بدأت الحرب، وبدأت معها مشاعر متناقضة تنتاب الأمريكيين الذين تحلقوا حول شاشات التلفزيون في منازلهم بعد ظهر الأحد يتابعون ما يحدث دقيقة بدقيقة. كان أغلبهم قد عاد تواً من مباريات الدوري الوطني للرجبي والبيسبول التي تجري عادة ظهر الأحد من كل اسبوع. وقد يكون الطوق الأمني الذي لم يسبق له مثيل والذي احاط بالملاعب ظهر ذلك اليوم سبباً في اضفاء مناخ من التوجس والقلق على اللحظة بأكملها وذلك على الرغم من مشاعر التأييد لجورج بوش التي ترجمها المشجعون إلى هتافات وطنية رددتها الملاعب حين وردت اليها ـ أثناء المباريات ـ أبناء أفغانستان. وفيما يتساءل عرب كثيرون، بعد إعلان بوش ان أفغانستان هي الخطوة الأولى فحسب، عما سيأتي به المستقبل، فإن الأمريكيين يرددون السؤال ذاته حرفاً بحرف. انهما سؤالان متطابقان لا يفرق بينهما إلا الجغرافيا واللغة. فضلاً بطبيعة الحال عن مصدر القلق مما سيأتي. العرب يعرفون هذا المصدر. اما الامريكيون فإنهم يعرفون فحسب ان امراً جللاً ـ يشبه ما حدث في 11 سبتمبر ـ قد يأتي خلال الأسابيع أو الشهور المقبلة. الا انهم لا يستطيعون تحديد مصدره.. قد يأتي من الداخل. قد يحدث في الخارج. قد يسلك طريقاً لم يتوقعه أحد كما حدث قبل أربعة أسابيع. كل الاحتمالات واردة، وكل الاماكن أهداف محتملة. وتسأل شبكات التلفزيون المحلية الأمريكية مواطنين عاديين في الشارع عن مشاعرهم لتأتي الاجابات وكأنها مجهر يكشف ما يكتنف هذه اللحظة من تناقضات. أغلب الاراء تؤيد بوش، ولكنها لا تريد سقوط مدنيين أفغان ضحية للعمليات العسكرية. أغلبها كانت تتوقع الضربة، ولكنها لا تقبل الحرب كمبدأ لسياسة واشنطن الخارجية، أو كما قالت أم ذهب ابنها إلى أفغانستان «كنت اتمنى الا نحارب. ولكن كيف يمكننا ان نحمي أنفسنا اذا كانوا يقتلون دون تمييز على هذا النحو». وفي هذا المناخ المتوتر يبدو الأمريكيون العاديون بشراً عاديين أيضاً، ككل بشر آخرين. ويطل سؤال حاول كثيرون ابعاده عن اذهانهم: ماذا ارتكب هؤلاء الذين قتلوا في 11 سبتمبر؟ وماذا ارتكب المدنيون الذين يسقطون الان في أفغانستان؟ ثمة مرارات متراكمة في كل بقاع الارض من السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ولكن لماذا لا نفرق بين سياسة مادلين اولبرايت، وبين ماري دونالسون عاملة التنظيف التي فقدت حياتها وهي تمسح نوافذ بناية مركز التجارة الدولي صبيحة 11 سبتمبر؟ ولماذا لا نفرق بين مواقف طالبان وام أفغانية تجلس في سوق عام لتبيع خبزاً أو غير ذلك؟ في 11 سبتمبر تحمل امريكيون عاديون وزر سياسات لم يضعوها، بل وضعتها حكومات أمريكية متعاقبة، وربما حكومات اخرى من نوع حكومة ارييل شارون. ولكن المفردات الانسانية البسيطة التي تتوالى على شبكات التلفزيون من قبل امريكيين بسطاء وافغان بسطاء أيضاً تكشف عن مدى التشوش الذي اصاب كل شيء.. ليس هؤلاء هم «الهدف». لا ينبغي ان يكونوا هدفاً من الاصل، لا في نيويورك أو واشنطن، ولا في كابول أو قندهار. سيظل قتل الابرياء عملاً جباناً مهما قيل لتبريره. اذ كيف يمكن ادانة جرائم شارون بقتل المدنيين ثم قبول جرائم مشابهة مثل تلك التي وقعت في 11 سبتمبر. الا ينبغي ان نترك ازدواج المعايير لغيرنا؟ العلاقات بين الشعوب يجب ان تسلك طريقاً مختلفاً. لقد حسم البنتاجون الحرب بقتالهم وبانضمام الشارع الأمريكي ـ الأمريكيون العاديون ـ لهم بالملايين. ذلك ان الفيتناميين وضعوا خطاً واضحاً بين الحكومة، والشارع، انهم لم يخلطوا ـ بمثل هذا التشوش الذي نراه الآن ـ بين الجانبين. وبقدر ما يرفض العرب قتل الابرياء في أفغانستان، وفي فلسطين، فإن عليهم ان يرفضوا أيضاً قتل الابرياء في أي مكان آخر. ليس ثمة تعريف آخر للحضارة التي وضعنا نحن اعمدتها، وبقدر ما يرفضون عبارات من نوع «أفغانستان أولاً»، فان عليهم أيضاً محاسبة المسئولين عن أي مدنيين سيموتون في أفغانستان، سواء كان ذلك بقنابل الطائرات، أو بمن تسببوا في اطلاق هذه الطائرات بما تحمله من موت. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز:
