أجمعت وسائل الإعلام الأمريكية على حدوث تغييرات عميقة في المجتمع الأمريكي بعد شهر من هجمات 11 سبتمبر الماضي حيث سيطر الهلع وهاجس الهجمات على مشاعر رجل الشارع. ورأى المعلق الشهير جورج ويل في صحيفة «واشنطن بوست» ان لا شيء يمكن استبعاد التفكير فيه وهذه هي العبرة الاساسية التي يجب التمسك بها اثر الاعتداءات. وفي الفجوة الكبيرة التي ما زال دخان حطام مركز التجارة العالمي يتصاعد منها وحيث الرفات المتفحمة لحوالى خمسة الاف شخص، ترقد اوهام بلد كان يحلم بانه غير معرض للهشاشة. ويكرر الامريكيون مقولة انهم لن يعودوا كما كانوا في السابق اذ بات الرعب يطوقهم منذ الثلاثاء الاسود فضلا عن مخاطر حصول عمليات ارهابية ردا على الضربات ضد افغانستان. ومن جهتها، رأت اسبوعية «يو اس نيوز اند ورلد ريبورت» ان الحرب مختلفة وكذلك امريكا. ومنذ 30 يوما، تخفق قلوب الامريكيين على وتيرة نشرات الاخبار والتحقيقات المتلفزة التي خصصت لبحث الازمة. وباستثناء قلة معزولة، اصطفت امريكا قلبا وقالبا وراء الرئيس جورج بوش. ورأت نيويورك تايمز انه ليس بامكان الرئيس بوش الحصول على دعم اوسع من ذلك في اشارة الى نيله تأييد 90% من الامريكيين. فالوقت الان للاجماع بحيث استبعدت المواضيع المثيرة للجدل وخصوصا مشروع الدرع المضادة للصواريخ. ويبدو ان الكونجرس يؤيد بوش بشكل كامل رغم خلافات حول مشروع قانون مكافحة الارهاب الذي يتضمن بنودا قد تعيق الحريات الفردية. وانعكاسا للتنافر في الاصوات، اعرب بوش امس الأول عن سخطه حيال التسريبات الصادرة عن الكونجرس حول معلومات مصنفة سرية تتعلق بالحملة العسكرية واعتبر ذلك غير مقبول. وسعيا منهم لطرد قوى الشر الذين اعتبروا ان من واجبهم قهرها، رفع الامريكيون يافطات امام واجهات المنازل والسيارات والمكاتب تناجي الرب انقاذ امريكا. واظهر استطلاع للراي نشرت نتائجه مجلة نيوزويك ان 79% من الامريكيين مقتنعون بان الارهابيين سيهاجمون مجددا اماكن اخرى وفي وقت قريب. وبغية طمأنتهم، عمدت السلطات الى اعلان حال التأهب القصوى وعينت مسئولا عن مكافحة الارهاب، وباتت الاجراءات الامنية لا مثيل لها سابقا. وصارت الطائرات التي كانت قبل شهر وسيلة نقل مماثلة للباصات، مرادفة لضياع الوقت. وتنتظم صفوف طويلة امام ابواب المغادرة في المطارات بسبب الاجراءات مما يحتم الوصول الى المطار قبل ثلاث ساعات من الوقت المحدد للاقلاع، وتم التخلص من الالات التي تبيع بطاقات السفر اوتوماتيكيا في حين يسير عناصر من الجيش والحرس الوطني دوريات نظامية. ومن الوقائع التي تكشف التوتر السائد ما حصل لدى محاولة احد المختلين عقليا الاثنين الماضي دخول قمرة قيادة طائرة تابعة لشركة اميركان ايرلاينز التي هبطت اضطراريا في مطار شيكاغو بمواكبة مقاتلتين من طراز اف ـ 16. وتخضع المطارات وخطوط السكك الحديد والمراكز التجارية لمراقبة امنية مشددة. وبات احتمال قيام ارهابيين برش منتجات سامة او جرثومة قاتلة هاجسا للجميع. واثارت وفاة رجل بالجمرة الخبيثة في فلوريدا هلعا شديدا. وتراقب الاجهزة الامنية عن كثب خزانات مياه الشفة ومختبرات الابحاث النووية والمصانع البتروكيميائية والمفاعل الذرية. ونفد فائض اقنعة الغاز في المخازن العسكرية وكذلك احتياطي الادوية المضادة للالتهابات التي تقضي على اثار الجمرة الخبيثة. واكدت صحيفة «وول ستريت جورنال» وجود 1.9 مليون غرفة فارغة في الفنادق منذ 11سبتمبر الماضي في حين هجر اللاعبون صالات نوادي القمار في لاس فيجاس. وجسد الكاتب النيويوركي بيتر فروندليش المناخ السائد على طريقته بمزيج من الخوف والتضامن مشيرا الى تجمع ديني عقد مؤخرا في احد ملاعب كرة السلة قائلا في اسرائيل يتقاتل المسلمون واليهود وفي ملعب اليانكي رايتهم ممسكين بأيدي بعضهم على حد تعبيره. والوجه الاخر للعملة هو النظر الى الامريكيين من اصل عربي والمسلمين كمشبوهين احيانا، واحصى مكتب التحقيقات الفدرالي اف بي اي اكثر من مئة اعتداء ضد مسلمين واخرين من طائفة السيخ. لكن الاوامر تتلخص بالعودة الى الحياة الطبيعية اذ اعرب بوش عن امله في رؤية الامريكيين يتوجهون وبكثافة الى ديزني لاند في حين يشجعهم رئيس بلدية نيويورك رودولف جولياني على الانفاق والانفاق والانفاق بغية انعاش اقتصاد يعاني من صعوبات. ا.ف.ب.

