عام مضى منذ استشهد 12 فلسطينياً، احتجوا على زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي ـ الذي كان زعيم المعارضة آنذاك ـ ارييل شارون للحرم القدسي الشريف، وما اعقب ذلك من اعتداءات إسرائيلية متواصلة، حاولت إسرائيل من خلالها ان تكبد الفلسطينيين خسائر تقارب ما انجزوه خلال سبع سنوات ماضية، وان تدمر حياتهم على كافة المستويات، ان تحديد أسباب الانتفاضة الثانية، يدعونا لمراجعة الاحداث من سبتمبر الماضي، وهو الشهر الذي اندلعت فيه الانتفاضة، فبعد يوم من الزيارة الاستفزازية التي قام بها شارون للحرم القدسي، أطلق جنود الاحتلال النار وبصورة وحشية على المصلين الفلسطينيين الذين تظاهروا سلميا ضد هذه الزيارة. والواضح ان هذا الحادث لم يكن الا عاملاً مساعداً، اذ ان السبب الرئيسي للانتفاضة هو تحرر الفلسطينيين من اوهام نسجتها سبع سنوات من الترقب والانتظار، هي عمر عملية السلام التي لم تعط بالنهاية الا ثمارا قليلة جداً، ولذا فقد كانت هذه الانتفاضة استئنافاً لعملية المقاومة والكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلي المتواصل منذ اربعة وثلاثين عاماً. ومع تصاعد اعمال المقاومة، ارتفعت وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، ففي السنة الماضية، استمرت الحكومة الإسرائيلية باستخدام القوة بشكل مكثف ومتطرف ضد المناطق الفلسطينية، وهو ما اظهر خطة ممنهجة ومصممة مسبقاً، وضعت أسسها منذ امد بعيد، متجلية بالتوسع الاستيطاني الذي حاولت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من خلاله فرض حقائق على الأرض، بالرغم من عملية اوسلو للسلام والمشاركة الاسمية في المفاوضات، وهو ما أظهر عدم الجاهزية الإسرائيلية للسماح بنشوء دولة فلسطينية فعلية قادرة على الحياة، اضافة إلى الخطوات التحضيرية لتدمير المنجزات التي حققها الفلسطينيون طوال الاعوام الماضية. ولعل البرهان على الأكاذيب الإسرائيلية، هو ان الفترة اللاحقة لعملية اوسلو شهدت تمدداً استيطانيا بنسبة 52 بالمئة، وذلك في عدد المستوطنين والمستوطنات، اضافة إلى انشاء 46 مستوطنة جديدة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي. وفي بداية الانتفاضة الحالية بدأت إسرائيل عملية تدمير جديدة لحياة الفلسطينيين، بشكل لم يقتصر على النواحي المادية والديمغرافية فحسب بل تعداها إلى النواحي الرمزية أيضاً. فطوال الاثني عشر شهراً السابقة، تجلى التدمير المادي في الاراضي الفلسطينية بشكل واضح، مسبباً تدميراً كبيراً للارض والممتلكات، من خلال القصف والهجمات المسلحة والاغارة من قبل الجيش والمستوطنين المتطرفين، اضافة إلى تدمير منازل المدنيين الفلسطينيين. وبالارقام، فقد ألحق الجهد المشترك للجيش الإسرائيلي وقطعان المستوطنين اضراراً بأكثر من 3500 منزل فلسطيني، وخمسين مكانا للعبادة، بالاضافة لردم اكثر من 108 أبار ماء، وبصيغة تقريبية، فان 700 منزل من التي دمرت سويت بالارض بحجة بنائها من دون ترخيص. هدم وتمدد انها لمفارقة قاسية حقاً، عندما تقارن هذه المنازل مع التمدد المستمر للمستوطنات الإسرائيلية، والتي تعتبر غير شرعية استناداً إلى القانون الدولي. وبالاضافة لما سبق فقد ادت هذه الشراكة غير المكتوبة بين المستوطنين والجيش الإسرائيلي، إلى الحاق اضرار فادحة بالقطاع الزراعي الفلسطيني، حيث تم تجريف اكثر من 42 الف دونم من الاراضي الزراعية، في حين اجتثت اكثر من 112 الف شجرة زيتون وفاكهة، ملحقة اضراراً اقتصادية بالعديد من المزارعين الذين يعتمدون على ما تنتجه اراضيهم في تحصيل قوت عائلاتهم. ولم يقتصر الأمر على ما سبق، فقد لاحقت الاعتداءات الإسرائيلية باقي المزارعين، بفرض حصار عسكري مشدد على العديد من البلدات والقرى، عازلة اياها عن بعضها البعض، ومانعة أبناءها من تصدير بضائعهم إلى الاسواق، في ثنائية غريبة ففي حين تتعرض الاف الكيلوجرامات من الفواكه والخضار للتلف في قرية ما، تمنع عائلات عديدة من الحصول عليها في قرية اخرى مجاورة. ومما لا شك فيه، ان تأثير الحصار لا يقتصر على المناطق الزراعية فقط بل هو جزء من مخطط اسرائيلي يهدف إلى تدمير حياة الفلسطينيين بالكامل، وتحويل وطنهم إلى 220 كنتوناً معزولاً. فعلى طول الاراضي الفلسطينية، ينتشر 77 حاجزاً عسكرياً إسرائيلياً، ناهيك عن الاغلاقات المتتالية للطرق وما تسببه من اختناقات مرورية. والاكثر من واضح هنا، ان هذه السياسة هي الاساس الذي تبني عليه إسرائيل سياسة العزل، حيث يعزل كل تجمع سكاني فلسطيني عن جاره. وبالاضافة إلى ما سبق، فقد مكنت الحواجز العسكرية الإسرائيلية بالتوازي مع سياسة الخنق واغلاق الطرق والشوارع الالتفافية التي تربط المستوطنات بعضها ببعض، الجيش الإسرائيلي من التحكم بحركة الناس والبضائع، داخلياً وخارجياً، كما ودمرت الاجراءات المشددة على حرية التنقل تدريجيا البنى التحتية الفلسطينية، مسببة شللا كاملا لها. ولعل المثال الواضح على هذا الأمر، منع إسرائيل لاكثر من 125 ألف فلسطيني من التوجه لاعمالهم، وهو ما نجم عنه خسائر في الدخل القومي تقدر بـ 6.250.000 دولار أمريكي، اضافة لانخفاض يقارب 51 بالمئة من ناتج الدخل القومي، ناهيك عن ارتفاع البطالة إلى نسبة 50 بالمئة من مجموع القوى العاملة الفلسطينية، مما دفع بـ 82 بالمئة من الفلسطينيين إلى تحت خط الفقر، اي العيش بأقل من دولارين يوميا للفرد الواحد. قطاع التعليم تضرر أيضاً، وعلى كافة المستويات: ابتداء من عدم قدرة المعلمين على الوصول إلى مدارسهم، مروراً بصعوبة الحصول على المواد اللازمة لإدارة العملية التعليمية، وانتهاء بما احدثه الرصاص والقصف الإسرائيلي من اضرار مادية ودمار طال العديد من المؤسسات التعليمية. فعلى سبيل المثال، وفي اليوم الأول للعام الدراسي الحالي، منع جنود الاحتلال قرابة الثلاثمئة طالبة تتراوح اعمارهن بين السادسة والثانية عشرة من دخول مدرستهن الواقعة في مدينة الخليل. اما وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الاونروا» فقد اوردت في تقرير لها، ان 40 بالمئة من العاملين في مدارسها لم يستطيعوا الوصول إلى اماكن عملهم، منذ اكتوبر الماضي بسبب الحصار. ولتحاشي الوقوع في نفس المشكلة هذا العام، اعادت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية نقل قرابة خمسة الاف معلم إلى مدارس قريبة من اماكن سكناهم. ولابد من الاشارة هنا إلى قيام الجيش الإسرائيلي باحتلال ثلاث مدارس، واغلاق ست اخرى في منطقتي نابلس وبيت لحم، اضافة لعرقلة عمل العديد من المدارس الاخرى فمنذ بدء الانتفاضة الحالية اقتحم جنود الاحتلال 23 مدرسة اضافة لقصف 95 مدرسة اخرى، مما اضطر المعلمين إلى اخلاء خمسين منها. شلل طبي ولم يسلم القطاع الطبي من الهجمات أيضاً، فقد هدد الحصار هذا القطاع بالشلل الطويل الامد، كما واعاق امكانية تزويد الخدمات الطبية الطارئة، فقد سجلت اكثر من 164 عملية اعاقة لعمل سيارات اسعاف تابعة للهلال الاحمر الفلسطيني واتحاد لجان الاغاثة الطبية الفلسطينية بسبب الحواجز العسكرية الإسرائيلية، والاخطر من ذلك، مهاجمة جنود الاحتلال والمستوطنين، في اكثر من 140 حادثاً منفصلاً، 73 بالمئة من سيارات اسعاف الهلال الاحمر، ناهيك عن مقتل خمسة من الأطباء والممرضين، واصابة 154 عاملاً في الهلال الاحمر والاغاثة الطبية. وبالاضافة لما سبق، فتح الجيش الإسرائيلي، وفي اكثر من مناسبة، النار على ست مستشفيات، مما أدى إلى اصابة عدد من العاملين والمرضى. والواضح ان إسرائيل تنتهك باعتداءاتها كافة المعاهدات والمواثيق الدولية، بما فيها معاهدة جنيف الثالثة، التي تنص في المادتين 16 و17 ان على الاطراف المتنازعة السعي نحو الوصول إلى اتفاقية محلية لاخلاء الجرحى والمرضى وكبار السن والأطفال وحالات الولادة من المناطق المحاصرة، اضافة للسماح بمرور رجال الدين من كافة الاديان، والطواقم والمعدات الطبية المتوجه إلى تلك المناطق. والخطير في هذا الأمر، كون الموت هو النتيجة الحتمية غالباً لهذه الانتهاكات، ففي هذا العام توفي 26 فلسطينياً نتيجة قيام جنود الاحتلال المتمركزين على الحواجز بمنعهم من تلقي الخدمات الطبية، اضافة لست حالات لنسوة انجبن على الحواجز، وتجريف احياء بكاملها كما جرى في رفح وخانيونس، وهو ما يدل على سياسة تعسفية منظمة ومخططة، ليس من المغالاة اعتبارها شكلاً من اشكال التطهير العرقي. ان الخسائر البشرية التي تكبدها الفلسطينيون في العام الماضي كانت كبيرة اذ قتل 696 فلسطينيا في الـ 12 شهر الماضيين، كما وصل عدد الجرحى إلى ما يقارب 23 ألفاً، أي حوالي واحد بالمئة من عدد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما تساوي نسبته تسعة اضعاف عدد الذين قتلوا في الاعتداءات التي وقعت في الولايات المتحدة، بالمقارنة بين حجم السكان في كلا البلدين. ويبدو ان نظرة متفحصة لهذه الأرقام تمنح الرأي القائل بأن حكومة إسرائيل متورطة في عملية تطهير عرقي مصداقية كبرى، ولعل الأرقام هي اكبر دليل: فأكثر من 58 بالمئة من الفلسطينيين الذين استشهدوا منذ بدء الانتفاضة لم يكونوا مشتركين في أي اشتباكات، وقد ارتفعت هذه النسبة إلى 90 بالمئة في الشهر الرابع واستمر المعدل في الارتفاع إلى ما فوق 60 بالمئة، مما يعني ان الاغلبية الساحقة من الفلسطينيين قتلوا بينما كانوا يمارسون حياتهم اليومية: في البيت، أو العمل، أو المدرسة، أو وهم يقودون سياراتهم. كما تشير الاحصائيات، إلى ان الحكومة الإسرائيلية تجمع ما بين عدة وسائل لانزال اقصى اثر مميت على الفلسطينيين، وهو ما يمكن رصده من خلال نمط الاصابات التي يعاني منها الفلسطينيون، والتي ستقود بالضرورة إلى الخروج باستنتاجات خطيرة، تشير إلى 99.4 بالمئة من الفلسطينيين الذين قتلوا بذخيرة حية، اصيبوا في القسم العلوي من الجسم، في حين اصيب 0.6 بالمئة المتبقون في القسم السفلي، مما يؤكد ان الجيش الإسرائيلي يطبق سياسة التصويب بهدف القتل، فاطلاق النار على القسم العلوي من اجساد مواطنين يمارسون حياتهم الطبيعية لا يشكل مبرراً معقولاً «للدفاع عن النفس». ومما يلفت الانتباه أيضاً، ان 29.9 بالمئة من الاصابات تركزت في القسم السفلي من الجسم، أي ان اكثر من ثلثي المصابين الفلسطينيين اصيبوا في القسم العلوي، مما يشير على الأغلب إلى الرغبة في احداث اعاقات. ان هذه الاحصائيات التي تتحدث عن نفسها، هي اقوى بكثير من الكلمات الجوفاء التي تطلقها الحكومة الإسرائيلية بأنها «تمارس سياسة الدفاع عن النفس»، وتمثل صورة جلية للسياسة الإسرائيلية الهادفة إلى القضاء على الإنسان الفلسطيني كحلقة مكملة لسياسة هدم البيوت، وتجريف الأراضي، واقتلاع الأشجار. ومما يلفت الانتباه ان 87 بالمئة من الفلسطينيين الذين استشهدوا كانوا من المدنيين، كما وتشهد الحصيلة الشهرية للشهداء ارتفاعاً مستمراً يشمل كافة فئات العمر، يشكل الأطفال فيه هدفاً بحد ذاته، اذ ان 30 بالمئة من القتلى شهرياً هم دون سن 18. ولعل من المفيد هنا التذكير بمأساة الاخوين، بلال واشرف خليل، اللذين يعدان اصغر ضحايا سياسة الاغتيالات الإسرائيلية الخارجة عن نطاق القانون، اذ استشهدوا بينما كانا بانتظار والدتهما خارج عيادة صحية في مدينة نابلس، وذلك عندما اطلقت المروحيات الإسرائيلية الصواريخ على اثنين من القادة السياسيين الإسلاميين. القتل المحدد فتحت مصطلح «القتل المحدد»، اغتالت إسرائيل الاخوين بلال واشرف، اضافة إلى اربعة فلسطينيين لم يكونوا «محددين» في الاعتداء. والواضح ان هذه الاعتداءات قد شهدت ارتفاعاً حاداً في وتيرة تكرارها في الاشهر الأخيرة، حيث حصدت ارواح ما مجموعه 56 فلسطينيا في اغتيالات خارجة عن نطاق القانون، كان من بينهم 38 شخصاً استشهدوا في اعتداءات من شهر ابريل الماضي لغاية الآن. ومن جرائم الاغتيالات الاخرى، قيام إسرائيل باغتيال ابو علي مصطفى باطلاق مروحياتها الحربية صاروخين على مكتبه في البيرة. وقد كان ابو علي مصطفى من الشخصيات السياسية البارزة التي لم تخش ان تدعو للكفاح جهراً ضد الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما اظهر تصعيداً في السياسة الإسرائيلية مضمونه ان أي قائد سياسي قد أصبح هدفاً محتملاً لجرائم القتل الإسرائيلية هذه. ان سياسة الاغتيالات هذه، هي جزء من سياسة اشمل تهدف إلى القضاء على أي امكانية لقيام دولة فلسطينية تمتلك مقومات النجاح، كما تظهر ان إسرائيل لن تكف فجأة عن القضاء على القيادات الفلسطينية التي تشكل جزءاً من مقومات دولة فلسطينية مستقبلية. هذه هي بعض الآثار الملموسة لسياسة التدمير التي انتهجتها الحكومة الإسرائيلية طوال العام المنصرم، وهي النتائج الطبيعية للوسائل التي ادت إلى تدمير العملية السلمية وتدمير سبع سنوات من العمل والتنمية الفلسطينية، هذا التدمير الذي طال أيضاً مشاريع حيوية اقامها الاتحاد الأوروبي والممولون الدوليون مثل ميناء غزة. ولعل الطريقة التي بنيت عليها اتفاقيات اوسلو كانت أساساً للنهج الذي دمرت به إسرائيل عملية السلام، اذ سمحت هذه الطريقة بتطوير الطرق والمستوطنات التي تسيطر عليها إسرائيل، والتي تفصل بين المناطق الفلسطينية، وهي التي لم يكن بوسع إسرائيل من دونها وضع البنية الضرورية لخنق وعزل التجمعات الفلسطينية. سبع سنوات قد مرت ولا يزال جزء كبير من اتفاقيات اوسلو غير منفذ، مما اوصل الوضع إلى الحضيض، والشعب الفلسطيني إلى قدر يصعب تخيله من الاضطهاد. ومع ذلك فروح مقاومة الاحتلال اقوى من أي وقت مضى في نفوس ابناء الشعب الفلسطيني، وأهم مظاهرها التطلع إلى التحرر من الاحتلال الإسرائيلي الظالم من ناحية، واقامة دولة تمتلك مقومات النجاح والبقاء من ناحية أخرى، وهو ما يدلل بشكل قاطع على تمسك الفلسطينيين الثابت بحقوقهم. ان هذه الحقوق بحد ذاتها، يجب ان تكون مؤشراً لاجراء مفاوضات عادلة لا تحاول ان تتنكر للحقوق الأساسية للشعوب، التي كفلها القانون الدولي. فأية مفاوضات جديدة يجب ان تكون ضمن اطار دولي متوازن يضع آليات لتطبيق قرارات الأمم المتحدة، لا سيما تلك التي تدعم حق الفلسطينيين في الحصول على دولتهم، وتفكيك المستوطنات المقامة على اراضيهم، اضافة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء حدود الرابع من يونيو لعام 1967، وتأمين حق العودة للاجئين الفلسطينيين. ضغوط دولية وفي ظل تصاعد الضغوط الدولية لتجديد اللقاءات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فلابد من التركيز على ثلاثة امور اساسية: أولاً: بعد الصمود الاسطوري للشعب الفلسطيني ومعاناته الهائلة، فان أهم ما يشغل بال الشعب الفلسطيني، هو عدم السماح بهدر تضحياته الباهظة أو الرضوخ للضغوط بتقديم تنازلات سياسية تحيد عن أهداف الانتفاضة المعلنة في الحرية والاستقلال. فغالبية ابناء الشعب الفلسطيني تجمع ـ حسب استطلاعات الرأي المختلفة ـ على عدم جواز العودة إلى مسار ما قبل الانتفاضة من الاتفاقيات الجزئية والانتقالية، بل ضرورة الاصرار على ايجاد حل جذري وشامل، ينهي الاحتلال ويزيل الاستيطان ويحقق الاستقلال. وبكلمات اخرى، فإن الجهد السياسي الفلسطيني يجب ان يذهب في اتجاه ترجمة منجزات وتضحيات الانتفاضة إلى نتائج ومكتسبات سياسية. ثانياً: ضرورة التعلم من اخطاء تجربة اوسلو، وعدم السماح بتكرارها، وضمن ذلك لابد من عدم السماح بوقف الكفاح الفلسطيني بغض النظر عن تغير اشكاله، وهنا يجب التركيز على نقطة عدم الخلط بين الانتفاضة كاستئناف للكفاح الوطني، وبين بعض اشكالها التي قد تستبدل بتعزيز الطابع الشعبي الجماهيري لهذا الكفاح. وبعبارة اخرى، فإن العمل الدبلوماسي والسياسي يجب ان يترافق مع استمرار العمل الكفاحي، والا فسيجد الجانب الفلسطيني نفسه اسيرا مرة اخرى لاملاءات إسرائيل، ونتائج سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض. ومن المفيد هنا الاشارة إلى اخر نتائج استطلاعات للرأي، والتي تشير إلى ان 85 بالمئة من الفلسطينيين يؤيدون استمرار الانتفاضة، وان اكثر من نصفهم يثقون بأنها ستحقق هدفها في الاستقلال. واضافة لما سبق، يتوجب على الجانب الفلسطيني عدم الانزلاق إلى نفق الاتفاقيات الجزئية والانتقالية، بل الاصرار على التركيز على الأمور الجوهرية، وهي انهاء الاحتلال والاستيطان واقامة الدولة المستقلة، وتحرير القدس العربية، وتأكيد حقوق اللاجئين. ثالثاً: ان اية مفاوضات جانبية تجرى بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، لن تؤدي إلى نتائج، بحكم تركيبة المجتمع الإسرائيلي المتطرفة وميزان القوى القائم، وبالتالي فلابد من المطالبة باطار دولي متوازن وبضغط دولي لتطبيق الشرعية والقرارات الدولية. وقد يكون من المفيد في هذا الاطار الدعوة لعقد مؤتمر دولي جديد على شاكلة مؤتمر مدريد، بوفد فلسطيني مستقل هذه المرة، وارفاق ذلك بجهد منسق لبناء حركة تضامن دولية واسعة مع القضية الفلسطينية. كما ولابد من استثمار الاقرار العام، بعدما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية، بان الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي هو عامل رئيسي في زعزعة الاستقرار الاستراتيجي في المنطقة والعالم، وبالتالي فان حل القضية الفلسطينية وتلبية حقوق الشعب الفلسطيني هو مفتاح الاستقرار والأمن والسلام. واذا كان الاحتلال قد استطاع تدمير جزء مهم من البنية التحتية الفلسطينية، فإنه فشل فشلاً ذريعاً في كسر الارادة الفلسطينية، واضعاف روح التحدي والمقاومة، فالمصاعب والمشاق لم تزد الشعب الفلسطيني الا تصميماً على نيل الحرية والاستقلال والخلاص من ظلم الاحتلال البغيض. والأمر الأهم الآن، هو توفير الاستراتيجية السليمة، والرؤية القيادية الصحيحة للاستمرار في الكفاح وتعزيز مقومات الوحدة والصمود، وتحويل التضحيات والمنجزات الكفاحية إلى منجزات سياسية ملموسة، وليس مجرد التوصل إلى اتفاقيات مجزوءة، تغدو حلقات جديدة في سلسلة الوثائق والاتفاقيات البائسة، التي قد تصبح بدورها مغذية للاحباط والتمرد من جديد. بقلم: د. مصطفى البرغوثي ـ مدير معهد الإعلام والسياسات الصحية والتنموية