شكلت الأحداث الارهابية الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية نقطة تجاذب وتنافر بين العديد من الخبراء والمحللين، لاسيما ازاء تداعياتها وبخاصة ناحية شكل ومضمون الحرب المقبلة التي تنوي أمريكا شنها ضد الارهاب، وأيضا العلاقة بين المسلمين والغرب في ضوء الاتهامات الموجهة للعرب والمسلمين برعايتهم واحتضانهم للارهاب، أو حتى لحقيقة الارهاب وجذوره ومسئولية الغرب ذاته عن ازدهاره. وفي حلقة نقاشية بالكويت شارك فيها ثلاثة أكاديميين، تم التأكيد على أن صدام الحضارات أمر سيحدث حتماً في المستقبل، وعلى المسلمين أن يبذلوا جهدهم لتقديم مدرسة جديدة في الاسلام أو الاضطرار للتصادم مع الغرب، لكن هذا الأمر لم يمنع من توجيه اتهامات للولايات المتحدة والغرب عموماً، من انهم مسئولون عما حدث، بل ان البعض أكد ان ما حدث في نيويورك وواشنطن هو نتيجة لسياساتهما تجاه القضايا الدولية. «البيان» حضرت هذه الحلقة النقاشية التي نظمها مؤخراً قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت وأدارها د. شملان عيسى ورصدت أهم ما جاء فيها عبر التقرير التالي: في البداية قدم أو المحاضرين الدكتور سيف عباس شرحاً تاريخياً لخص فيه رؤيته للأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، فاعتبر ان ما حدث من تفجيرات ارهابية ليس عملاً منفصلاً أو منقطع الجذور عن السياق التاريخي العام وتحديداً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وقال: «بعد الحرب ظهرت اتجاهات عالمية جديدة منها الديمقراطي ذو النظام الاقتصادي المنفتح ومنها الشمولي ذو النظام الاقتصادي المنغلق.. وقد تقدم بعض شعوب العالم وبعضها تقهقر في كافة المجالات اقتصادياً وتربوياً واجتماعياً، مما أدى إلى ايجاد أرضية للتطرف في بعض تلك الدول». وأضاف د. عباس: ان الحاجة الاقتصادية الغربية وموجة العولمة أجبرتا الغرب على الاستعانة ببعض الدول المتواضعة اقتصادياً من ناحية تزويدها بالقوى العاملة، غير ان تلك اليد العاملة تشربت الفكر المناويء للحضارة الغربية وهي دائما تنظر إلى الغرب نظرة العدو والمستعمر. وفي الوقت نفسه فإن الغرب لا يستطيع الاستغناء عن القوى العاملة القادمة إليه من أوطان الكراهية له، وهو يدرك مدى الاختلافات الكبيرة بين نمظ حياته وتفكيره وبين الفكر العدائي الذي تشربته تلك القوى العاملة. ورأى عباس انه لابد للغرب من أن يغير نظامه الديمقراطي حتى يستطيع التكيف مع تلك العمالة المهاجرة! واستطرد قائلاً: ان شعوب بعض الدول الاسلامية أصبحت تنظر إلى الحضارة الغربية على أنها ضد كل ما هو شرقي وأنها تمثل العداء المسيحي للإسلام، موضحا ان الاسلام اتخذ هنا كذريعة وايديولوجية للتصدي لهذا العداء المزعوم في حين أن الاسلام الحقيقي لا يجيز ذلك. وذكر ان معظم الحركات الاسلامية تسعى لتجنيد الشباب دون الخامسة والعشرين وهو السن الذي يكون فيه الشباب مستعداً للقتال والتضحية مستنداً في ذلك إلى ما قاله أسامة ابن لادن في لقاء تلفزيوني. احراج ولغة مزدوجة من جهته قال الدكتور أحمد بغدادي ان الغرب يفهم اللغة المزدوجة التي يستخدمها العرب والمسلمون معه والتي تستخدم الأدوات الدينية نفسها في تحريم واباحة بعض الأفعال بعكس ما يظنه بعض العرب والمسلمين من أن الغرب يتلقى فقط رسالة واحدة وأضاف: ان النصوص الدينية نفسها استخدمت أثناء احتلال الكويت وبعضها كان يستخدم للتأييد وبعضها للمعارضة. والشيء نفسه يحدث الآن مع استخدام القوة العسكرية ضد طالبان، والغرب يفهم جيداً تلك اللغة المزدوجة. واعتبر البغدادي ان مواقف بعض العلماء المسلمين حالياً هي مواقف محرجة ومرتبطة باعتبارات سياسية، وتابع: لقد أصدر بعض العلماء فتاوى في أوقات سابقة استخدمها البعض اليوم في استباحة العمليات الارهابية كما ان هناك قراءات متعددة للفتاوى نفسها. وعاد البغدادي إلى مرحلة ما بعد نكسة 1967 فرأى ان العرب لم يستطيعوا حينها تقديم واظهار قيم التسامح وفضيلة التحاور في الاسلام، لأننا غير قادرين على التحاور معاً فيما بيننا. ثم خص الكويت بالقول ان التطرف الديني في الكويت يمثل واقعاً ملموساً من خلال فتاوى تحريم المسيحيين مروراً بتحريم مصافحتهم. وأضاف: ان اللوم من قبل الغربيين لا يوجه الآن للمسلمين فقط بل تعدى ذلك إلى الاسلام نفسه عبر اتهامات توجه لبعض النصوص الدينية التي تحث على الجهاد مبيناً أن ذلك جاء بسبب القراءة الأصولية للدين والتي جعلت البعض يستخدم النصوص بشكل مزدوج في الرفض أو التأييد. كما شكك البغدادي في التصريحات التي صدرت من بعض المسئولين الغربيين ولتي تنفي علاقة الاسلام بالارهاب مشيراً إلى أن الأصوات بدأت تعلو في الغرب تنتقد الاسلام وتعتبره مصدر فكر للارهاب. كما لاحظ كيف أن رجال الدين لا يشاركون في منظمات حقوق الإنسان ويتشددون تجاهها متوقفاً عند المعتزلة في العصر العباسي وكيف كانوا خير من دافعوا عن الاسلام باستخدام العقل في الدفاع عن النص في الوقت الذي فشل فيه دعاة النص بقيادة أحمد بن حنبل بالدفاع عن الاسلام حسب رأي البغدادي. وفي ضوء عرضه توقع البغدادي أن يحمل المستقبل في طياته «صداماً للحضارات»، وأن «الغرب سيصطدم بالاسلام على المستوى الثقافي ونحن المسلمين إما أن نبذل جهدنا لتقديم مدرسة جديدة في الاسلام أو سنضطر بجمودنا الحالي إلى التصادم معه» متوقعاً عدم حدوث ذلك قائلا «كالعادة وصلنا متأخرين في استيعاب ما يحدث ولا أتوقع أن نفعل شيئاً حيال ذلك». أمريكا ارادت افغانستان هكذا أما الدكتور غانم النجار فلم يستبعد ان يكون اسامة ابن لادن موجوداً قائلا «لقد كنت هناك قبل مدة قصيرة ولا استغرب في ضوء ما رأيته ان يكون ابن لادن هناك»، لكن النجار حمل أمريكا مسئولية ما يحدث الآن في أفغانستان التي وصفها «بفضلات الحرب الباردة» لأن واشنطن تركت هذا البلد هكذا، ولم تتم اعادة تأهيله وبالتالي كانت افغانستان مهيأة لان تسير في أي اتجاه وهذا ما حدث، كما ان الشيء نفسه فعلته واشنطن في الصومال «وهذا ما دعاني إلى ان اتوقع وجود ابن لادن في الصومال». وعرض النجار لكيفية تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع قضية الإرهاب، مؤكداً ان واشنطن امتنعت عن نشر اللوائح التنفيذية لقانون ضد كافة منابع الإرهاب الذي صدر عقب الحادثة الإرهابية الأولى في المكان نفسه الذي دمر في 11/9 ذلك ان كلينتون شعر ان نشر تلك اللوائح التنفيذية يؤثر على انسيابية عمل البنوك الأمريكية وبالتالي فقد غلب المصلحة الاقتصادية على المصلحة الوطنية والشيء نفسه قام به الرئيس الحالي جورج بوش. وقال النجار: ان الولايات المتحدة نفسها التي لم تقم بتطبيق قانون قطع التمويل المالي عن الإرهاب ورفضت تضمين المحكمة الجنائية أي ذكر للإرهاب الدولي نجدها الآن تسعى جاهدة للعمل على منع تمويل الإرهابيين وعلى تسليم أسامة ابن لادن لمحاكمته. وقال ان القانون الذي سيبحثه الكونجرس الأمريكي حول الإرهاب والذي يتضمن اعتبار قناصي الكمبيوتر «الهاكرز» من الإرهابيين وبأثر رجعي سينعكس سلبا على حقوق الإنسان، موضحاً ان من ضمن الاجراءات المتشددة التي يدفع بها اليمينيون في الإدارة الأمريكية «انشاء مؤسسة لمتابعة الإرهابيين الأجانب وأرصدتهم المالية وانشاء هيئة جديدة لحماية الأمن الوطني، والتصريح لاثنين من كبار الضباط في الجيش الأمريكي باسقاط الطائرات المدنية دون العودة للرئيس». وتساءل النجار «وماذا عن الخارج؟ وأجاب: ان المشكلة ليست ابن لادن بل الظروف السيئة والشعور المتنامي بعدم عدالة أمريكا والذي يدفع البعض للايمان بأفكار ابن لادن. وذكر ان القول ان هناك نظاماً دولياً جديداً سيتم انشاؤه على ضوء ما حدث أمر مبالغ لان الجو مربك في ظل عدم وجود أي دلائل على من قام بهذه التفجيرات. وأوضح ان كافة الاحتمالات مفتوحة معتبراً ان إسرائيل كانت من أكثر الدول استفادة من هذا الموضوع. وسلط النجار الضوء على الوضعية السياسية التي تمر بها باكستان جارة أفغانستان ووصفها بـ «أصعب موقف يمر على باكستان بعد استقلالها»، مضيفا هي «تشعر بالظلم من واشنطن عندما تركتها عقب انسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان بعدما ساعدتها ووقفت معها، وهي تشعر كذلك بالكثير من القلق والريبة تجاه واشنطن خشية ان تتخلى عنها مرة اخرى بعد ان تنتهي من موضوع ابن لادن وهي أيضاً التي تتأمل الكثير من موقفها المنحاز لواشنطن وخصوصا في موضوع اقليم كشمير المتنازع عليه مع عدوتها اللدود الهند». وطالب النجار واشنطن بحل مشكلتها مع الإرهاب من خلال «معالجة حالة الكره العالمية لها وبناء مجتمع دولي اكثر تماسكاً ومعالجة القضايا الاقليمية العالقة منذ امد بعيد، مثل القضية الفلسطينية بصورة اكثر حيادية، وحينها لن يتمكن ابن لادن أو غيره من قيادة العالم نحو الإرهاب، وأما أسلوب «الكاوبوي» واخراج الاعداء من جحورهم «كالفئران» فلن يرد الإهانة التي اصيبت بها دولة عظمى كأمريكا». الكويت ـ أنور الياسين:
