الدماء تسيل، والتهديد بالحرب الحضارية يرفع أعلامه السوداء، كما يتواصل الجموح الأمريكي من أجل إنقاذ الهيبة الأمريكية، عن طريق التمسك بأسلوب الإملاءات القسرية، لبناء ما يسمى بالتحالف الدولي لمواجهة الإرهاب، خارج إطار الأمم المتحدة، وإحياء خطاب قديم عفا عليه الزمن أما أن تكونوا معنا أو مع الإرهاب، أي استرجاع خطاب جون فوستر دلاس وزير الخارجية الأمريكي الأسبق من ليس معنا فهو ضدنا بل يوغل الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش من منطق لا مثيل له بإعلان حرب صليبية ولّى زمانها ضد الشرق العربي والإسلامي، وهي حرب لا يمكن التكهن بحدودها أو التحكم بمداها ونتائجها. ويبدو أن عالم السياسة الأمريكي صمويل هنتنجتون في مقولاته الشهيرة عن صراع الحضارات، حين ميز تمييزا حاسما بين الغرب والباقي، ويعني بذلك باقي الأمم والشعوب والثقافات، كان يتنبأ بالمناخ الثقافي الذي سيسود العالم في القرن الحادي والعشرين، باعتباره الأقدر على فهم الطبيعة المعقدة للعقل الغربي، الذي لايزال مسكونا بأشباح الحروب الصليبية، حين اشتبك الغرب المسيحي مع الشرق الإسلامي في مواجهة تاريخية مازالت اثارها اللاشعورية النفسية - فيما يبدو - كامنة في الإدراك الغربي. فلو تأملنا في خطاب الرؤساء الغربيين الذي صدر تلقائيا كرد فعل على الأحداث الدرامية العاصفة يوم 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، لأدركنا أن مفرداته الغالبة هي مجرد إعادة إنتاج لتراث العنصرية البغيضة، إذ يقرر توني بلير رئيس الوزراء البريطاني أن الهجوم ليس مجرد حادث إرهابي ولكنه موجه ضد مجتمعات الغرب الديمقراطية، وهو يمثل البربرية المعادية للمدنية والحضارة الغربية، ويثير جاك شيراك، رئيس الجمهورية الفرنسية نفس المعاني ويستخدم مفاهيم شبيهة في حديثه عن البربرية والحضارة. أما سلفيو برلسكوني، رئيس وزراء إيطاليا، فقد تجاوز كل الحدود بإهانته المتعمدة للحضارة الإسلامية، مستندا إلى جهله المروع لهذه الحضارة وقيمها وإسهاماتها الرائعة في الحضارة الإنسانية في كل المجالات من العلوم الطبيعية إلى العلوم الاجتماعية، وبالذات على صعيد القيم الإنسانية الراقية والمتحضرة. ان هذه الكلمات ليست إذن سقطة لسان، ولكنها معان مقصودة صدرت من مكنون العقل الباطن الذي يحرك الغرب للانتقام من شعوب الشرق الإسلامي بغية استمرار السيطرة عليها ونهب ثرواتها، بل هي قوالب مصبوبة داخل قلوبهم وعقولهم، تظهر أحيانا وتختفي أحيانا. فالغرب عاد يحلم ببسط هيمنته المطلقة من جديد على الشرق العربي والإسلامي، عاد ليعلنها حربا دينية والدين منها بريء، ولكنها المصالح السياسية والتجارية، فهذا الشرق العربي والإسلامي غني بمصادر الثروة والبترول في مقدمتها، وهي سوق استهلاكية كبيرة تستوعب الإنتاج الغربي الأمريكي والأوروبي. فعلى الرغم مما تحاوله الدائرة الحاكمة في الولايات المتحدة وآليتها الاعلامية من تصوير أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، باعتبارها عملية إرهابية نفذتها قوى شريرة، ومع العمل على طمس وتزييف الوعي بمجمل الظروف الموضوعية التي أنتجته هذه الأحداث، والتعامل معها كأحداث مجردة، فإن الأساسي والجوهري بالنسبة للظروف التي انتجت أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، يكمن في طبيعة رأس المال الاحتكاري المعولم ذاته، واحدى أهم سمات تطوره التوسع والمزيد من التوسع وكذلك الربح والمزيد من الربح وهو ما يدفع باتجاه سيطرة كاملة ومباشرة على مصادر الخامات وأهمها مصادر الطاقة، وعلى الأسواق، وإعادة ترتيب الأوضاع العالمية والإقليمية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، بما يتناسب مع مصالح القوى المهيمنة، وهي في حالتنا هذه دوائر رأس المال الاحتكاري المعولم، باستخدام كافة الوسائل، وعلى رأسه القوة العسكرية. ومنذ بداية التسعينيات ينتشر مصطلح العولمة أو الكوكبة في الأدب السياسي، وجوهرها الهيمنة الغربية على العالم وثرواته، وتدمير نتائج وثمار حقبة طويلة من نضالات التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي والارتداء بالبشرية إلى شكل من العلاقات الأكثر اقترابا من علاقات القنانة، وهو ما جسدته بالفعل السياسات والممارسات الأمريكية على مختلف الأصعدة وبمنتهى العنف طوال عقد كامل. لقد أدى فرض السياسات الأمريكية إلى افقار البلدان النامية واستنزاف ثرواتها وتصفية تجاربها التنموية، كما نتج عنها تدن مذهل في مستويات معيشة الشعوب، واصطناع نخب طبقية طفيلية منضوية تماما تحت التبعية المطلقة. وهكذا أدخلت كل البلدان النامية تقريبا في دوامات أزمات خانقه لا تلوح في الأفق إمكانية الخروج منها. ولكي يسير مشروع الرأسمالية المتوحشة قدما، فقد تم حصار أي فعالية للأمم المتحدة، وتأسست على أنقاضها شرعية زائفة، هي الشرعية الأمريكية وحلف الناتو تحت القيادة الأمريكية، ذلك الحلف الذي تم مد نطاق عمله ليشمل العالم كله، بعد أن كان نطاق عمله يقتصر على الدفاع على أعضائه، وأصبح العدوان العسكري الأمريكي المباشر أو التلويح به هو احدى سمات العلاقات الدولية، إلى جانب تسعير الصراعات العرقية والدينية والحروب الأهلية والإقليمية في العديد من مناطق العالم، كآليات لاعادة ترتيب الأوضاع لصالح الهيمنة الأمريكية. ولذلك فإن المرحلة الجديدة من الاقتصاد المعلوم، تنطوي على تناقضات هائلة لايمكن اخفاؤها أو طمسها، بل يتوالى احتدامها، نتيجة لكنس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الكادحة في البلدان الرأسمالية المتطورة ذاتها، وبدرجة أكثر بشاعة في البلدان النامية. كما يزداد التفاوت الطبقي إلى حد لا مثيل له نتيجة لتركيز الثروة في أيدي النخب الطبقية لرأس المال الاحتكاري في البلدان المتطورة، وفي أيدي النخب الطبقية الجديدة في البلدان النامية. لقد ساد الظلم الاجتماعي، وتم افراغ الديمقراطية من محتواها الاجتماعي، وتلاشت الديمقراطية من العلاقات الدولية. وانطلقت تتصاعد مقاومة العولمة في الولايات المتحدة ذاتها وفي بلدان الاتحاد الأوروبي واستحدثت القوى الشعبية أساليب جديدة في تحركها الذي يكتسب طابعا أمميا كما تشهد بذلك أحداث سياتل ودافوس وباريس وميلانو وأتاوا وجنوا وغيرها، وهو ما يشير إلى عولمة الصراع الطبقي في خط واحد مع عولمة الإقتصاد، وهكذا تولد وتنمو تفاعلات سياسية اجتماعية وحركات جماهيرية متنوعة تعبر عن نفسها بدرجات متفاوتة بين المرحلة الجنينية والعفوية إلى مراحل أرقى من النضج والوعي والتنظيم. في ضوء ما سبق ينبغي تناول الضربة التي تمت لرموز القوة الأمريكية صباح يوم 11 سبتمبر، وأيا كانت القوى التي وجهت الضربة. وأيا كان توصيفها. فقد كانت الضربة تعبيرا عن غضب عارم ضد السياسة الامريكية. غير أن الدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة انتهزت الفرصة لتحقيق استفادة قصوى منها، ووجهت اتهامها دون دليل للبلدان والشعوب العربية والإسلامية، وتعالت أصوات ممثلي احتكارات البترول وصناعة السلاح واللوبي الصهيوني إلى حملة مكارثية جديدة أن من يحلل بدقة الخطاب الغربي الذي جاء تلقائيا كرد فعل فوري لأحداث 11 سبتمبر 2001، حين وقع الهجوم المفاجئ على المعاقل الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأمريكية ورموزها الساطعة التي كانت محل فخرها، والمؤشرات المبهرة على القوة الفائقة للإمبراطورية الأمريكية، ليدرك أن هذا الخطاب الذي ترددت أصداؤه في واشنطن ولندن وباريس وأوروبا، على ألسنة الرؤساء بوش وشيراك وبلير وبرلسكوني يعيد إنتاج الخطاب الغربي التقليدي الذي ساد منذ عصر التنوير، والذي قام على أساسه مشروع الحداثة الغربية كله، ويقوم على التفرقة بين البربرية والمدنية، والبربرية - في هذا الخطاب - تميز شعوب الأرض جميعا، أما المدنية فهي التي يتصف بها الغرب الظافر الذي خرج منتصرا من غياهب القرون الوسطى، مفتتحا عصر الثورة الصناعية، ومزودا بالعلم والتكنولوجيا، وبالألة الحربية الحديث، التي سمحت له بالقيام بأكبر عملية استعمارية في التاريخ الحديث، لاحتلال بلاد العالم الثالث وخصوصا الشرق العربي والإسلامي وافريقيا. هذا هو الخطاب العنصري الذي ابتكر نظرية عبء الرجل الأبيض في تمدين الشعوب البربرية الغارقة في جهالاتها، والسادرة في تخلفها. لقد كانت هذه النظرية وغيرها من الإدراكات الغربية المتحيزة إزاء شعوب العالم غير الغربي وثقافاته، وهي الغطاء الأيديولوجي لإضفاء الشرعية على الاستعمار، وهي ذاتها التي أصبحت المكونات الرئيسية للنظرية العنصرية الاستعمارية التي سادت طوال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ولكن هذه النظرية هبطت من عليائها بعد أن وجهت إليها سهام النقد، ليس فقط من قبل مفكرى العالم الثالث، ولكن أيضا من قبل المفكرين الغربيين النقديين، بالإضافة إلى حركة التحرير البطولية التي قامت بها الشعوب المغلوب على أمرها لكي تفك أسر الاستعمارالغربي. غير أن التطورات الحديثة في أوروبا والولايات المتحدة في العقود الأخيرة، وما قادت إليه التغيرات الاقتصادية والمبتكرات التكنولوجية، أدت للأسف إلى انبعاث النظرية العنصرية وأن كان في ثوب جديد. واتخذت هذه العنصرية صورا وأشكالا شتى سياسية واجتماعية وثقافية تجسدها جميعا ظاهرة العولمة الكاسحة التي تجتاح عالمنا الراهن. ويخطئ من يعتقد أن الحروب الصليبية القديمة التي دعا إليها وقادها باباوات روما، وأيضا الحروب الصليبية التي يدعون إليها اليوم، أن هدفها ديني وأنها تنتسب إلى الصليب. فما كانت القديمة إلا واجهة حملت الصليب شعارا، ولكن هدفها الأساسي كان الاستيلاء على الشرق والسيطرة على تجاربه وثرواته وما الجديدة إلا امتداد لنفس الأهداف القديمة أي السيطرة على الشرق العربي والإسلامي بثرواته البترولية وأسواقه. بقلم: محمود مرتضى ـ كاتب مصري