان وأكثرها وفرة في الموارد الطبيعية وأكثرها تقدماً من الناحية الصناعية لن يكون في المصلحة القومية لأمريكا» ويقترح كيسنجر في كتابه أن تتحول أمريكا الى النظام الإمبراطوري كسابقتها بريطانيا . حيث ستدير أمريكا شئون العالم عن طريق سياسات توازن القوى أي ضرب دولة بأخرى وشعب بآخر وطائفة بأخرى، ومن ثم التدخل عسكرياً «لإدارة هذه الازمات». مكمن الخطر في العملية الإرهابية في نيويورك وواشنطن هو أنها من البشاعة بحيث يمكن استغلالها لتعبئة الشارع الأمريكي وراء «صراع حضارات» فعلي بين أمريكا ودول العالم العربي والإسلامي بالتنسيق مع إسرائيل، كما حذر السياسي الأمريكي ليندون لاروش كما أن غلاة الصهاينة الذين يحضون بدعم اليمين المسيحي المتطرف يعدون العدة منذ فترة للتأهب لمعركة «هيرماجدون» الفاصلة ومجيء المسيح المخلص، إذا تمكنوا من تدمير الحرم القدسي الشريف وبناء هيكل سليمان المزعوم مكانه وسوف يكون من السهل نشر حالة من الفوضى والحرب الدينية في كل الشرق الأوسط وربما يتم توريط دول عربية وإسلامية مثل سوريا والعراق وإيران في مثل هذا الصراع . لذلك، يمكن القول أن من قام بالتخطيط لهذه العملية الإرهابية ونفذها كائنا من كان قد وفر فرصة ذهبية للدوائر والمؤسسات الغربية الحاكمة التي كانت في الشهور الأخيرة تنظر غير مصدقة إلى تلاشي إمبراطوريتها المالية التي طالما حيكت عنها وعن نموها وازدهارها الأبدي الأساطير، قد وجدت في هذه الأزمة والصراع في الشرق الأوسط وسيلة لإعادة سلطانها وسيطرتها في العالم، لكن بقوة السلاح هذه المرة. بقلم: حسين النديم ـ كاتب عراقي ـ السويد