اذا كان فرانسيس فوكاياما قد انتهى الى ان التطور في خط التاريخ البشري قد انتهى بانتصار الايديولوجية الليبرالية الغربية واندحار الفكر الاشتراكي، فإن صمويل هنتنجتون يزعم ان أعنف معارك التاريخ هي التي لم تأت بعد، وان تلك المعارك لن تكون على صعيد الدول القومية، ولا على صعيد المحاور الايديولوجية، وإنما ستتطور الى مستوى أعلى هو مستوى الحضارات البشرية التي هي أوسع كيان ثقافي ينتمي اليه الانسان. وحدة التحليل عند هنتنجتون إن وحدة التحليل عند هنتنجتون هي الحضارة، ومع انه يعترف بأن العامل الحضاري عامل معقد شديد التعقيد، الا انه يزعم مع ذلك انه قد سيطر عليه ولكن مجرد الاطلاع العابر على تعريف هنتنجتون للحضارة يؤكد انه لم يصل الى تعريف دقيق الحد لذلك المفهوم، وذلك بالطبع مما يدعو الى الشك في دعوى السيطرة على ذلك العامل وامكان استخدامه بتلك البساطة كوحدة قليلة في تلك القضية العويصة، ثم الخروج من ذلك التحليل بنتائج حاسمة تتمثل في شكل «نبوءات» و«حتميات» عن صدام الحضارات البشرية. الحضارة عند هنتنجتون «هوية ثقافية».. هذا هو تعريفه لها، وعندما يدرك انه تعريف هلامي وبعيدا جدا عن ان يكون تعريفا جامعا مانعا كما يقول «المناطقة» فإنه ينعطف نحو مزيد من الشرح والايضاح، فيردد ما هو معلوم لطلاب السنة الأولى في أقسام دراسات علم الاجتماع بالجامعات، فيحدثنا عن ان الهوية الثقافية تترادف وتندرج في الانتماءات الأكبر. إن ثقافة قريبة من قرى الجنوب الايطالي، قد تختلف عن ثقافة قرية في الشمال الايطالي، ولكن كلتا القريتين تشتركان لا محالة في خصائص الثقافة القومية الايطالية الجامعة، وهذه الثقافة الجامعة هي التي تميز كل القرى الايطالية عن القرى الالمانية مثلا. ولكن ذلك لا يمنع ان كل القرى الاوروبية تجتمع تحت ظل ثقافة أوسع هي ما يسمى بالثقافة الاوروبية وهي الثقافة التي تميز كل القرى الاوروبية عن القرى العربية أو الآسيوية. هذا المستوى الثقافي الأخير هو ما يعنيه هنتنجتون بالحضارة وهو تعريف غير محكم، لأن صاحبه سرعان ما يأتي للخلط وينقض ما سبق ان أبرمه. إن هنتنجتون ليس مؤرخا ضخما كتوينبي مثلا، ولا عالم اجتماع ضليع كماكس فيبر، ولذلك فهو ينزلق في الاخطاء المتوالية. انه يقول مثلا في تأكيده لتعريفه ذاك للحضارة «ان العرب والصينيين والغربيين ليسوا جزءا من أي كيان حضاري أوسع». وهذا خطأ محض، لأن العرب جزء من الحضارة الاسلامية التي هي الوحدة الكبرى، ولا يوجد شيء يسمى بالحضارة العربية بمعزل عن الحضارة الاسلامية ولا شيء يسمى بالحضارة الاسلامية بمعزل عن الثقافة العربية. إن خطأ هنتنجتون هنا هو ان مرادفته ما بين العرب والاسلام وعدم ادراكه ان العرب لا يمثلون أكثر من ربع مسلمي العالم الذين تمتد رقعتهم الجغرافية حتى في أوروبا وفي الصين، وهو الأمر الذي يلغي مقولة هنتنجتون الثانية بأن الغربيين أو الصينيين لا يمكن ان يكونوا جزءا من أي كيان حضاري أوسع. تواصل التمايز بين الحضارات وفي اعتقاد هنتنجتون فإن عالمنا المعاصر يتشكل من حضارات سبع أو ثمان هي الحضارة الغربية والكنفوشيوسية واليابانية والاسلامية والهندية والسلافية الارثوذكسية والامريكية اللاتينية، وربما يمكن اضافة الحضارة الافريقية ببعض التساهل، هذه الحضارات بالتعريف السابق لها هي أشد تجذرا في الأرض، وفي الحياة الانسانية من الايديولوجيات الطارئة التي تظهر وتعمّر حينا من الدهر ثم تختفي، أما هذه الحضارات المذكورة فهي ذات ثوابت صحيحة عميقة عمادها اللغة والثقافة والتراث والدين، وتمتلك نظرات متباينة نحو علاقات البشر بالله، وعلاقات البشر ببعضهم البعض، وعلاقات الحاكم بالمحكوم، وعلاقات الاسرة... الخ. وهذا التباين في الافكار والآراء ليس مآله الا الاضمحلال أو الزوال بحال، مهما تكثفت وسائل الالتقاء والاتصال بين البشر، فهذه اللقاءات والاتصالات ستؤدي الى عكس ذلك تماما. إذ انها ستؤدي الى تنامي احساس كل حضارة بصفاتها المائزة التي تمنع ذوبان أهلها في الحضارات الأخرى. وأبلغ مثال على ذلك هو ما تثيره هجرة الجزائريين المسلمين الى فرنسا، من تيقظ للحس الحضاري الفرنسي، واشتعال عدائه للمسلمين. إن مثالا كهذا ـ وهو ليس مثالا فريدا برأيه ـ يحدو بنا لأن نقرر «ان التواصل والتفاعل بين الشعوب ذات الحضارات المتباينة يؤدي الى اشتعال الوعي الحضاري لدى شعب ما ويزيد حدة الخلافات والعداوات الممتدة في عمق التاريخ». وهكذا يستخدم هنتنجتون الحجة التي كان يخشى ان تستخدم ضد نظريته، يستخدمها لصالح نظريته المزعومة فهو لا يوافق على ان التواصل والتحاور الحضاري سيكون ايجابي العائد، وإنما سيؤدي الى التنافر والتناوش والتصارع وحسب. واضافة الى عملية التواصل والتفاعل يأتي عامل التحديث الاقتصادي، الذي يعتقد هنتنجتون بأنه سيزيد من حدة التمايز الحضاري بين الشعوب. ان التحديث في نظر هنتنجتون سيدمر النطاقات الثقافية الأصغر، كالثقافة المحلية والقومية ويحرر الشعوب من أسرها، وحينها لن تجد تلك الشعوب سوى البوتقة الحضارية الأكبر والتي يعتبر الدين أعظم عناصرها التكوينية، ولعل هذا هو سر انتشار وشعبية الاديان الآن، وسر تصاعد الحركات الدينية الأصولية التي «يمكن العثور عليها في النصرانية واليهودية والبوذية بقدر ما يمكن العثور عليها في الاسلام»! وفي معظم هذه الحركات لا يخفى ان أكثر المنجذبين اليها هم الشباب من نتاجات عمليات التحديث ومن خريجي الجامعات، وبالذات في مساقات العلوم والتكنولوجيا، وهؤلاء هم الذين غدوا يكافحون مظاهر العلمانية في مجتمعاتهم، وقد صدق عليهم قول جورج ويجل «ان نزع العلمانية عن العالم يمثل احدى الحقائق الاجتماعية المسيطرة على الهزيع الأخير من القرن العشرين». إن النخب المتعلمة تعليما جيدا في العالم غير الغربي غدت أكثر انخلاعا عن الثقافة الغربية من سائر تلك الشعوب التي أنجبتها، ففيما مضى كانت نخب المجتمعات غير الغربية، تلك النخب التي تخرجت في اكسفورد والسوربون وساندهيرست تجنح نحو صياغة مجتمعاتها وفق المعطيات والمعايير الفكرية والثقافة الغربية، وكانت تلك النخب تتمتع بالسلطة الكاملة في مجتمعاتها، وتمتلك القوة والموارد التي تساعدها في تحقيق رغباتها في تغريب مجتمعاتها، في وقت كانت غالبية السكان في تلك المجتمعات غارقة في ثقافاتها التقليدية المحلية. الان انعكس الوضع فإن النخب أصبحت أكثر احساسا بالهوية الثقافية لمجتمعاتها، وبينما أصبح المواطنون العاديون بتلك المجتمعات أكثر تعلقا بالقيم وانماط السلوك الغربية، ولاشك ان دور النخب في صياغة المجتمعات أكبر من دور العامة في هذا العصر، وبالتالي فستتأكد الهوية الحضارية للمجتمعات غير الغربية بصورة اكبر، وسيزداد تمايزها، بل صراعها مع الحضارة الغربية. تصادم مصالح الحضارات إن صراع الحضارات يتم ضربة لازب في تقدير هنتنجتون الجزافي لهذا الشأن الخطير، وانه يضع الأمر بهذه البساطة المثيرة «أما بالنسبة لصراع الحضارات فإن السؤال هو: من أنت؟ وهذا سؤال لابد من ان تجيب عليه، وكما تدرك بداهة فإن اعطاءك اجابة خاطئة على هذا السؤال في البوسنة أو القوقاز أو السودان يعني ان يسدد الرصاص الى رأسك فورا» وهكذا تصاغ النظرية بلغة الروايات.. وواضح ما في اللغة التي صيغت بها هذه الامثلة من التحيز والكراهية، والكراهية العارمة للعالم الاسلامي.. والمعنى السابق واضح جدا فإن اعتراف الانسان الغربي بأصول هويته في أي أرض اسلامية، قد يقود الى ممارسة العنف ضده، والغريب ان هنتنجتون لا يختار كأمثلة الا هذه الأوطان الاسلامية التي تضطهد أغلبياتها بواسطة الاقليات المدعومة بمدد الحضارة الغربية. وان هنتنجتون يتماشى مع ذلك مع تحريض الميديا الغربية العشوائي وهو مجرد «وهم» تريد أجهزة الميديا بالحاحها عليه ان تلصقه الى الأبد في ذاكرة الانسان الغربي الذي لابد ان يبقى مُفزَّعاً أبدا بذلك الخطر «الوهمي». إن هذا الصدام التلقائي «الحتمي» بين السائل والمجيب متطور على مستويين آخرين «فعلى المستوى الأول ستتصادم مصالح المجموعات التي تحتشد على خطوط التوتر الفاصلة بين الحضارات من أجل الاستحواذ على الأرض واخضاع المنافسين، وعلى المستوى الثاني ستتصادم الدول ذات الحضارات المختلفة من أجل تحقيق سيطرتها الاقتصادية والعسكرية والتحكم في المؤسسات الدولية ونشر قيمها السياسية والدينية على مستوى النظام العالمي». وهنا تنال مسألة الحدود الفاصلة بين الحضارات جل عناية هنتنجتون وهو يسميها «حدود التوتر» حيث يبرز معالم الحدود الفاصلة في أوروبا بين النصرانية الغربية، من جهة والنصرانية الارثوذكسية من جهة اخرى، ثم يعود ليركز على التهاب حدود التوتر بين الحضارتين الغربية والاسلامية ويستعرض تاريخ الحروب الصليبية بحملاتها المتتالية ومفاصل الصراع الاوروبي مع الدولة العثمانية، وموجة الاستعمار الغربي التي انداحت على العالم الاسلامي، ثم الحروب العربية الاسرائيلية «باعتبار اسرائيل ممثلة لروح ومضامين الحضارة الغربية» كما يقول. ثم قيام من سمّاهم بـ «الارهابيين العرب والمسلمين» باستخدام سلاح الضعفاء حينما قاموا بقصف الطائرات والمنشآت الغربية وخطف الرهائن. وهنا نسي هنتنجتون ان يقول ولو كلمة واحدة عابرة عن الاحتلال والارهاب الاسرائيلي الذي مازال ينصب على الفلسطينيين منذ أكثر من نصف قرن. لقد ساق هنتنجتون نظريته في صراع الحضارات على انه صراع يحدث بين كل الحضارات، ولكن طاب له فقط ان يركز على صراع الحضارتين الاسلامية والغربية، وبالطبع فإنه لم ينس ان يضع المسلمين في مقام المعتدي المبادر بالصدام، بل لم ينس ان يستل لتأكيد ذلك شهادة مزورة من أحد الكتاب المسلمين وهو الكاتب الهندي م.ج. أكبر حيث يقول «إن الحرب ستبدأ من جانب العالم الاسلامي، لأنه سيصارع من أجل تشييد نظام عالمي جديد، وان كل دول العالم الإسلامي من المغرب إلى باكستان، ستشارك في ذلك الصراع». ثم أردف ذلك بشهادة أخرى من الكاتب اليهودي المتعصب البروفيسور برنارد لويس «الذي جعل همه قبل أوانه أن يثبت أن هناك تزويراً طرأ على المصاحف القرآنية التي يعتمدها المسلمون الآن، وان له مخطوطات مصاحف تثبت وجود هذا التزوير!». وقد ذكر لويس في شهادته عن صراع الحضارات «ان العالم يشهد مزاجاً فائراً سيزيد هيجان الحكومات ويؤدي الى تضارب خططها وسياساتها، وسيؤدي ذلك كله إلى نتيجة واحدة مؤكدة، هي صراع الحضارات لا غير. وسيقوم المسلمون وهم خصومنا القدامى برد فعل لا عقلاني ضد تراثنا اليهودي ـ النصراني المشترك وثقافتنا العلمانية، وعلى انتشار تراثنا وثقافتنا عبر العالم». الشرارة الأولى من السودان وإذا كان هذان الشاهدان قد ذكرا ان الصراع سيحدث في المستقبل إلا أن هنتنجتون لم يكتف بذلك، فالصراع عنده قد بدأ بالفعل. وقد بدأ في السودان حيث تحتك الحضارة الاسلامية بعنف مع الشعوب النصرانية والوثنية. «ففي السابق كان العداء يتمثل في صورة تجار الرقيق العرب والعبيد السود، وقد انعكس هذا بصورة واضحة في الحرب الأهلية المشتعلة الآن في السودان بين العرب والسود» وبالطبع فليس أجهل من هنتنجتون بحال السودان، فهو لا يدري أن جل سكان السودان، إلا قلة ضئيلة جداً لا تعتبرهم من السود، ولو كان ذا حصافة واحتراس لتحدث عن الحرب القائمة بين المسلمين والنصارى في السودان، فهنا ربما صح التمايز وربما لم يصح، أما حديث العرب والسود فهو لغو نظري لا يتطابق مع الواقع في أي صورة من الصور.. وانما تجارة الرق المزعوم ممارستها في السودان فهي نفسها وهم كبير وأسطورة بدأت دعائمها تَميدُ، وستسقط عن قريب. الغريب أن هنتنجتون طالما صال وجال في حديث الحرب والصراع، ولم يتطرق أبداً لتجارة الرق الأوروبية والأمريكية التي كان أكثر ضحاياها من المسلمين الأفارقة في الغرب الأفريقي، كما لم يشأ أن يذكر وهو يستعرض حدود التوتر في البلقان بين المسلمين والنصارى، ما هو الطرف المعتدي، رغم انه حرص كل الحرص على ان يحدد الطرف المعتدي في الصراع الحضاري القادم الذي لم يتفجر بعد!! بين «مكة» و«بروكسل» إن هنتنجتون مؤمن بنظرية كبلنج «الشرق شرق ـ والغرب غرب ولن يلتقيا» أكثر مما آمن بها كبلنج نفسه.. ظهر ذلك جلياً في التقريرات السابقة التي جاد بها هنتنجتون، كما ظهر في تحليله الساخر للوضع الحضاري المتفسخ لتركيا الحديثة. لقد تنكرت تركيا لثقافتها الذاتية وانتهج زعماؤها خطاً موالياً للغرب و«وصفوا تركيا بأنها دولة حديثة وعلمانية وغربية» ولكن: «بينما قامت النخبة التركية بتعريف بلادهم على انها مجتمع غربي، فإن النخبة في البلاد الغربية لم تقبل بتلك الدعوى قط»، ورفضت ان تعير مطالب تركيا بدخول السوق الأوروبية أدنى اهتمام. وهكذا صرفت تركيا وجهها عن )مكة( تلقاء «بروكسل» ولكنها لم تدخل أبداً، ولن تدخلها قط! لم يكن غرض هنتنجتون مجرد السخرية وانما الاستنتاج. وقد توصل الى استنتاج ابتساري هش مؤداه «ان الدول التي لا تريد أو لا تستطيع لأسباب تتعلق بالحضارة والسلطة الانضمام تحت لواء الغرب، تسارع الى منافسته عن طريق تطوير قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية» الأمر الذي يؤدي الى التصادم والحرب مع الغرب. وهنا تدخل الصين في هذا التقرير القسري. فالصين هي احدى الدول التي لا تريد ان تدخل في عباءة الغرب، ولا تستطيع أن تفعل ولو أرادت، ولذلك فإن الخيار الوحيد المتاح أمامها، هو أن تصارع الغرب، وقد قبلت بذلك المصير وبدأت تُعد نفسها لتحمل تبعاته الضخمة المهولة. لقد بدأت الصين استعداداتها لمقارعة الغرب زيادة انفاقها على التسلح. يقول هنتنجتون: «ان الدول الغربية جميعاً قد قامت بتحقيق ميزانياتها العسكرية، وحذت حذوها روسيا. ولكن دولاً أخرى كالصين وكوريا الشمالية، وعدداً من دول الشرق الأوسط تحاول جهدها ان تضاعف مقدراتها العسكرية، عن طريق الاستيراد الكثيف للسلاح الغربي، وغير الغربي، وكذلك عن طريق تطوير صناعاتها العسكرية المحلية. إن هذه الدول تستحق تماماً تلك التسمية التي منحها إياها تشارلس كروثامير «دول السلاح» ولمكافحة خطر هذه الدول فلابد أن تعيد الدول الغربية تعريف مبدأ الرقابة على التسلح، وهو مبدأ غربي، صيغ لخدمة هدف غربي، ولذلك يستطيع الغرب أن يعيد النظر فيه». إن المفهوم ضمناً من حديث هنتنجتون هذا ان تكديس الأسلحة في الصين وفي دول الشرق الأوسط سيتضرر منه الغرب و«تبعاً لذلك اسرائيل!»، ولذلك فلابد من منع ذلك التكديس، عن طريق فرض الرقابة عليه. وإذا كان تعريف الرقابة الحالي، لا ينطبق عليه، فلابد إذن من إعادة تعريف الرقابة على التسلح، لتشمل انواعاً معينة من الاسلحة التقليدية، التي تتكاثر لدى تلك الدول. وكما هي عادة هنتنجتون فهو يتغافل عن أشياء كثيرة تفسد عليه فرضياته التي يسوقها مساق الحتميات.. إن تكديس الاسلحة لدى كثير من تلك الدول التي يعنيها، انما يتم برغبة غربية، وإغراء غربي، والولايات المتحدة بالذات هي أعظم تجار السلاح في العالم، وأكبر مصدريه لتلك الدول، ولا تزال مبيعات السلاح الأمريكي في العالم تتزايد عاماً بعد عام، ولذلك فيمكن القول ان تكديس الأسلحة لدى تلك الدول، انما يحقق مصالح غربية في المقام الأول، ويستهلك اقتصاديات الدول المعنية، ثم ان غالبية ذلك السلاح لا يستخدم في أي حرب، لا ضد الغرب، ولا ضد حليفته اسرائيل. الحلف الإسلامي ـ الكونفشيوسي وهناك وجه آخر للموضوع. فإن استيراد دول الشرق الأوسط للأسلحة من الصين، لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من مجموع استيرادها للسلاح الأمريكي، ولكن هو يتخذ من ذلك دليلاً على قيام حلف اسلامي ـ كونفشيوسي ضد الغرب، وبالطبع فهو لا ننتظر منه إلا أن يستخدم في ذلك أسلوب التهويل والتفزيع بإمكانية مهاجمة ذلك الحلف للغرب بأسلحة نووية وكيميائية. يقول هنتنجتون: «إن النمو العسكري المتواصل في الصين وتأكيدها على وضعها السيادي على مجمل الاقليم الباسيفيكي، يؤجج صراعاً عنيفاً وينعش سوق السلاح في آسيا الشرقية. والصين تعتبر المصدر الأساسي للأسلحة، وللتقنية العسكرية، وقد قامت بتصدير مواد خطرة الى ليبيا، والعراق، يمكن ان تستخدم في انتاج أسلحة نووية، وفي انتاج غاز الأعصاب، وقد ساعدت الصين دولة الجزائر على بناء مفاعل أبحاث نووية، يمكن ان يستخدم للأغراض العسكرية، كما صدرت الى إيران تكنولوجيا نووية يمكن أن تمهد سبيل انتاج السلاح النووي الايراني، وصدّرت الى باكستان قطع صواريخ بالستية يصل مداها الى نحو ثمانمئة ميل». وفي هذا المضمار يذكر هنتنجتون ان كوريا الشمالية ـ وهي دولة كونفشيوسية أخرى ـ قامت بتطوير برنامجها الخاص للصناعة النووية ونفّذت صفقات لتصدير أنماط متقدمة من تقنية الصواريخ البالستية إلى سوريا، وزودتها ببعض الصواريخ الجاهزة، ولا يكتفي هنتنجتون بهذا الفاصل من استيراد بعض دول العالم الاسلامي للأسلحة وللتقنية الصينية، وانما يضيف، لكي يدلل على نظريته على ابرام التحالف الاسلامي ـ الكونفشيوسي، بأن هنالك حركة بالاتجاه العكسي، حيث بدأت تتسرب بعض الاسلحة الامريكية من دول العالم الاسلامي الى الصين، «فقد تلقت الصين صواريخ ستينجر من باكستان». هذه الصفقات لو تمت فعلاً فهي لا تدل على وجود تحالف، فهي صفقات يمكن أن تفهم من منظور تجاري بحت. ولكن هنتنجتون لا يجيد إلا ان يقول عنها «وهكذا يتضامن العالم الاسلامي مع الصين باتجاه انشاء حلف عالمي ضخم لمنازلة الغرب في حرب حضارات عظمى».إن العالم الغربي ـ في نظر هنتنجتون عالم مسالم، لا يرمي الى استغلال الشرق، ولا إلى الإضرار بدوله، ولا الاعتداء عليها، وانما يحاول فقط اجهاض ذلك الحلف الشرير بين المسلمين والكونفشيوسيين، وإحباط مشروعه في تكديس الأسلحة، وتطوير التقنية العسكرية. هذه الدول الاسلامية والكونفشيوسية في اعتقاد هنتنجتون دول عدوانية بطبيعتها، ولا يمكن ضمان جانبها، ولذلك فلابد من ان يستعد الغرب لتحجيمها أو تحطيمها إذا لزم الأمر. خلاصة النظرية هذه هي خلاصة نظرية هنتنجتون تتبلور في دعوته العاجلة، ومناشدته الحارة لدول الغرب لكي تتدارك خطر المسلمين والكونفشيوسيين. ولأن هنتنجتون من دعاة الحرب والصدام، فقد كان مفهوماً ألاّ يتوفر أبداً على بذل أي جهد لدراسة الخصائص الحضارية الاسلامية أو الكونفشيوسية دراسة جديّة. وإلا لأدرك الطبيعة السلمية لكل من تينك الحضارتين العظيمتين، وعرف في الاستقصاء ان أياً منهما لم يتورط في حرب سيطرة، أو استعمار، أو غزو امبريالي، ولو على نطاق محدود، وان كلاً منهما قد أنجز انجازات حضارية علمية تاريخية باهرة تأسست على قواعدها نهضة الحضارة الغربية المعاصرة. إن دراسة عميقة هادئة في هذا الاتجاه لا يمكن ان تخطر على ذهن هنتنجتون ولا يمكن ان يهيئ نفسه أو يشحذ عزائمه لإنجازها، لأن نتائجها قد تتعارض مع مبتغاه وهدفه في تأجيج الحروب اللافحة، على مستوى الأديان والحضارات، فذلك هو مرماه الأكيد، وإن حاول أن يُعمّي عنه بدثارات علمانية، ودعاوى بحثية، ما كان لها أن تُخفي آثار تعصبه العرقي والديني والحضاري الذي هو محركه الأصيل. عرض ونقد: د. محمد وقيع الله