المعايير التى تحكم العالم منذ الأزل خاضعة لمفهوم توازن القوى والأقوى هو الذي يستطيع بوسيلة أو أخرى التحكم فى الآخر أفرادا او جماعات او دولا لهذا فالعالم فى حالة صراع مستمر بين قوى ذات مصالح متقاطعة. ثنائية العدل والظلم فجرت منابع التمرد والثورة التى فسرها البعض إرهابا بعد ان تم فى المجتمعات المعاصرة تسييس الإرهاب وتصاعد الجدل حول مشروعيته وتساوى المجاهد والمنتقم والمرتزقة، اهتموا بإرهاب الفرد وتجاهلوا إرهاب الدولة ففى منطقة الشرق الأوسط صورة مجسمة لإرهاب الدولة (إسرائيل) وهى دولة مسنودة بقوة عظمى مكنتها وفي ضوء النهار من قتل الأبرياء والنساء والأطفال واصطياد المفكرين متعدد الأبعاد وان اعتبره الغرب عموما خاصة أمريكا مجرد إجراء وقائي تتبعه الدولة العبرية كى تعيش في أمن وسلام. كيف يتحدث عاقل عن امن واستقرار لجماعات متنافرة تجمعت من كل أنحاء العالم ليتم توطينها فى بلد تحاول الصهيونية العالمية تغيير معالمه بتشريد مواطنيه وتهويد أرضه ومعابده. من هو الإرهابي ؟ وماهي صفاته ؟ غياب المرجعية والإجماع حول من هو الإرهابي أدى الى تسيس المصطلح والاختلاف على تعريفه فالمناضل الفلسطيني الذى يفجر نفسه خدمة لهدف اسمى في نظر إسرائيل والغرب إرهابيا وهو الذى استشهد من اجل قضية والاتهام بالإرهاب سلاح مشروع أمام كل متمرد على مصالح أمريكا، فأمريكا سيدة العالم قد تمكنت فى حرب الخليج الثانية من تجميع دول عديدة تحت قيادتها تحت مظلة الشرعية الدولية وهى التى قادت التحالف الاقليمي فى كوسوفو وتحالف الراغبين بالتعاون مع دول أخرى أهمها استراليا فى تيمور الشرقية. واستراليا كما هو معروف هى الدولة الإقليمية الكبرى فى المنطقة وهى أيضا صورة مستنسخة من الدولة الام بريطانيا. التحالف الجديد الذى تسعى أمريكا لاقامته مختلف عن كل التحالفات السابقة، فالحرب ضد الإرهاب التى أعلنها الرئيس بوش حرب ان تمت بالصورة التى يتحدث بها سياسيو أمريكا واعلامها سيترتب عليها تغير جذري فى كل مناحي الحياة. لذلك أطلق عليها اسم حرب الأشباح فهى حتى هذه اللحظة باستثناء الحديث المتكرر عن اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة لم يحدد بدقة من هم الإرهابيون المراد اقتلاعهم في وسائل الاعلام الموجهة اشارات تهم المواطن العربي عن تنظيمات وطنية فرضت وجودها لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي ـ منظمة التحرير الفلسطينية ـ حماس ـ الجهاد ـ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ـ حزب الله ـ والى دول تم تصنيفها من قبل أمريكا بأنها هى التى ترعى وتدعم الإرهاب فى العالم سوريا ـ العراق ـ ايران ـ السودان ـ كوريا ـ كوبا ـ علما بان أفغانستان لم تكن مضمنة فى قائمة هذه الدول. امريكا ونظرية صراع الحضارات نظرية صموئيل هنتنجتون أستاذ العلوم السياسية ومدير معهد جون اولن للدراسات الاستراتيجية فى جامعة هارفارد استندت الى فرضية مفادها ان المصدر الرئيسي للصراعات فى عالم ما بعد الحرب الباردة لن يكون أيديولوجيا او اقتصاديا ـ المصدر الأساسي للصراعات سيكون ثقافيا، اهتمت النظرية الى حضارات مختلفة فهى جميعا فى مواجهة الحضارة الغربية مع التركيز على حضارتين سوف يكون لهما دور في مواجهة الحضارة الغربية. الاسلام والحضارة الكنفوشوسية. تميزت الصين المعاصرة بالصمود أمام التحديات وتسجيل الانتصارات على أعدائها وعلى مشاكلها الداخلية فهي التى استطاعت بقيادة ثورتها الكبرى الخروج من عالم التخلف والتبعية والأفيون الى عالم اخر حيث التحديث والدولة العصرية المنافسة لجيرانها النمور الآسيوية ولحلفائها قبل الانهيار (الاتحاد السوفييتي) ولاعدائها أمريكا والغرب وتمكنت الصين بقدراتها الذاتية بقيادة ماوتسي تونج من تحقيق استقلالية قرارها عندما اختلفت مع الاتحاد السوفييتي ومن مواجهة امريكا فى كوريا وفيتنام وكمبوديا وتايوان ومن التكيف ببراعة وبعد نظر مع التحولات الكبرى التى حدثت فى العالم وفى مقدمتها انهيار الاتحاد السوفييتي الدولة الاولى فى المعسكر الاشتراكي وتفكك حلف وارسو وتحول دوله وبدرجات متفاوتة الى اصدقاء بل حلفاء للغرب ـ استعدت الصين لهذه المرحلة منذ زمن بعيد عرف فى زمانه بمواجهة وتصفية عصابات الاربعة رموز الثورة الثقافية الصينية المتطرفة التى ارادت ان تجرد البلاد من رموزها الفكرية وتمحو ذاكرتها. بالقضاء على الثورة الثقافية دخلت الصين مرحلة جديدة ومهمة اتجهت فيها بكلياتها لبناء الدولة على اسس واقعية فيها اساليب مبتكرة مكنتها من تهديد الوجود الامريكي في اسيا، فالصين اليوم هى الدولة الكبرى الوحيدة التى تعمل لها امريكا الف حساب. وحصنتها من الامراض السياسية الخطيرة التى ادت الى تفكك الاتحاد السوفييتي واضافت الى سجل انتصاراتها عودة هونج كونج للصين وفق معادلة متوازنة صفت بموجبها الوجود البريطاني فيها سلميا واختيار حاكم صيني بدلا من حاكمها البريطاني بموجب هذه المعادلة عادت هونج كونج الى الدولة الام تحت مظلة نظام جديد (دولة بنظامين) وهو المشروع الذى بشر به مجموعة من الأكاديميين الأمريكان في السودان المستقبل كحل للحرب الاهلية الدائرة بين الشمال والجنوب. حسب افتراض هنتجتون فان الصراع بين الحضارة الكونفوشوسية والحضارة الغربية موجود وممارس كما هو موجود بين الحضارة الاسلامية والغربية. الفرق بين الصين والمسلمين يكمن فى ان الصين قد استطاعت ادارة معاركها وصراعاتها مع جيرانها واعدائها وحلفائها ومعارضيها فى الداخل ببراعة مكنتها من الصمود والصعود الى مرتبة الدولة الكبرى المنافسة لامريكا فى محيطها الاقليمي وفى مواقع اخرى بعيدة وقصة الصين مع بترول السودان واملها فى التمدد جنوبا فى العمق الافريقى هو السبب المباشر لزيادة اهتمام الولايات المتحدة بالمشكلة السودانية ومحاولة التدخل مباشرة فيها. المواجهة مع الصين من قبل الولايات المتحدة لها أبعاد تجارية (فالصين اكبر أسواق العالم) وعسكرية ودبلوماسية وهي الان بقيادة الحزب الشيوعي والصين عضو في منظمة التجارة العالمية ـ الجمع بين الحزب الشيوعى ومنظمة التجارة الدولية عمل يصعب على اى دولة غير الصين انجازه. علاقة الإسلام بالغرب هناك خلط بين الاسلام كدين وتاريخ وحضارة المسلمين في الغرب من يتحدث عن الأعداء المسلمين والإسلام ـ الباحث نجيب غضبان صنف هنتنجتون كواحد من المستشرقين الجدد حيث كتب ما يلي : يمثل هنتنجتون لما عرف بين الدوائر الاكاديمية فى الغرب بالمستشرقين الجدد. وما يميز هؤلا عن اسلافهم انهم اقل فهما للاسلام واكثر التصاقا باسرائيل هذان العاملان يدفعان بكثير من المستشرقين الجدد الى التخلى عن المعايير العلمية والاكاديمية عندما يتعلق الامر بدراسة الاسلام تتحول الدراسة الاكاديمية الى مجرد اطلاق احكام قيمة اقرب ما تكون الى النظرة العنصرية الدونية الى الحضارات والشعوب الاخرى منها الى الدراسة العلمية. السؤال الواجب طرحه هنا هو: ماهى اسس العلاقة بين الاسلام والغرب ؟ وهل هى عدائية ؟ ان كانت كذلك ماهى اسباب العداء ؟ تاريخيا كان للحروب الصليبية دور ثم جاء الاستعمار وما صاحبه من تفتيت للدول العربية والاسلامية وما ترتب على وعد بلفور (قيام اسرائيل) ودورها السالب فى المنطقة! الهجرة الى الغرب وماصاحبها من ممارسات ضد الاجانب خاصة العرب والمسلمين كما هو الحال فى امريكا وفرنسا واسبانيا. ظاهرة الاحياء الدينى عموما ومحاولات ربط الاسلام بالارهاب، العولمة والصراع بين العالمية والخصوصية، غياب المعسكر الاشتراكى وتأثر الغرب بنظرية البحث عن عدو جديد، ضعف البلاد الاسلامية والعربية وتفكك صفها اعتماد دول اسلامية وعربية على الغرب عسكريا واقتصاديا. مساندة الغرب لاسرائيل ولممارساتها اللا انسانية فى فلسطين المحتلة. ولهنتنجتون رؤية محورها ان اسس الاختلاف بين الغرب والاسلام ليست الأصولية الاسلامية انما الاسلام نفسه الذى يمثل حضارة مختلفة ويقتنع اتباعة بتفوق حضارتهم مع الاعتراف بضعفهم الان. الغرب فى وجهة نظر الكثيرين بمن فيهم بعض مثقفى الدول الاسلامية هو الذى يمثل الحضارة العالمية القادرة على فرض رؤيتها على كل انحاء العالم لذلك يرى هنتنجتون ان المسلمين هم الطرف المشاكس استنادا الى احصائية عن الصراعات الدموية في الفترة بين 1993 ـ 1994م شهدت 50 صراعا اثنيا على مستوى العالم كان المسلمون طرفا فى 26 منها. ومن هذه النزاعات 20 نزاعا بين المسلمين واتباع حضارات اخرى ويرى الكاتب ان لدى المسلمين نزعة لحل الازمات الدولية بالعنف فالاسلام في البداية كان دين سيف وارتكز على فكرة الجهاد. والاسلام فى نظر هنتنجتون لا ينسجم مع القيم الديمقراطية وهو عدوانى بطبعه انتشر بحد السيف ويحاول فرض قيمه على الاخرين بالقوة. النظرة القاصرة للاسلام تؤكد ما تحدث عنه الباحث نجيب غضبان عن هنتجتون وعدائه غير المبرر للاسلام كدين وكحضارة. يرى هنتنجتون ان التحدى الاسلامى للغرب سوف يعتمد على الصحوة الاسلامية التى فسرها بالاتى: ـ عودة اعداد كبيرة من المسلمين الى الالتزام بتعاليم الاسلام. ـ التأكيد على الهوية الاسلامية المميزة. ـ انتشار شعار الاسلام هو الحل. ـ الزيادة السكانية فى النهاية تعنى قاعدة ومصدر لاعداد جديدة من الشباب المنتمي لتيار الصحوة الاسلامية. لتاكيد صحة نظريته طرح بعض الاحصائيات حول النمو السكاني فى العالم الاسلامي التى تعتبر اعلى النسب فى العالم ففى عام 1980 م كانت نسبة المسلمين فى العالم 18 % ويتوقع ان ترتفع الى 30 % فى عام 2025 م. النمو السكانى فى العالم الاسلامى والمجتمعات الاسلامية مجتمعات شابة قد يزيد فى نظر صاحب نظرية صراع الحضارات من نسبة المنتمين للحكات الاسلامية فى الداخل وزيادة معدلاتهم ايضا بين المهاجرين للدول المجاورة ولدول الغرب كذلك تحدث هنتنجتون عن ضمور الصحوة الاسلامية مستقبلا بخفض النمو السكاني فى العقدين الثانى والثالث من القرن الحادي والعشرين وتفكيك المتشددين وفشل النظم المسماه اسلامية فى حل اشكاليات التخلف الاقتصادي والاستبداد السياسي ويستثنى دولتين اسلاميتين هما اندونيسيا وماليزيا لنجاحهما فى تحقيق معدلات عالية للتمنية وتقديم نموذج نافس النموذجين الغربي والاسيوي فى البلاد غير الاسلامية. امريكا واحداث الثلاثاء الاخيرة البعض يعتقد ان ما حدث فى نيويورك وواشنطن فية رسالة بأن الغرب سيشهد انحدارا نسبيا فى نفوذه العالمى. لهذا تحركت امريكا بسرعة تحركا متعدد الابعاد عسكريا فى كل قواعدها وهي على اتساع العالم ودبلوماسيا فالمعركة مع الارهاب ذات طابع جديد ومختلف عن كل ما سبقها من معارك. في الماضي استطاعت امريكا المتقدمة علميا واقتصاديا ادارة معاركها مع منافسها الاتحاد السوفييتي معتمدة على التطور غير المسبوق فى مجال التكنولوجيا ففي 22 مارس 1983 اعلن الرئيس ريجان برنامج حرب النجوم للضغط على الاتحاد السوفييتي الذى كان يعيش مرحلة جمود تلت جيل ليونيد برجنيف اطلق الرئيس ريجان ما سمي يومها (حرب النجوم) تقوم اساسا على تطوير برنامج التسليح الامريكي وعلى اجراء ابحاث جديدة فى ميدان الدفاع المضاد للصواريخ عابرة القارات وتمكن الجيش الامريكي انطلاقا من الفضاء وعبر استخدام شبكة شديدة التعقيد من وسائل الاتصال الفضائية والاجهزة الالكترونية المعقدة واشعة الليزر من اعتراض الصواريخ النووية التى قد تطلق قبل ثوان من قواعدها السوفييتية فى اتجاه الاراضي الامريكية او غيرها وتدميرها فى الجو. لقد كان للمشروع دلالاته السياسية والسيكولوجية مما يؤكد تفوق امريكا تكنولوجيا فى وقت كانت تبدو فيه ان استراتيجية الاتحاد السوفييتي التسليحية قد وصلت الى حدود ليس فى الامكان تجاوزها ـ علق على هذا التحول واينبرجر وزير الدفاع الامريكي فى ذلك العهد ـ لايمكننا ان نعيش اكثر فى عالم تقوم فيه الحرب على مبدأ قتل الناس بدلا من الاكتفاء بتدمير الاسلحة. الجديد هنا هو انهاء الحرب قبل وقوعها بالتخلي عن المفهوم التقليدي للحرب التى تقوم على قتل اكبر عدد من العدو. فالحرب الجديدة فى رأى الرئيس ريجان هى تلك التى تقوم على الغاء الحرب. حرب النجوم بأساليبها التقنية وتعقيداتها تأتي لتلغى الخوف من الضربة الاولى، فلتكن الضربة الاولى، ولكن الصواريخ لن تصل الى هدفها لان الصواريخ الدفاعية ستكون لها بالمرصاد تنطلق فى الجو لتدمر الصواريخ المرسلة قبل وصولها لهدفها. وللوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة انفقت الولايات المتحدة 26 بليون دولار من اجل تطوير حرب النجوم. الآن وبعد مرور سنوات طويلة تواجة الولايات المتحدة تحديات غير متوقعة تمثلت في تدمير اهم منشآتها العسكرية والمالية وبوسائل اقرب الى البدائية اذا قورنت بما تم فى برنامج حرب النجوم مما جعل الدولة الاولى فى العالم تتحدث بلغة اقرب الى القرون الوسطى ـ عن ابن لادن وعن تنظيم القاعدة. ويتحدث رئيسها بلغة الغرب الامريكى (نريده حيا او ميتا) مكررا بألفاظ مختلفة المعاني التى اطلقها جون فوستر دالاس وزير خارجية امريكا فى الخمسينيات من ليس معنا فهو ضدنا والآن يقول الرئيس بوش على العالم ان يختار بين امريكا والارهاب! د. ابراهيم الأمين