يؤكد كثير من القادة السياسيين والعسكريين الامريكيين ان الهجوم الذي وقع في صباح الحادي عشر من سبتمبر الماضي لم يكن مجرد هجوم قام به ارهابيون، كما انه لم يكن مجرد هجوم عسكري عادي ضد امريكا، وانما هو هجوم ارهابي عسكري موجه ضد الحضارة الغربية التي تقف امريكا وجهاً مشرقاً لها. واذا مدّ هذا القول الى نهايته المنطقية فهو يعني ان الحملة التي تتهيأ لها الولايات المتحدة الان ليست حملة ذات اهداف عسكرية مجردة تقف عند حد اسكات نيران العدو وابطال مفعوله، او انها حملة ذات اهداف سياسية تقف عند اسقاط مجموعة حاكمة واقامة تحالفات بديلة عنها، وانما هي حملة ذات اهداف حضارية. ولكن الحضارة كما يدرك دعاة الحرب ـ ليست هي «الجينز» الامريكي والماكدونالد، وحدهما بقدر ما هي )رؤية اخلاقية( تقوم عليها مؤسسات المجتمع وعلاقاته الداخلية. ولكن ما من رؤية اخلاقية الا وهي متصلة بالدين، فاذا كان الاتهام الاساسي الذي يوجهه الارهابيون للحضارة الغربية انها حضارة لا روح لها ولا دين، فهاهي المؤسسة العسكرية ـ السياسية الامريكية تنهض للدفاع عن حضارتها ودينها، وها هو رئيس الدولة يغشى الكنائس ويشارك في اقامة الصلوات ويصف معركته بانها حملة «صليبية» من اجل العدالة الابدية )مع ملاحظة انه تراجع في الفترة الاخيرة عن استخدام مثل هذه العبارات المثقلة بالتأريخ الديني(. أخلاقيات الحضارة الغربية وهذا امر لا يقلق الارهابيين او حكومة طالبان وحدهما، وانما يقلق قطاعات واسعة في داخل المجتمع الامريكي ذاته، وربما في داخل المؤسسة السياسية الحاكمة. وهو امر يدعو للقلق لانه سيطرح اسئلة جذرية عديدة تتعلق بالمبادئ الاخلاقية التي تقوم عليها الحضارة الغربية، ويقوم عليها النظام الديمقراطي ـ الليبرالي على وجه الخصوص، وما اذا كانت مثل تلك المبادئ تستحق ان تشن من اجلها الحروب. وقد كان السؤال الاخلاقي مسكوت عنه من قبل ولكنه لم يسقط تماماً، بل ظل يطفح الى السطح من حين لاخر، خاصة وابان الازمات الاجتماعية الكبرى، والحروب الخارجية المتطاولة التي تجد الولايات المتحدة نفسها متورطة فيها. وقد يعد فرانسيس فوكوياما احد اهم الكتاب الذين طرحوا تساؤلات اخلاقية عن اصول النظام الليبرالي وذلك من خلال كتابه )نهاية التاريخ والانسان الاخير ـ نيويورك 1992( والذي نشر في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم الغربي والشرقي معاً. يمثل الكتاب في مجمله دفاعاً قوياً عن النظام الديمقراطي الليبرالي، حيث يذهب المؤلف الى انه لا توجد بعد انهيار النظم الملكية والفاشية والشيوعية ايديولوجية اخرى في العالم تستطيع ان تضاهي الايديولوجية الليبرالية، فضلاً عن ان تتفوق عليها. غير ان هذا الدفاع والاعجاب لم يمنعا المؤلف من ان يطرح اشكالات وتساؤلات صارت في نهاية الامر اهم مكونات الاطروحة التي يقدمها الكتاب. يقول فوكوياما: ان الديمقراطية الليبرالية في سياقها الانجلو سكسوني ترتكز على نفسية معينة: النفسية الباحثة عن اشباع الرغبات ولكن على اساس التقرير العقلاني للمصالح والمضار، واللذة والالم، وذلك بعيداً عن الالزامات الاخلاقية والدينية. )اي ان يشير الى نظرية المنفعة التي احكم بنيانها الفلسفي كل من ستيوارت ميل وبنتام وصارت من بعد الاطار الاخلاقي الذي يرتكز عليه النظام الديمقراطي ـ الليبرالي(. نظام كوني ولكن فوكوياما يلاحظ ـ كما لاحظ كثيرون قبله، انه لا يمكن لمجتمع ما ان يتأسس بصورة كاملة على مجموعات متناثرة من البشر، يسعى كل فرد منهم نحو تحقيق مصالحه الخاصة، واشباع رغباته التي لا تنقطع، فاذا كان لابد من استبعاد الدين )لأن الحداثة تقتضي ذلك( فلا مناص من ايجاد ثقافة مدنية تقوم مقام القيم الدينية والاخلاقية المستبعدة، فيرتكز عليها النظام الديمقراطي الليبرالي، فيتمكن بذلك من ان يكون نظاماً كونياً، لا تحده ثقافة ولا دين، غير ان الذي يقلق فوكوياما في هذا المجال هو ان بعض العناصر المكونة لبعض الثقافات ستقف عائقاً ضد التحول نحو الثقافة المدنية الكونية التي يراد للنظام الديمقراطي الليبرالي ان يرتكز عليها. والاشارة هنا تأتي تلميحاً ثم تصريحاً الى الثقافة الاسلامية باعتبار انها تكرس تقاليد وقيماً لا يمكن لمعتنقيها ان يتحولوا عنها بيسر. للاسلام جاذبية عالمية الجدير بالذكر ان فوكوياما لا ينكر ان الاسلام يقف ـ مثله في ذلك مثل النظام الليبرالي والشيوعي ـ ايديولوجية متماسكة، ذات نظام اخلاقي متميز، ومذهب مقرر في العدالة الاجتماعية والنظام السياسي، كما لا ينكر ان للاسلام جاذبية عالمية تتخطى الخصوصيات القومية والجغرافية، وانه ـ اي الاسلام ـ استطاع ان يهزم النظرية الليبرالية في اكثر من قطر من اقطار العالم الاسلامي، وانه يستطيع ان يفعل ذلك في احيان كثيرة، ولكن خطر الاسلام في تقديره لا يمكن ان يتخطى حدود العالم الاسلامي، وان عهد فتوحات الثقافة الاسلامية قد انتهت، وان الاسلام لا يجد جاذبية بين قطاعات الشباب في حواضر العالم الغربي )وقد اشار الى برلين وطوكيو وموسكو على سبيل المثال، ولكنه اغفل الاشارة الى باريس ولندن وواشنطن، وهي مدن يتعاظم فيها الوجود الاسلامي، ويتكاثر فيها عدد الاوروبيين والامريكيين الذين يعتنقون الاسلام ويدافعون عنه». على ان اهتمام فوكوياما في هذا الكتاب لم يكن منصباً على الاسلام، وانما هو متجه في المقام الاول الى تحليل الجذور النفسية والاخلاقية التي يتأسس عليها النظام الديمقراطي ـ الليبرالي )وقد تأتي الاشارات الى الاسلام حينما يأتي ذكر المعوقات التي تحد من التحول الاجتماعي والثقافي نحو النظام الليبرالي(. يذهب فوكوياما في كشفه عن الاصول النفسية والاخلاقية للنظام الليبرالي الى القول بأن هذا النظام يحتوي على تناقضات داخلية خطيرة، فهو برغم ارتكازه القانوني والدستوري المعلن على مبدأ المساواة بين الناس، الا ان «نفسية» المواطن الغربي )الامريكي خصوصاً( تجنح نحو التميز وجذب الانتباه، وتنفر من فكرة ان يكون الانسان عضواً غير مميز في مجتمع اممي متجانس، يشبه كل واحد الاخر. انها نفسية تبحث عن التفوق والهيمنة، ولا تبالي في سبيل ذلك بالمخاطر والحروب. فاذا افلح النظام الرأسمالي في توفير ارقى مستوى ممكن للرفاهية، واذا افلح معه النظام الدولي في ازالة مخاطر الحروب، فان نفسية الانسان الغربي ستظل تبحث عن التحديات والمخاطر، وستظل تبحث عن ميادين للتفوق والهيمنة. وهذا التناقض بين مبدأ المساواة المعلنة والرغبة في التفوق على الاخرين والهيمنة عليهم هو الذي يجب على النظام الديمقراطي ـ الليبرالي ان يوجد له حلاً. لم يجرؤ فوكوياما ان يقول صراحة ـ كما قال اخرون ـ ان الحل يكمن في ان تصطنع من حين لاخر انواعاً من الحروب المحدودة تكون منافذ يستطيع الانسان الغربي من خلالها ان يفرغ شحنات الغضب والجنون وان يشبع رغباته في التفوق والاستعلاء، حتى لا يتحول الى عنصر دمار داخلي. لم يقل فوكوياما صراحة ان الحروب الخارجية هي المنفذ الوحيد، فقد ذكر منافذ اخرى مثل الاستغراق في جمع الثروة، وفي البحث العلمي، وفي انواع الرياضات والمباريات الدولية وتسلق قمم الجبال، فهذه جميعها تعد عنده منافذ هامة ابتدعها النظام الليبرالي لافراغ الطاقات واشباع الرغبات، ولكنها قد تكون في بعض الاحيان غير كافية، مما يجعل خيار الحرب الخارجية قائماً ـ لدى فوكوياما ـ خاصة وانه لا يبدي حماسة لمبدأ المساواة بين افراد المجتمع، وعنده ان الحضارة التي يسرف اصحابها في تطبيق معاني المساواة ومحو الفوارق، سوف تصطدم بقوانين الطبيعة. ويتابع فوكوياما مفهوم المنافذ اللازمة لافراغ طاقات الانسان الغربي حتى ينتهي الى القول بأن وجود عالم ثالث )متخلف( قد يكون مفيداً لصحة النظام الديمقراطي الليبرالي، لانه )اي العالم الثالث( سيكون اطاراً مناسباً لامتصاص طاقات وطموحات الانسان الغربي الذي وصل حد الاشباع والملل اللذين توفرهما الحضارة الغربية. اما هل سيكون ذلك مفيداً لانسان العالم الثالث، فان ذلك ـ يقول فوكوياما ـ موضوع اخر. وقد تعجب اول الامر لمثل هذه النزعة النازية الصريحة، ولكن عجبك سيزول اذا علمت ان فوكوياما قد استمد تصوراته الاساسية في هذا الكتاب من نيتشه الفيلسوف الالماني الذي جعل الامتياز العرقي محركاً للتأريخ ودعامة للحضارة، ثم صارت افكاره من بعد اطاراً نظرياً لدى الحركة النازية. وكما ابدى فوكوياما امتعاضه من مبدأ المساواة )الذي يقدم عليه نظرياً النظام الليبرالي(، فانه كذلك قد ابدى امتعاضه من مبدأ التسامح الديني الذي يقوم عليه المجتمع الامريكي. يقول فوكوياما في هذا الصدد ان مبدأ حرية الاعتقاد الذي وضعه وسار عليه الاباء المؤسسون للنظام الديمقراطي الامريكي قصد به حرية اقامة الدين المسيحي ولم يقصد به حرية اقامة الدين في ذاتها وعلى اطلاقها. ويقول ان التركيز على قيمة التسامح التي يسير عليها المجتمع الامريكي ستؤدي الى اضمحلاله، لانها تعني ان يترك المجتمع الامريكي مفتوحاً لكل ديانات العالم والنظم الاخلاقية فيه، ولا يوجد مخرج من حالة الاضمحلال الديني هذه الا باسترداد بعض اشكال التعصب الديني التأريخية. ولكن ان تعجب مرة اخرى كيف ان احد فلاسفة الديمقراطية ـ الليبرالية يبدي تبرماً بمبدأ حرية الاعتقاد الديني والانفتاح الفكري ويدعو في وضوح الى اللاتسامح، intolerance كما دعا من قبل الى اللامساواة. ماذا يتبقى من النظام الديمقراطي الليبرالي اذا اسقطنا عنه المساواة بين الناس، واسقطنا عنه حرية الاعتقاد والتسامح الفكري؟ على ان السؤال الاخير والاكثر اهمية: الى اي مدى صارت هذه الآراء اهدافاً للحرب الحضارية، الراهنة التي تستعد لها الادارة الامريكية؟ بقلم: د.التيجاني عبدالقادر ـ فرجينيا ـ الولايات المتحدة