دخلت روسيا على خط الحملة الأمريكية ضد أفغانستان على اعتبار انها تؤوي أسامة بن لادن الذي تتهمه بتدبير هجمات الثلاثاء الدامي، وأعلنت عن نيتها تسليح المعارضة الشمالية لحركة طالبان الحاكمة في كابول، رغم ان معظم الروس يرفضون هرولة الكرملين وراء البيت الأبيض. فقد أوضح استطلاع أجراه المركز الروسي للرأي العام أن 61% من المواطنين الروس يرفضون نوايا الولايات المتحدة الأمريكية القيام بحملات عسكرية انتقامية ضد عدة دول في العالم. في الوقت ذاته أيد نوايا الولايات المتحدة 27% فقط من المواطنين الروس الذين شاركوا في الاستطلاع والبالغ عددهم 1500 مواطن، ويرى 58% من المواطنين الروس أنه في حالة قيام الولايات المتحدة بتنفيذ ضرباتها العسكرية ينبغي على روسيا أن تقف موقف الحياد ولا تشارك واشنطن في عدوانها المزمع ضد الدول الأخرى. وفقط 24% يعتقدون بضرورة مشاركة موسكو مع واشنطن في عملياتها الانتقامية، وأظهر استطلاع الرأي المذكور أن 10% من الروس يطالبون الكرملين بالعمل على إعاقة ووقف قيام الولايات المتحدة بحربها المقبلة ضد ما يسمى بالإرهاب الدولي. ومن ناحية أخرى وبعد أن أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر الماضي عزمه على زيادة إمدادات الأسلحة والعتاد الحربي الروسي للتحالف الشمالي المناوئ لطالبان،وبعد تأكيدات وزير الدفاع سيرجي ايفانوف على هذا الأمر أثناء لقائه مع وزراء دفاع الناتو في بروكسيل في السابع والعشرين من الشهر نفسه، ظهرت العديد من التصورات بشأن طبيعة الأسلحة التي يمكن أن تزود روسيا بها قوات هذا التحالف، في البداية يستبعد العسكريون الروس مد التحالف الشمالي بالطائرات الحربية بسبب عدم وجود طيارين قادرين على استخدام هذه الطائرات. وتفترض مصادر عسكرية روسية أن يحصل تحالف الشمال على المروحيات من نوعي «مي ـ 8» و«مي 24» التي استخدمت بنجاح من قبل أثناء الغزو السوفييتي لأفغانستان في نهاية عام 1979م. وتؤكد هذه المصادر قيام روسيا بمد تحالف الشمال بالعربات المدرعة لنقل المشاة «بي إم بي 1» و«بي إم بي 2» حيث جرى استخدامها في السابق في أفغانستان بشكل جيد ولها قدرة عالية على العمل في الأماكن الوعرة، هذا بجانب الدبابات الروسية من نوع «ت ـ 55» التي يطالب تحالف الشمال بالحصول عليها. في الوقت نفسه لا يستبعد الكثيرون أن تمد روسيا التحالف الشمالي بالمدافع الذاتية الحركة والتي يتراوح مداها بين 10 و 30 كم وهو مايتناسب مع المناطق ذات الطابع الجبلي . ويفترض أيضا أن تمنح موسكو تحالف الشمال راجمات الصواريخ ومدافع هاون من عيار 60 مم و82 مم، هذا بجانب الأسلحة النارية الأخرى من رشاشات وبنادق. ويجمع غالبية الخبراء الروس على أن روسيا سوف تقدم جميع الأسلحة للتحالف الشمالي مجانا حيث أن هذه الأسلحة في معظمها قديمة وتوجد بالمستودعات الروسية. وتوجد تكهنات لدى البعض في موسكو بأن يجري استخدام الطائرات الحربية من قبل الروس «سوخوي ـ 25» في الحرب ضد طالبان ولكن بعد وضع علامات دولة أخرى عليها وذلك لتسهيل مهمة تحالف الشمال، وهذه الطائرات موجودة بالفعل لدى الفرقة 201 الروسية المرابطة في طاجيكستان التي يمكن أن تنطلق الطائرات من مطار عاصمتها دوشنبيه لتقصف كابول خلال ثلاثين دقيقة فقط. في الوقت ذاته تؤكد مصادر صحفية مقربة من الاستخبارات الروسية أن حركة طالبان تواصل عمليات تجنيد وتعبئة واسعة واستدعت حتى الآن ما يزيد عن 300 ألف شخص، وأن المجموعة المتمركزة حول مدينة كابول من أفراد طالبان يقدر عددها بـ 12 ـ 15 ألف فرد. ويرى بعض الخبراء العسكريين الروس أن القدرة القتالية لطالبان تتكون من سلاح الجو الذي يتضمن 20 طائرة قديمة «ميج ـ 21» من صنع سوفييتي وعلى العدد نفسه من مروحيات روسية من طراز «مي ـ 8». كما تملك حركة طالبان صواريخ سوفييتية من طراز «سكاد» بإمكانها الوصول إلى مسافة 450 كم وصواريخ «لونا ـ ام» القادرة على إصابة الهدف على بعد 120 كم. ووفقا لمعلومات أخرى يوجد احتمال كبير لامتلاك حركة طالبان حوالي100 من صواريخ «ستينجر» الأمريكية، كانت واشنطن نفسها قد سلمتها إليها لمواجهة الطائرات السوفييتية في السابق، بالإضافة إلى ذلك فإن طالبان تمتلك عددا من الدبابات يتراوح بين 500 و 700 دبابة سوفييتية من طراز «تي ـ 54» و«تي ـ 55» القديمة، ولدى الحركة العدد نفسه من الآليات المدرعة لنقل القوات. ويعتقد بعض الخبراء العسكريين الروس بوجود العديد من العوائق والصعوبات التي تقف أمام استخدام مطارات جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية السابقة من قبل القوات الأمريكية لتوجيه الضربات العسكرية لأفغانستان، وتكمن أولى هذه العقبات في أن مطارات آسيا الوسطى ليست كبيرة الحجم حيث أنه في العهد السوفييتي لم توضع في المنطقة المذكورة وحدات وقطع جوية كثيرة. فقد رابطت في منطقة قريبة من الحدود السوفييتية ـ الأفغانية فرقة من المقاتلات والقاذفات بمدينة ماري التركمانية وأفواج من وسائل الدفاع الجوي قرب عشق آباد وبلدة أنديجان الأوزبكستانية إلى جانب جزء من طيران الجبهة في تشارجوي «تركمانيا» وكذلك في كوكايدي وكارشي وتشيرشيك بأوزبكستان وخلال الحرب السوفييتية ضد أفغانستان 1979 -1989م كان يستخدم بصورة أساسية مطار ماري والقاعدتان العسكريتان في كارشي وكوكايدي لإنزال الضربات الجوية بتشكيلات المجاهدين الأفغان. ويرى الخبراء الروس أن صغر المطارات السوفييتية السابقة في منطقة آسيا الوسطى لا يمثل الصعوبة الوحيدة أمام الطيران الأمريكي ،إذ أن التركة الحربية السوفييتية هناك والتي مضى عليها حوالي عشر سنوات توجد الآن في حالة يرثى لها، فمعظم المدرجات وأماكن التوقف الرئيسية بالمطارات تحتاج إلى إصلاحات ضخمة. كما أن المعدات والأجهزة الهندسية اللاسلكية متعطلة . ويشير هؤلاء الخبراء أنه حتى في حالة افتراض أن معدات وتجهيزات المطارات سوف يتم إصلاحها فإنها لا تتناسب مع المعايير القياسية الأمريكية وبالتالي فإنها ستحتاج إلى تبديل . ويخلص العسكريون الروس إلى أن السلبيات الموجودة كثيرة وواضحة للعيان، ويشيرون إلى أنه يجب على الولايات المتحدة حتى تستطيع استخدام المطارات المذكورة إرسال فرق خاصة بأعمال التصليح والترميم لجعل المدرجات قابلة تماما للاستخدام في العمليات العسكرية. وبعد ذلك يتوجب نقل الوحدات الهندسية والفنية المتخصصة بالمطارات وتزويدها بما يلزم من المعدات والأسلحة ثم بعد ذلك الشروع في نقل المعدات واللوازم المختلفة وبعدها فقط البدء باستقبال الطائرات. وبالنسبة للقاعدة العسكرية السوفييتية السابقة في أفغانستان «باجرام» والواقعة تحت سيطرة قوات تحالف الشمال الموالي لموسكو ، يرى الخبراء الروس أنها غير صالحة تماما للاستخدام في الوقت الحالي. ويتوقع هؤلاء الخبراء أن تهتم الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أساسي بالمطارات الواقعة في أراضي أوزبكستان وخاصة مطار كوكايدي نظرا لكونه قريباً جدا من الحدود الأفغانية حيث يمكن أن يجري نشر بعض وحدات القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية وفصائل الاستطلاع وطائرات التجسس بدون طيار لاستكشاف الأراضي الأفغانية. ويعتقد بعض المراقبين الروس بأن الصعوبات الفنية الموجودة في مطارات جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية سابقا قد تكون من الأسباب الرئيسية لعدم قيام واشنطن حتى الآن بضربتها الانتقامية ضد أفغانستان. موسكو ـ فاروق سعد الدين: