في أمسيتين متتاليتين من أمسيات القاهرة بات واضحا أن تقييم نتائج المؤتمر العالمي ضد العنصرية والذي عقد مؤخرا بمدينة دوربان بجنوب افريقيا سوف يظل نقطة اختلاف بين المثقفين والمهتمين بالعمل الأهلي في مصر خاصة فيما يتعلق بالتمويل الأجنبي لأنشطة المنظمات غير الحكومية. ففي الأمسية التي نظمتها اللجنة المصرية للتضامن حول مؤتمر دوربان كان هناك مايشبه الاجماع على أن أهم نتيجة للمؤتمر تتمثل في ضرورة مراجعة المنظمات الحقوقية المصرية موقفها من التمويل الأجنبي لأنشطته باعتباره كان مؤثرا سلبيا في اداء هذه المنظمات وفي الأمسية التالية والتي نظمها مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان بنقابة الصحفيين كانت هناك نفس النسبة من الاجماع تقريبا على نجاح المنظمات الحقوقية المصرية والعربية في الحصول على كل ما كانت تسعى اليه قبل المؤتمر بشكل جعل البعض يطالب ـ في هذه الأمسية ـ باعتذار علني من جانب هؤلاء الذين أساءوا لهذه المنظمات من قبل. أثار الدكتور أشرف البيومي الأستاذ بجامعة الاسكندرية وأحد المشاركين في مؤتمر دوربان قضية التمويل في ندوة اللجنة المصرية للتضامن وقال ان منظمة التحرير الفلسطينية تعاونت بأموالها مع بعض المراكز الحقوقية الممولة أجنبيا وتمثل عملهم في مؤتمر دوربان في تسديد بعض الخانات وقال ان التمويل الأجنبي جزء من الهيمنة الأمريكية والغربية على دول العالم الثالث وأن أجندة التمويل تمثل اختراقا للدولة وتفتيتا للمثقفين الوطنيين واعطاء أوزان ضخمة لعناصر في المجتمع غير مؤهلة للقيام بأدوار حقيقية. حمل البيومي الحكومة المصرية المسئولية في تشويه العمل الأهلي وقال انها تحاصره أمنيا وتمنع التبرعات عنه وتفتح في نفس الوقت المجال واسعا أمام التمويل الأجنبي. ورغم أن البيومي رأى أن هناك ايجابيات لمؤتمر دوربان تتمثل في تحسين العلاقات بين العناصر المختلفة في المجتمع الانساني ومن ذلك تلك المظاهرة الضخمة المؤيدة للقضية الفلسطينية والتي شاركت فيها منظمات افريقية يسارية واسلامية وماركسية إلا أنه رأى أن الاداء العربي في المؤتمر شهد سلبيات كثيرة أهمها النظرة الأنانية الضيقة للقضية العربية وحدها دون باقي القضايا الى جانب تأثير موضوع التمويل في اداء المنظمات العربية وخلص البيومي الى أن مؤتمر دوربان كان ناجحا وممتازا ولكن لا يمكن أن ننسب لأنفسنا - المنظمات والمجموعات العربية - فضل نجاحه، محذرا من أن التمويل الأجنبي أصبح تجارة ويشوه العمل الأهلي في مصر. ورغم نفي محسن عوض الأمين المساعد للمنظمة العربية لحقوق الانسان لوجود تأثير مباشر للتمويل الأجنبي على مواقف المنظمات العربية غير الحكومية إلا أنه اتفق مع أن قضية التمويل في ذاتها تحتاج الى وقفة، مشيرا الى أن الحل في هذه القضية هو في أن يكون المجتمع قادر على تمويل أنشطة المنظمات غير الحكومية. واستخلص عوض سلبية أخرى من سلبيات اداء المنظمات العربية غير الحكومية في دوربان وهي التعامل بشكل كاف مع الأمور الاجرائية مشيرا الى أنه رغم قدرة المنظمات على الحشد والتعبئة إلا أنها لم تكن تتعامل بشكل كاف مع الأمور الاجرائية. كيان قانوني والتقط الدكتور حلمي الحديدي وزير الصحة الأسبق ونائب رئيس اللجنة المصرية للتضامن طرف الحديث مطالبا بايجاد كيان قانوني اداري يعطي المعونة والمشورة للمنظمات العربية غير الحكومية عند تعاملها مع منظمات ومؤتمرات دولية. وأكد أن جزءا من الضغوط التي مورست على المشاركين في مؤتمر دوربان تمثلت في المال والتمويل الأجنبي مشيرا الى أنه بدون الاستقلال في التمويل لن يكون للمنظمات الأهلية استقلالها في قراراتها وأنشطتها. ودعا الحديدي الحكومة المصرية الى البحث عن آلية بعيدة عنها وعن العمل المباشر لتمويل المنظمات غير الحكومية مثل ايجاد صندوق خدمة للمنظمات غير الحكومية يتم تمويله من حصيلة أنشطة معينة ومن تبرعات الدول المختلفة. كما دعا الى ايجاد وسائل لجمع المنظمات العربية غير الحكومية على موائد حوار مختلفة لتتعلم كيفية التعامل فيما بينها ثم مع المنظمات الدولية وأكد على ضرورة أن يكون هناك تجهيز مستمر ودائم للمنظمات العربية لتكون في حالة استعداد دائم لحضور المؤتمرات الدولية وأن يكون هناك تواصل بينها وبين الادارات الحكومية مثل وزارات الخارجية. واتفقت السفيرة ناهد العشري مدير ادارة المنظمات غير الحكومية بوزارة الخارجية مع ضرورة ايجاد آلية معينة لتمويل المنظمات الأهلية تشارك فيها الحكومة وقطاع رجال الأعمال. ورأت العشري أن ما حدث في دوربان كان بداية طيبة جدا وأن المنظمات الأهلية تستطيع أن تبدأ على ما تم حصده في دوربان مؤكدة على ضرورة الاتفاق على أهداف سابقة للمنظمات قبل المشاركة في مؤتمر دولي مثل مؤتمر دوربان. وفي ندوة بعنوان «ما بعد دوربان. آفاق تحالف مدني عالمي في مواجهة العنصرية» نظمها مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان أكد الدكتور أحمد يوسف القرعي نائب رئيس تحرير الأهرام على ضرورة ابراز الدروس المستفادة من مؤتمر دوربان لتحديد معالم الخطوة القادمة للعمل الأهلي العربي مشيرا الى أن أهم هذه الدروس يتمثل في ضرورة وجود خطاب عربي واحد أمام أي تجمع دولي. وأشار الى ضرورة البحث عن مناطق التأثير في القرارات الدولية مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة والذي وصفه بأنه يمثل المطبخ الحقيقي للقرارات المصيرية مثل قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية وذلك للتأثير عليه في صالح القضايا العربية. ودعا الى ضرورة التجمع بعد ديربان واعداد مشروع جديد لاحياء أو استئناف قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية ليكون ورقة رابحة في يد المفاوض الفلسطيني على مائدة المفاوضات. أما حسين عبدالرازق الأمين العام المساعد لحزب التجمع فقد رأى أن أهمية مؤتمر ديربان تتمثل في أنه أول مؤتمر دولي منذ فترة طويلة لا يخرج منه العرب منهزمين معتبرا أنه قد تحقق نجاح واضح في الوثيقة الأخيرة للمنظمات غير الحكومية. وأرجع عبدالرازق النجاح في دوربان الى عدة أسباب منها الاعداد المبكر لمنظمات حقوق الانسان لهذا المؤتمر والمؤتمر التحضيري الذي عقد بالقاهرة والذي بلور - حسب عبدالرازق - وجهة نظر عربية تقبلها المنظمات الدولية التي شاركت في المؤتمر. أما ثاني الأسباب في رأي عبدالرازق فهو التأثير الايجابي لانتفاضة الأقصى لدى قطاع كبير من الرأي العام العالمي وخاصة منظمات حقوق الانسان العالمية، فيما تمثل السبب الثالث في مكان عقد المؤتمر في جنوب افريقيا وهي أكثر من عانى من العنصرية حتى انتصر شعبها واقام دولة غير عنصرية. واعتبر عبدالرازق أن السبب الرابع يتمثل في منظمات حقوق الانسان في دول الغرب واختلاف تعامل المنظمات العربية معها بعد أن كانت الأخيرة تنظر للأولى على أنها شيء واحد مع حكومات تؤيدها في كل شئ إلا أن الأمر اختلف حيث تعارض هذه المنظمات حكوماتها وتؤيد حركات التحرر وتندد بالاستعمار. وربط عبدالرازق بين هذا السبب والحملة المثارة في مصر ضد التمويل الأجنبي للمنظمات الأهلية والتي تربط بين دور المنظمات ومصادر تمويلها وارتباطها باسرائيل وغيرها وقال ان الدور الذي لعبته هذه المنظمات في جنوب افريقيا يلغي هذه الفكرة. وأكد عبدالرازق على أهمية الدور الشعبي في المرحلة القادمة ودور المنظمات غير الحكومية في التأثير على المستوى العالمي مطالبا بتجديد نضال هذه المنظمات من أجل قانون جديد للجمعيات الأهلية يرفع القيود عن هذه المنظمات ويمكنها من مواصلة دورها داخل مصر وخارجها. واختتم عبدالرازق حديثه بدعوة صريحة لكل الذين شنوا حملات مغرضة ضد منظمات حقوق الانسان الى حد اتهامها بالخيانة والعمالة الى أن يقدموا الاعتذار علنا لهذه المنظمات لأن دورها يستحق التحية والتقدير. دور الانتفاضة وأشار بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان الى أنه لم يسبق لمؤتمر دولي تحت اشراف الأمم المتحدة قبل دوربان أن يوصم اسرائيل بجريمة الأبارتيد والتي تمثل جريمة ضد الانسانية ولم توصم بها دولة من قبل سوى جنوب افريقيا. وربط بهي بين دور المنظمات غير الحكومية وانتفاضة الأقصى وقال ان الدعم الحقيقي للانتفاضة يتمثل فيما قدمته لها منظمات غير حكومية خاصة الدولية منها من خلال قيامها بما عجزت عنه الأمم المتحدة ومن ذلك ارسالها مايقارب 15 بعثة تقصي حقائق كانت نتيجتها ـ حسب بهي ـ دعم مباشر للانتفاضة في حين لم تتمكن الأمم المتحدة من القيام ببعثة تقصي حقائق واحدة. قال بهي ان الانجاز الهائل الذي حصلنا عليه في مؤتمر دوربان يتمثل في أول مغزى له في أنه بالتحالف مع المنظمات غير الحكومية بالعالم نستطيع أن نحقق ما لم نحققه لسنوات طويلة ونحصل على انجاز وانتصار غير مسبوق على الساحة الدولية. وأشار بهي الى أن اليهود سواء في اسرائيل أو أمريكا لعبوا دورا هاما في تحدي المنظمات الصهيونية ومن ذلك رفعهم لافتات تقول أنهم يهود لكنهم ضد الصهيونية وأن إنشاء اسرائيل كان نكبة لأنه أصبح موجة كراهية لليهود في العالم. أضاف بهي: كل ما طالبنا به كعرب حصلنا عليه وعندما قالت ماري روبنسون أن لغة البيان الختامي للمؤتمر غير الحكومي ملتهبة فإنها كانت محقة فاللغة كانت قوية كما لو أننا كنا في مؤتمر عربي فقط. قال بهي انه رغم الاتفاق على أن هناك عوامل موضوعية وراء تحقيق الانتصار مثل عقد المؤتمر في جنوب افريقيا وتعاطف شعبها الى جانب عقد المؤتمر في نفس فترة حدوث الانتفاضة وتأجج المشاعر معها إلا أن هذه العوامل كانت موجودة أيضا عند انعقاد المؤتمر الحكومي لكن لم يكن لها أي تأثير®. ورجح بهي أن العامل الحاسم في تحقيق الانتصار يتمثل في قوة تنظيم وتنسيق المنظمات غير الحكومية العربية. وأضاف ان الحكومات العربية لم تعقد اجتماعاً رسمياً واحداً للتنسيق فيما بينها قبل المؤتمر لذلك ذهبت اليه بدون حد أدنى للتنسيق أو جدول أعمال مما سهل التلاعب بالموقف الحكومي عن طريق التهديد بالانسحاب الأمريكي ثم الانسحاب بالفعل وقيام الاتحاد الأوروبي بلعب دور الاحتياطي وممارسته نفس التهديدات وهو الأمر الذي وضع الحكومات العربية في حرج خوفا من افشال مؤتمر لحكومة صديقة لهم هي حكومة جنوب افريقيا. وخلص بهي الى أن هذا المؤتمر جدد للمرة العشرين أهمية الدور الحاسم الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية في العالم وقال في كل مرة خرجت فيها هذه المنظمات تدافع عن الشعوب سواء في سياتل أو غيرها فإنها كانت تقدم البرهان المتكرر على أنها تعبر عن الضمير الانساني والعالمي في تبني قضايا الشعوب®. وتطرق بهي الى قضية التمويل الأجنبي فقال لقد اتضح في دوربان مدى التزام المنظمات بقضايا شعوبها ومواطنيها واتضح من هو المشكوك في تمويله المنظمات أم الحكومات، مشيرا الى أنه رغم كل الضغوط والتهديد الأمريكي بالانسحاب أو وقف مخصصات الأمم المتحدة أو تمويل المؤتمرات الدولية إلا أن موقف المنظمات غير الحكومية لم يتزحزح. وردا على أن الدور الحقيقي كان للمنظمات الأفريقية والآسيوية وليس للعربية قال بهي إن هذا لا يمكن تحقيقه، لأن من تابع الأعمال التحضيرية للمجموعة الافريقية سيجد أنها لم تذكر اسرائيل في أعمالها كذلك كانت توصيات المؤتمر الاقليمي الآسيوي في منتهى الضعف والهزال ولم يكن أدنى منها سوى توصيات المؤتمر الحكومي في دوربان. وذهب الدكتور مصطفى عبدالغفار وهو قاض مصري وأحد المشاركين في دوربان الى أن ماتحقق في المؤتمر كان نجاحا غير مسبوق وشهد نشاطا وحركة دؤوبة وان الاعلان النهائي حقق سقف المطالب العربية. ودعا الى استثمار هذا النجاح فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وأيضا في مجال العلاقة بين المجتمع المدني والحكومات العربية لصالح تحسين هذه العلاقة. القاهرة ـ محيي الدين سعيد: