كان فرانسيس فوكاياما واعيا وهو يصوغ نظريته حول نهاية التاريخ، انه إنما يعيد صياغة نظرية دينية، طالما دأب المفكرون العلمانيون الاوروبيون على اعادة صياغتها، بعد تفريغها من مضامينها اللاهوتية التي شبّعها بها رائدها الذي تولى مهمة صياغتها الأولى وهو المسمّى بالقديس أوجستين، الذي عاش بالجزائر وأوروبا، وترك بصماته واضحة على تطور الفكر السياسي الغربي بابتكاره لنظرية «مدينة السماء» التي تجلب معها السلام والخير الأسمى لبني الانسان وتصبغهم بروح السيد المسيح عليه السلام، وبها تُختتم صفحات هذه النظرية ذات الطابع الروحي المتفائل أثرت تأثيرا هائلا على مسار الفلسفة الاوروبية. ويرسّم خطاها عدد من فلاسفة عصر «التنوير» التقدميين الذين أشاروا الى ان خط التاريخ هو في حركة صعود مستمر لا يتقهقر، تماما كما ذكر أوجستين، ولكنهم خالفوه عندما أكدوا ان حركة التاريخ لا تتصاعد الا بعد حذف مكوِّن سلبي يركض بها، أو يرجع بها الى الوراء، وهو نفس المكون الذي ذكره أوجستين كمحرك تقدمي لخط التاريخ، ألا وهو الدين، وهكذا دعا الفلاسفة التنويريون أمثال سان سيمون وأوجست كونت وشتال الى حذف الدين واعتماد العقل وحده محركا تقدميا لخط التاريخ، وظلت تلك الفكرة سندا لكل الفكر الليبرالي اللاحق، وقد استوحاها كذلك الثوريون بمن فيهم الماركسيون. مصادر فوكاياما وكنت أظن ان فوكاياما إنما استقى نظريته تلك من تراث الجدل الهيجلي الذي طوّر تراث التنويريين التقدميين، ولكن من دراسة تاريخ فوكاياما نفسه، اتضح انه تتلمذ في الجامعة على يد مفكرين من مدرسة لي شتراوس الذي قضى عمره يطور تراث أوجستين، لقد تتلمذ فرانسيس فوكاياما على يد البروفيسور الامريكي الشهير «آلان بلوم» ـ أشهر تلاميذ شتراوس ـ وقد دفع بلوم بتلميذه النابغ فوكاياما الى دراسة آثار المفكر الروسي المتفرنس الاسكندر كوجييف وهو الآخر تلميذ لشتراوس، وكان قد أطلق نبوءته بانهيار الاتحاد السوفييتي خلال الاربعينيات، وقال بأن كل الايديولوجيات ستنحسر ما عدا نمط الحكم الليبرالي الامريكي الذي تنبأ له بأن يصبح الانموذج الأمثل الذي تتنادى كافة المجتمعات الانسانية بتمثله واحتذاء خطاه، فأتى فوكاياما ليسمي ذلك بنهاية التاريخ. هذه الفكرة عن نهاية التاريخ لتراث الفكر الهيجلي من أكثر من وجه. فمن ناحية كان هيجل يقرر في في جدله بأن «الصالح» لا ينتج الا من «الطالح» نفسه، بعد ان يفنى ويتحول على نحو جذري حاسم الى شيء مضاد له تماما، ان هيجل قد رفض أية فكرة للتطور التدريجي، فالتطور لابد ان يكون ثوريا، والوضع الجديد لابد ان يستخلص تماما من قلب القديم ويحل محله، وبالطبع فهذا ما لم يحدث حين انهار الاتحاد السوفييتي بنمطه الايديولوجي الشيوعي، فالنظام الليبرالي الذي يبشر به فوكاياما ختاما للتاريخ لم يستخلص من صلب التراث الماركسي وإنما كان موجودا وجودا ذاتيا من قبل. ومن ناحية ثانية، فإن هيجل ما كان يؤمن كثيرا بالفكر الليبرالي ولا يرى فيه ختاما للتاريخ، بل كان يؤمن بالدولة التي يسمو سلطانها على كل المصالح الفردية، بل ويسمو على القانون نفسه، ولذلك فقد سمح للدولة ان تخضع الحق للقوة، وان تكون مشروعيتها فوق مشروعية القانون. وبالطبع، فهذه ليست أفكار فوكاياما الذي حاول ان يلتصق التصاقا حميما بالفلسفة، وان يكون عالما سياسيا في نفس الوقت، وان ينتهز الفرصة التي سبقت بسقوط الاتحاد السوفييتي ليبشر بشيء جديد ليس فيه أصالة الفلسفة، ولا احكام العلم السياسي، وإنما حتميات الايديولوجيا التي جاء ينظر لنهايتها، وهذا هو أول مكمن من مكامن التناقضات التي حفلت بها دعوة فوكاياما، فهو إذ يدعو لسيادة الليبرالية الى الأبد، لا يبدو لنا ليبراليا، لأنه يلغي الافكار الأخرى، ويحكم عليها بالفناء، ويقدم المشروعية، ويدعو لممارسة العنف ضدها، ويمهد للسيطرة المطلقة للايديولوجية الليبرالية بوجهها الرأسمالي لتتحكم بها في الواقع المعاش فقط، وإنما في المستقبل على كل امتداداته، والتصدي بالقمع لكل من يعترض ذلك المصير. مطبات التاريخ إن فوكاياما لم يقل بأن التاريخ كله قد انتهى بالفعل، وإنما أشار الى ان نهايته التامة تأتي باعتناق الكل للفكر الليبرالي، وهذه بمثابة الحتمية عنده، وهاهو يتحدث عن الاتحاد السوفييتي السابق باعتباره الآن حبيسا في أحد مطبات التاريخ: «يستطيع الاتحاد السوفييتي السابق ان يخرج من موقعه التاريخي الحالي ليتدهور الى وضع سابق تاريخيا، كما ان بامكانه ان يتبع ارشاد الغرب فيتقدم صعداً في خط التاريخ». وأما بقية العالم غير الليبرالي، فينطبق عليه تماما ما ينطبق على الاتحاد السوفييتي السابق، ولذا يستعجل فوكاياما جميع أقطار العالمين الثاني والثالث لتلحق بالعالم الأول الليبرالي والا فإن العالم لن ينعم بالسلام بسبب من بقايا الايديولوجيات الراكدة تحت سقف التاريخ. ولذلك يتهم فوكاياما دول العالم غير الليبرالي باشعال نار الحرب، كما يتهمها باستغلال الايديولوجيا لغير ما غرض موضوعي. إذ لا توجد أي ايديولوجيا ـ باستثناء الليبرالية ـ تدافع عن مصالح الافراد أو الأمم وليس فيما وراء الايديولوجيا الا الدعوة للخراب. إن وهن الايديولوجيا الحالي يدعو للقضاء عليها سريعا وتجاوزها، لا الى التحاور أو التفاعل معها، أو اعطائها أية وجهة نظر ايجابية. لاشك ان فوكاياما قد تجاوز بوهج الزهو بالانتصار الذي حققه الغرب على الاتحاد السوفييتي السابق، كل مقولات الآباء التأسيسيين لعلم السياسة الحديث أمثال سيمور مارتن ليبث ودانيال بيل وبيزنسكي، بل وصمويل هنتنجتون نفسه. لقد لاحظ العالمان الأولان ان الاطروحة الرأسمالية قد راجعت نفسها كثيرا ونحت نحو اقتباس احتياطيات كثيرة من الفكر الاشتراكي لتقيد بها اقتصاد السوق، وكذلك فعل الاصلاحيون بالفكر الاشتراكي بسوقهم له نحو تبني بعض شروط اقتصاد السوق، قد لاحظ العالمان الأخيران في كتاب لهما صدر في عام 1964، ان أوجه التشابه بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي ستكون أبرز خطوط مستقبل الحضارة الانسانية، مع انهما نفيا أي احتمال لاندماج النظامين المختلفين أو انهيار احدهما، لينتصر الآخر ويتوج تاريخ نضال الانسان الفكري والسياسي على السواء، ولكن فوكاياما افتقد كل مرونة هؤلاء بحكمه الجزافي على كل الايديولوجيات بالفناء، وحكم لليبرالية بأن تصبح «الدين» البشري الأخير. فرضيات النظرية وإنما تصبح الليبرالية نهاية التاريخ لأنها تسمح بتلبية كل حاجات الانسان، إذ تسمح بالملكية الخاصة وتطويرها، وتشجع المبادرة الفردية، والمشاركة السياسية، وتحقق المساواة أمام القانون، ومن دفع الملكية الخاصة، والمبادرة الفردية، وحماية القانون، تكتمل سيطرة الانسان بواسطة التكنولوجيا على مصادر الطبيعة، وتسود الرفاهية، ويتحرر الانسان نهائيا من ربق الحاجة، وذل الفقر، كما تؤدي التكنولوجيا من ناحية أخرى الى تشكيل الثقافة الانسانية الجديدة التي توحد بين البشر عبر محيط العالم، وهي ثقافة عمادها هجر التعصب للايديولوجيات التي كانت أصل الشرور والحروب. هذه الفرضيات التبسيطية كان يمكن قبولها لو آمنا أولا ان حاجات النوع الانساني حاجات مفهومة ومحددة المقدار، ولو آمنا ثانيا انها حاجات متشابهة بمعنى ان البشر جميعا يشتركون فيها بلا استثناء، ولو آمنا ثالثا بأن تلك الحاجات قابلة فعلا للاشباع، ولو آمنا أخيرا بأن الدول التي وصلت الى سقف التاريخ، وهي الدول الليبرالية حسب توصيف فوكاياما، قد قدمت لنا دليلا عمليا واحدا على ما سبق، أي لو انها كفت عن سلوك الهيمنة والتطفل على ثروات الشعوب التي لم تصل بعد الى حد التاريخ! تناقضات النظرية وهنا تسفر احدى تناقضات نظرية فوكاياما، إذ يقرر ان تاريخ الانسان يقوده نزوع الانسان نحو التفوق والحصول على اعتراف وتقدير الآخرين، وذلك ما حصل عليه الانسان الغربي بنضاله المستميت ضد الايديولوجيا الاشتراكية حتى قهرها ونال ذلك الاعتراف الكبير.. يقول فوكاياما «ان حب الظهور والتفوق كان رائد كفاح الانسان منذ فجر التاريخ، وقد ظل الانسان يخوض المعارك حتى الموت ليظفر بذلك المجد المرموق. وقد أدت تلك المعارك الى ظهور طبقة الارستقراط المترفعة ذات القيم العليا، وكذلك طبقة العبيد التي منتهى أملها ان تسود المساواة بين البشر، لا ان تحصل على شرف التفوق والاعتراف». هذا التطلع البرجوازي نحو المجد يعدّه فوكاياما نبلا وشوقا روحيا يتعالى على المطالب المادية، ويضحي بهذه المطالب كما يضحي بالروح العزيزة حتى يتحقق ذلك المطلب العلوي العسير، وهذه هي الفضيلة الأساسية التي يميزها فوكاياما بين طبقة «الأحرار» وطبقة «العبيد» التي يضعها قريبا جدا من مرتبة «الانعام والدواب»، ولكنه مع ذلك يعود ليمجّد )الليبرالية ـ منتهى التاريخ( لأنه ستخفف حدة هذا الصراع، وحدة تلك الفوارق السحيقة بتحقيقها لمطلب «العبيد» المقهورين في المساواة. وبعد ذلك فإن فوكاياما الذي يبشر بالليبرالية نهاية سعيدة للتاريخ، سرعان ما يفاجئنا بأفكار تصادم تلك البشرى. وهاهو يبدي أسفه لأن الليبرالية تؤدي الى خمود طموح السادة التواقين الى المجد والى الخلود، وتهبط بهم الى مدارك البشر العاديين، أي «العبيد»، وتجعل من الحياة برمتها متاعا ماديا مجردا من التطلع البعيد، ومن التوق الى ذرى الروح، وهاهنا يعيش البشر جميعا كحيوانات «لا تستثنى من ذلك الا عصابات الإجرام التي يجرؤ أفرادها على المخاطرة والتضحية بأرواحهم في سبيل حب الظهور وانتزاع اعتراف الآخرين ببطولاتهم وتميزهم على سائر القطيع». إن رتابة الحياة التي يجلبها نمط الحياة الليبرالية المرفهة ستؤدي مجددا الى اضمحلال حياة الانسان، وقد تدفع به الى ان يهبط من قمة هرم التاريخ الى سفحه ليبدأ نضاله الشاق من جديد، وتلك واحدة اخرى من نقاط عدم الاتساق في نظرية فوكاياما عن نهاية التاريخ، ولكنها يمكن تفسيرها بنزوع صاحبها نحو التلفيق والتردد ما بين المطالب الدينية الاصيلة لأوجستين، والمطالب المادية التي صاغتها فلسفة عصر التنوير. عرض ونقد: د. محمد أبو ابراهيم ـ استاذ العلاقات الدولية ـ واشنطن