منذ فجر التاريخ الانساني والصراع موجود، سواء بين الانسان واخيه الانسان (قابيل وهابيل) او بين الانسان والعوامل الطبيعية المختلفة، من وحوش ومناخات وغيرها. غير ان الصراع بمختلف انواعه وفي كل مراحله، لم يوصف بانه «نشاط حضاري» او من «الموروث الحضاري الانساني»، ولا يمكن ان يكون كذلك. فالحضارة بعناصرها ومفهومها الشامل، هي خلاصة ما انتجه الانسان او توصل اليه من ابداعات واكتشافات، او هي بمعنى اخر الجانب المضيء في تاريخ الانسانية منذ اقدم عصورها وحتى اليوم.. بينما الصراع هو احلك جوانب هذا التاريخ واكثرها بعداً عن التحضر والرقي. لكن في كل عصر من عصور الحضارة والتاريخ، هناك منتفعون من اشعال الصراعات واتساع بؤر الظلام التي تسمح لهم بتحقيق الاهداف والغايات التي يعجزون عن الوصول اليها تحت مصابيح الحضارة وانوار القيم الانسانية. والمتصفح لكتاب صمويل هنتنجتون الذي وضعه تحت عنوان رئيسي هو «صدام الحضارات»، يجد انه لا يخرج عن اطار هذا النمط من «المنتفعين»، رغم الجهد البحثي والمعلوماتي الكبير الذي بذل في اعداده وتأليفه. ورغم محاولات المؤلف المكثفة لاخفاء هذه الحقيقة والظهور بمظهر الباحث الموضوعي المتجرد، الا ان العنوان الفرعي او التفسيري لعنوان الكتاب الرئيسي، وهو «اعادة صنع النظام العالمي»، يكفي وحده دليلاً على الاهداف الحقيقية للمؤلف وفكرته او نظريته حول «صراع الحضارات»! لقد اختصر الكاتب اليهودي الامريكي «هنتنجتون» العالم كله في «نحن» اصحاب «الحضارة الغربية»، و«هم» باقي العالم بكل ما فيه من امم وشعوب وثقافات متنوعة، وحضارات اثرت التاريخ الانساني كله واسست للحضارة المعاصرة التي يدعي هنتنجتون ملكيتها الخاصة! لكن الاخطر من ادعاء الملكية هذا، هو افتعال صراع حتمي بين «الحضارات»، اي ان يكون العالم كله في حالة صراع شامل ودائم. والمفارقة العجيبة في هذا الطرح الجهنمي انه يتطابق كلياً، لا جزئياً فقط، مع ما جاءت به «بروتوكولات حكماء صهيون» قبل ما يزيد على مئتي عام! فهل هذا مجرد مصادفة، ام ان «صراع الحضارات» ما هو الا طبعة جديدة ومنقحة لتلك «البروتوكولات»؟! عبدالله اسحاق