على غير ما كان يتوقع أكثر المراقبين أقدمت الولايات المتحدة على دعوة مجلس الأمن لمناقشة شأن العقوبات التي فرضها المجلس على السودان في 1996 وآن أوان رفعها منذ أكثر من عام ونصف العام ظلت الولايات المتحدة خلالها تماطل وتتنصل من ادراج الموضوع للمناقشة بمجلس الأمن، الى ان حان الحين في الاسبوع الماضي، فتبنت الولايات المتحدة موضوع رفع العقوبات على السودان، وان كانت قد عادت ـ لأسبابها الخاصة ـ فرفضت ان تصوت لصالح اقتراحها واكتفت بعدم التصويت الذي يفهم منه عدم الاعتراض أو الرضا الخجول. هزيمة لليمين الديني فاجأت خطوة الادارة الامريكية أول ما فاجأت أوساط اليمين الديني البروتستانت المتطرف التي كانت تعد العدة لاحكام الحصار حول السودان بدعاواها الاعلامية حول ممارسة الرق، واضطهاد النصارى في السودان، وتعمل في الوقت نفسه على استكمال وتفعيل ما سمي بقانون أمن السودان الذي أصدره مجلس النواب الامريكي بأغلبية 422 الى 2 وهو قانون قُصد به تحطيم الاقتصاد السوداني وايقاف نمو الصناعة النفطية بالسودان، لأن القانون يفرض عقوبات عنيفة على أي شركة نفطية تستثمر أموالها بالسودان، وقد أفزع ذلك القانون شركات «تاليسمان» الكندية ودعاها لوضع عدة بدائل للتصرف عند بدء تطبيقه عليها، ولكن هاهي غائلة القانون تنجاب، وهاهي آفاق الانفراج تبدو بخطوة أبعد أذهلت اليمين الديني وأحبطت مساعيه لأن الخطوة الأخيرة ذات مدلولات مستقبلية تشير الى تبدل نوعي في شأن العلاقات الامريكية السودانية التي قد تتجه الى نوع من التعاون والا فإنها لن تتجه مجددا الى نمط العلاقات التصادمية القديمة. يصعب القول بأن العلاقات الامريكية السودانية ستصفو تماما لأن عكر العقد الماضي سيطفو عليها بين الحين والحين فيعكرها، كما ان وجود من يحرصون على تكدير تلك العلاقات في أوساط اللوبي الديني اليميني واللوبي الصهيوني، سيجعل اهتزاز تلك العلاقات أمرا متوقعا، إن مراكز الضغط المعادية للسودان في واشنطن هي من القوة بحيث لا يمكن ان تنهزم نهائيا بمجرد اصدار قرار كهذا يسقط العقوبات عن السودان، انها مراكز يحسب لها صناع القرار ألف حساب، بل يوكلون اليها احيانا مهمة صنع القرار. وفي حديث المندوب الامريكي بمجلس الأمن جيمس كنجهام عن قلق الحكومة الامريكية من تجارة الرق واستشرائها بالسودان، لمحة ارضاء لتلك المراكز التي تاجرت كثيرا بتلك القضية. ثمن الصفقة لقد اتخذت الحكومة الامريكية قرارها هذا عن السودان في معزل عن استراتيجية اليمين الديني المتطرف، الذي لا يرى في السودان الا قطرا يجب غزوه وتنصيره. وأكثر الاقطاب ومؤيدي ذلك اليمين لا يعرفون شيئا عن السودان، ولا عن تكوينه العرقي والديني، ولا يحسنون مجرد تحديد موقعه على خريطة العالم، ولذلك فهم لا يشككون قط في شأن الخرافات التي يروجها زعماؤهم عن السودان، ولا يظنون الاستحالة أو الجزافية في أهداف زعمائهم بشأن السودان، ولكن الادارة الامريكية أدركت جيدا صعوبة قبول مطالب اليمين الديني على علاتها وادماجها أو ربطها بالسياسة الامريكية الرسمية تجاه السودان، ولاسيما في هذا الظرف العالمي الذي يوجب على أمريكا ان تحسن علاقاتها مع الأقطار الاسلامية، إن كانت ترجو شيئا من التعاون من جانبها في موضوع مجابهة الارهاب. وقد بدأت السياسة الخارجية الامريكية تؤكد ذلك المسعى بتفريقها الواضح بين التفجيرات الاجرامية الأخيرة التي طالت البرجين النيويوركيين ومبنى البنتاجون، وبين الاسلام الحنيف الداعي الى السلام، وحتى تستطيع السياسة الخارجية الامريكية ان تحكم العزلة على طالبان، كان لابد ان تكسب رضا أو ود أو تعاون أكبر عدد من أقطار العالم الاسلامي، وفي هذا المساق جاء رضاها ـ غير المتوقع ـ عن نظام الخرطوم! ولكن هذا لا يمنع من القول بأن نظام الخرطوم قد دفع ثمنا آخر، فمنذ نحو نصف عام والبعثات الأمنية الامريكية تجوب السودان بحثا عن أوكار الارهاب، وتحقيقا وتدقيقا عن مصانع الاسلحة التي أقامها نظام الخرطوم. وقد أتيحت لتلك البعثات ملفات أمنية كثيرة فيما يبدو، وترددت انباء عن عرض الانقاذ مساعدته لأمريكا في مكافحة الارهاب، وتردد نبأ آخر نفته الخرطوم عن تقديمها عرضا لانشاء قاعدة عسكرية امريكية بالسودان في شأن الارهاب، ويمكن القول بصورة عامة بأنه ليس ثمة شيء يخفى في السودان، واذا كانت للارهاب قواعد هناك فإنها ستبدو لكل الناس، فالسودان قطر مكشوف بطبيعته، ومع ذلك فقد أطالت الوفود الأمنية الامريكية اقامتها بحثا عن أوهام تقبع في عقول بعض سياسيي واشنطن ومسئوليها الذين لم يزوروا السودان قط. وقد كان سفير امريكا الاسبق في السودان أدرى الناس بخلو البلاد من الارهاب، لأن المارة كانوا يرونه مساء كل يوم يمشي أو يمارس رياضة العدو على الطرقات في جنح الليل ولم يصبه يوما أذى أو مكروه! أما مصانع السلاح فقد كان تُصور بواسطة بعض القوى على انها مصانع أسلحة كيميائية لا تقليدية، ولكن سمح للوفود الامنية الأمريكية ان تجوس خلالها وتنقّب فيها وتصور دهاليزها وما احتوته حتى جاءت افادة أوساطها العليا بأن تلك المصانع، هي مصانع سلاح تقليدي، حيازته مباحة لكل الدول.. وأما الملفات الأمنية التي قدمتها الخرطوم لتلك الوفود فلا يدري أحد كنهها ولكن الامريكيين يقولون انها ثمينة. ثم مضت الخرطوم شوطا آخر، لم يكن أحد يتوقع انها ستمضيه وذلك باعتقالها لنحو ثلاثين شخصا حامت حولهم بعض الشبهات الأمنية الامريكية، وكان ذلك أكثر ما نال رضا الامريكيين، وان كانوا قد سعوا لكي تسلمهم الخرطوم تلك الشخصيات فرفضت، وزعم زاعم منهم ان الخرطوم لو استجابت لذلك، لقامت أمريكا اذن بالتصويت الايجابي لصالح قرار رفع عقوبات مجلس الأمن عنها. مستقبل الصفقة مهما يكن فقد كانت امريكا في حاجة الى عون السودان، ودفع السودان ثمنها تقديرات غير معلومة الى الآن. وستضغط السياسة الامريكية المعروفة بشهيتها البالغة لالتهام التنازلات ضغوطا متوالية على الخرطوم حتى ترضخ أكثر وتدفع ثمنا أعلى. ولذلك ستبدو نهاية الشوط بعيدة جدا، ثمة خطوتان كبيرتان لن تتجرأ الادارة الامريكية على خطوهما بتسرع، الأولى: هي خطوة لازالة اسم السودان من قائمة الدول التي ترعى الارهاب، والثانية: هي خطوة الغاء العقوبات الثنائية التي فرضتها واشنطن على الخرطوم. لن تنجز واشنطن تلك الخطوتين حتى تخطو الخرطوم خطوات كثيرة باتجاهها، وربما تتقاعس الحكومة السودانية اذا ازداد الحاح الطلب الأمريكي المرهق عليها، لاسيما اذا رأت ان الثمن المطلوب أضخم بكثير من الفائدة المرجوة. والثمن الذي ستطالب به واشنطن ان يكون أقل من ايقاف حرب الجنوب بشروط لصالح حركة التمرد، ثم تسريع المسار الديمقراطي بما يكفل ازالة نظام الانقاذ والاتيان بوضع حزبي تعددي مهزوز تسهل السيطرة الخارجية عليه بسبب ترديه. هذا ثمن قد لا تقبل به الانقاذ لأنه ثمن باهظ، والفائدة المرجوة من ورائه رمزية، فالوجود على لائحة الدول الراعية للارهاب يمكن الاحتجاج ضده بصدور قرار مجلس الأمن الأخير، أما العقوبات التجارية فهي ايضا صورية لأن التجارة نفسها لم تكن من القوة بمكان. وقد نال نظام الانقاذ ما هو أهم من هذين القرارين المنشودين، بل ما هو أهم من قرار مجلس الأمن القاضي برفع العقوبات عن السودان. أهم ما ناله نظام الانقاذ هو تعطيل اثر مشروع قانون أمن السودان، الذي طلبت الادارة الامريكية من مجلس الشيوخ ألا يناقشه، وهو قانون خطير يتجاوز كل الاعراف الاقتصادية الامريكية، لأنه يسمح ببعثرة أسرار الشركات الكبرى من أجل التدقيق فيما لو استثمرت أموالها بالسودان، وقد كان بامكان ذلك القانون حال نفاذه ان يؤدي الى خروج «تاليسمان» من السودان، وارباك صناعة النفط السودانية الناشئة، لأن كل الشركات العالمية الكبرى ستفكر مليا قبل ان تقدم على الحلول محل «تاليسمان». اختلاف أهل الانقاذ هل تكتفي الحكومة السودانية بما نالته بهذا الصدد؟ أم تطمع في المزيد؟ لا أحد يدري بالضبط ماذا يدور في رؤوس أهل «الانقاذ» وهم على كل مختلفون، فمنهم أصحاب النزعة النفعية من التجار الكبار ممن يريدون تطبيع علاقات السودان الاقتصادية بمختلف دول العالم، ومن بينها بل في طليعتها امريكا. وهناك الايديولوجيون الذين لا يرفضون التطبيع، ولكن على ألا يتم دفع الثمن الباهظ من رصيد الايديولوجيا والتميّز، وهناك من هم بين بين، وهم فرقة «الاطباء» التي تحكم حاليا وتتصرف فيما ورثته من دولة الترابي. واذا تصرفت النخبة السياسية الحاكمة بأناة لا يشوبها التسرع وخضعت لضغوط متوازنة من «النفعيين» و«الايديولوجيين» معا، فقد يأتي اندفاعها طبيعيا نحو أمريكا، لا اندفاعا قويا، كما وصف المندوب الامريكي تصرف الحكومة السودانية الأخير وهو وصف سيق في مساق المدح الذي يشبه الذم، أما اذا تمكن الاقتصاديون من زحزحة كوادر المؤتمر الوطني الايديولوجية عن الواجهة فسيزداد الانفتاح السوداني على أمريكا، بأمل ان يزداد الانفتاح الامريكي والعالمي على السودان، وهو أمر قد لا يتحقق مهما انفتحت الخرطوم على واشنطن. د. محمد وقيع الله