عصفت متغيرات عقد الثمانينيات من القرن الماضي بالنظام الدولي الذي ترسخ بعد الحرب العالمية الثانية، وبحلول التسعينيات كان المعسكر الاشتراكي ينهار وتنهار معه القطبية، ومعه انتقل الحديث عن الحرب الباردة وتوازن الرعب من مجال السياسة الى علم التاريخ. ومنذ ذلك الحين ودارسو العلاقات الدولية يسعون لتحديد عناصر نموذج فكري يفسر انماط السلوك الدولي ويتنبأ بمساراتها المستقبلية، وفي هذا السياق طرحت عدة نماذج نظرية بدأت «بنهاية التاريخ» والاعتقاد بان الصراع الانساني حسم لصالح القيم الليبرالية والراسمالية باعتبارها المرحلة النهائية للمسيرة البشرية. آخرين وجدوا ان التحديات والمخاطر المشتركة التي تواجهها الانسانية من تدهو للبيئة وانتشار اسلحة الدمار الشامل وتفشي تجارة المخدرات ومرض الايدز ستدفع المجتمع الدولي للتوحد حول مجموعة من القيم الانسانية، وسيسهل التطور التكنولوجي وتحديدا في مجال الاتصالات المضي قدما في هذا الاتجاه، تعززه جهود المؤسسات الدولية والشركات متعددة الجنسيات وتجاوزها لمستوى العمل القطري واستهدافها المجتمع الدولي برمته. التفاؤل بتكاتف البشرية لمواجهة المستقبل لم يمنع اخرين من طرح نموذج تحليلي لمسار العلاقات الدولية يقوم على اساس اتساع نطاق صراع الهوية الوطنية واتجاه العالم الى مزيد من التشرذم والنزاعات المسلحة. وعلى الرغم من الحوارات والنقاشات التي دارت في العديد من المنتديات والندوات وعلى صفحات المجلات والدوريات حول مدى صلاحية هذه النماذج في تفسير افاق السياسة الدولية وامكانياتها في استشراف الافاق المستقبلية لمسيرة الشأن العالمي، فان النموذج الذي استحوذ على القسط الاكبر من الاهتمام الفكري والسياسي والاعلامي لم يكن ايا من هذه النماذج، بل كان للاطروحات النظرية لصمويل هنتنجتون حول «صراع الحضارات» وعلى الرغم من اقرار هنتنجتون في مقال له بعنوان « ان لم تكن حضارة فماذا تكون» بان نموذجه الفكري لا يمكنه تفسير كافة مظاهر التفاعل الدولي او التنبؤ بها بدقة كافية ان الصدام بين الحضارات هو محاولة لتحديد عناصر نموذج مابعد الحرب الباردة، ومثلما هو الحال في اي نموذج، فان نموذج الحضارات لا يفسر كل شيء، بل احداث مهمة مثل غزو العراق للكويت لا يفرسها او يتنبأ بها فان اطروحاته ظلت تفسر الكثير من التطورات المهمة في الشئون الدولية على الاقل من منظور المدافعين عنها. تنين وأفاع فتحت اطروحة صراع الحضارات الباب على مصراعيه لاكتشاف عمق القلق المهيمن على تفكير بعض الدوائر الغربية تجاه المستقبل. وقلق هذه الدوائر لا يعود لخشيتها من فقدان تفوقها الحضاري الذي تتمتع به منذ القرن الخامس عشر، فهي على ثقة بان القرن الحادي والعشرين سيظل ايضا قرنا غربيا، لكن قلقها مبعثه تبلور احساس متزايد لدى ابناء الحضارات الاخرى بشخصيتهم المميزة وتفردهم وقدرتهم على اضفاء الطابع الحداثي على انماطهم المعيشية وسلوكهم القيمي دون ان يتماهوا في الغرب ويذوبوا فيه. وبالطبع كان القلق الغربي الواضح في دعوة هنتنجتون لـ «تدعيم التعاون والوحدة المتزايدين داخل حضارته وخصوصا بين العنصرين الاوروبي والامريكي الشمالي .. والحد من توسع القوة العسكرية للدول الاسلامية والكونفوشيوسية .. واستغلال الخلافات والنزاعات بين الدول الكونفوشيوسية والاسلامية .. وتقوية المؤسسات الدولية التي تعكس المصالح والقيم المشروعة للغرب «فرصة للمتشددين في جميع الحضارات لدق طبول الحرب والتبشير بحروب حضارية يسيطر المعتقد الديني عليها ويوجهها لتعود البشرية الى معارك العصور الوسطى بالقدرات النووية للعصر الحديث. وحيث انني ا كتب للعارفين بلغة الضاد، وتنصب اهتماماتي بمصير منطقة الشرق الاوسط وسكانها، فاني اتساءل حول الاتفاق التي يمكن ان تأخذنا اليها دعوة بعض الدوائر الفكرية في العالم العربي والاسلامي بتحدي الغرب والدخول معه في صراع حتى وان كان عسكريا؟ ومثل هذه الافكار تبدي لي رقصا على ايقاع نغمات اليمين الغربي، وانسياقا متسرعا للدخول في معركة نحن غير مؤهلين لها ولا نملك الحد الادنى للاستمرار فيها طويلا ومواصلتها، بل معركة لا تلقي بالا لمستقبل الحضارة الاسلامية والمصير الانساني وتطورها. ان تراجع الحضارة الغربية عن ادارة زمام المسار البشري في تطوره الراهن يبدو للوهلة الاولى امراً مبهجا للكثيرين، ولكنه امر غير واقعي فلا بديل للقيادة الغربية حاليا، وتراجعها او انسحابها المفاجيء من الساحة الدولية سيطلق العنان لتغيرات ضخمة لا يمكن استساغتها وسيكون الانسحاب الغربي مدمر بصورة قد تفوق بكثير صلفه وسيطرته ان تصور القضاء على الحضارة الغربية هي دعوة لقتل تنين الغابة الذي يهدد الجميع لكنه في الوقت ذاته يمكنه السيطرة على مجمل الوضع ومنعه من الانهيار الشامل، بل ان «الآخرين» يمكنهم رؤيته بوضوح وتفاديه اما القضاء عليه فسيخلق ثعابين وافاعي .. تنتشر هنا وهناك .. تنقض من حيث لا ندري .. وتلدغ فتميت ولن يسمح لنا صغر حجمها وسرعتها وقدرتها على التخفي والانقضاض بالتعامل معها او السيطرة عليها. ان الصراع مع الغرب لن يعود بالفائدة على اي طرف من الاطراف وان عاد بالفائدة فلن يكون في صالح العرب والمسلمين، واذا كان هنتنجتون يرى «ان للاسلام حدود دامية» فان الدماء التي تسيل غالبا ما تكون دماء المسلمين الذين يخسرون الكثير كلما استدرجوا للصراع. صراع أم حوار؟ ان «الاشتباك» مع الآخر ـ واعني هنا الغرب ـ يتطلب توفر شروط موضوعية غير متوفرة حاليا في الحضارة الاسلامية والعالم العربي، بل يمكن الجزم بانها غير متوفرة بعد لكافة الحضارات المنافسة للغرب، واذا كانت القدرات العقلية ليست حكرا او حصرا على حضارة ما او مجتمع بعينه، فان التفاعل الفكري مع الغرب والاحتكاك السلمي من خلال الحوار المكثف والهادف والبناء مدخل حقيقي لتفادي الرقص على طبول الداعين لصراع الحضارات. واذا كان من الصواب الاقرار بأن الحضارتين الغربية والاسلامية نموذجان مختلفان في عدد كبير من اسسهم ومنطلقاتهم الفكرية، بل ورؤيتهم حول الدور المنوط بالانسان في اعمار الكون وكيفية صياغته لانماط علاقاته مع الله والفرد والمجتمع، فان احد جوانب الاختلاف الاساسية هي الموقف من التاريخ. على الجانب الآخر يقود الغرب العالم وهو يعلم ان رصيده من العمق والاصالة التاريخية اقل مما تتمتع به الحضارتين الاسلامية والكونفوشيوسية. فميراثه من المذهب العقلي للفلسفة اليونانية ليس حصرا عليه فقط اذ شاركته الحضارة الاسلامية في اجزاء كبيره منها، ومن ثم فان افتقاد الغرب لميراث تاريخي عميق يجعله اسير اللحظة التاريخية الراهنة، وان امتدت خمسة قرون. ولربما كان في افتقاد الغرب لعمق الحس التاريخي تفسيرا لعجزه عن تفهم مشاكل العالم الاسلامي والفشل في المساهمة في ايجاد حل لها، كما ان احساسه بالهيمنة على الحاضر، وثقتة في تملك المستقبل، يعزز مشاعر التفوق لديه والتعالي على الاخر وتجاهله، ولا غضاضة في تهميش الآخرين في مواضيع الحاضر، ولا مانع من اقصائهم من الحوار في قضايا المستقبل. وبين الاغراق في الماضي لدى الصفوة الثقافية في العالم الاسلامي والافراط في النزعة المستقبلية لدى الحضارة الغربية، تصبح شروط الاشتباك متوفرة، ونزع فتيله لن يتم الا بحوار صريح ومكثف يقر فيه الغرب ـ فعليا ـ وليس بكلمات دبلوماسية بموقع الحضارة والعالم الاسلامي من المساهمة في تطور الشأن العالمي، ويقر فيه المسلمون بامتلاك الحضارة الغربية لمقومات القيادة في المرحلة الراهنة من التطور الانساني. ان الاستعداد لاجراء حوار مثمر بين الاسلام والغرب لا ينفي امكانية اندلاع الصراع، ولكنه على الاقل يخفف من حدته ويضمن بقاءه ضمن اطر محددة يمكن السيطرة عليها والتحكم فيها والحوار المستهدف يتطلب بطبيعته الاستمرارية الدائمة والتبادل التام والحر للافكار. ان الحضارة الغربية تحتوي على العديد من القيم التي تفسر التقدم المذهل للجنس الانساني خلال القرون الخمس الماضية. والعالم الاسلامي في امس الحاجة الى تبني العديد من هذه القيم، دون الاحساس بمنغصات فكرية من الاقرار بتفوق المنظومة الحضارية الغربية وريادتها، او شعور بدونية تاريخية لاقتباسنا هذه القيم من الآخرين، ويتم هذا بالحوار الهادف والعقلاني، والا فان البديل صراع دام ربما اسس بالفعل «لنهاية التاريخ». بقلم: هشام بدوي ـ كاتب مصري