الحملة الاعلامية الغربية ضد العرب والمسلمين ليست جديدة ولعل احداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة اوجدت الحافز المباشر الذي ينتظره الكثيرون في الغرب لاعادة احياء هذه الحملة من جديد، ولكن بجملة التوصيفات الحالية لدعوة واشنطن للوقوف ضد الارهاب والتحديد الدقيق للموقف يجعلنا نتساءل اليس في هذا ضرب لكل مفاهيم الديمقراطية والحرية التي ينادي بها الغرب وهل يمكن لأي انسان ان يدرك ابواب الحرية وهو المهدد اما بالتدمير او بالاصطفاف الى جانب التحالف الامريكي ضد الارهاب دون تحديد واضح لمفهوم الارهاب بل ان من يحدده هذه المرة هو الرئيس الامريكي وادارته، وهنا نطرح السؤال المشروع اليس في هذا حجز للديمقراطية وحصار لحرية الرأي وهي المواقف التي تنادي بها الولايات المتحدة؟! لمصلحة من؟ ان حملة التشهير التي تقودها وسائل الاعلام الغربية ضد العرب والمسلمين ترتبط بالاساس بمراكز صنع القرار رغم ان الجانب الرسمي الاوروبي والامريكي اكد مراراً عدم الربط بين الارهاب والعرب والمسلمين الا ان مشكلة صراع الحضارات مازالت حاضرة في الذهنية الغربية وتدعمها احياناً مواقف رسمية حكومية تظهر بين الحين والاخر كان اشهرها تأثيراً ما قاله الرئيس الامريكي جورج بوش بأن حربه ضد الارهاب هي حرب صليبية ورغم توضيحات ادارته الا ان الضوء الاخضر قد استشف من مسمى التعبير لاطلاق حملة اعلامية ضد العرب والمسلمين الذين بادروا مسرعين للتعبير عن موقفهم الواضح ضد ما جرى في واشنطن ونيويورك واستعدادهم للوقوف الى جانب الولايات المتحدة ضد الارهاب مع ان ذلك قد يطال دولاً عربية ناهيك عن تنظيمات عربية تدافع عن وطنها واراضيها وحددت من قبل الادارة الامريكية بأنها منظمات ارهابية كحزب الله في لبنان والتنظيمات الفلسطينية كحماس والجهاد والجبهتين الشعبية والديمقراطية؟! ولن نناقش هنا مسألة الدفاع عن الوطن ضد الاحتلال لأن هذه المسألة تدركها تمام الادراك الادارة الامريكية ولكن امام مساندتها المطلقة لاسرائيل لابد ان تضع الكفاح المسلح ضد المحتل في قائمة الارهاب وكيف لا يكون ذلك وهي اي واشنطن ارادت تحميل العالم مشكلة ما حدث في اراضيها وخصصت الحمل الاكبر للعرب والمسلمين مما دعا صحافة الغرب لاحياء مفهوم الاسلامووفبيا الذي لم تحاول الحكومات الغربية اقتلاعه من قوانينها كما سعت الى اقتلاع اللاسلامية من مفاهيم شعبها وبشكل ادق اقتلاع العداء للصهيونية من مجتمعاتها الغربية. واذا كان الغرب اليوم قد عاد لاحياء الاسلاموفوبيا عبر وسائل اعلامية فإنه بذلك قد اوجد حالة منشطة لاعلامه الذي بدأ قبل الحادي عشر من سبتمبر يتكرر نظراً لعدم وجود احداث كبرى تشغله وتشغل الرأي الغربي مما فتح فرصاً جديدة توفرت بعدم وجود الحدث الكبير للانشغال في امور داخلية وصلت الى حد الانتقادات المستمرة من قبل الصحافة لادارة الرئيس بوش في الولايات المتحدة ولبعض الادارات الغربية في اوروبا. ومع تواجد حدث كبير كحدث الولايات المتحدة وجدت الادارة الامريكية فرصتها لاحياء صراع من نوع جديد وهو صراع الحضارات رغم عدم اعلانها الصريح عنه ولكن كيف يمكن لادارة من الادارات الامريكية ان تبقى دون حدث مهم حتى وان كان هذا الحدث اخلاقياً كما حدث في ووترجيت مثلاً او في فضائح كلنتون الجنسية وهي بالطبع احداث داخلية شخصية تركت بصمتها على تلك الفترة من الزمن ولكن حدثاً مثل الثلاثاء الدامي سيعيد بوش الى الواجهة بعد ان غاب عنها عملياً منذ توليه الرئاسة وشعرت ادارته بأنه قد ينسى وهذا الامر يحصل في الولايات المتحدة فالناس هناك ينسون رئيسهم؟ اذا لم يترك بصمته وهذا ما اكدته بعض الاستطلاعات السابقة في الغرب عموماً. لذلك فإن عودة مفهوم الاسلاموفوبيا الى واجهة الاعلام الغربي تقدم عملاً جديداً ومختلفاً تقوم به الصحافة الغربية وبالمقابل الاخر فإن الاسلاموفوبيا كمفهوم سيحل محل الخوف من الشيوعية الذي انتهى بانهيار الاتحاد السوفييتي ومنطقياً فايجاد البديل يعتم على القديم. اما من الواجهة الاخرى فيبدو ان الولايات المتحدة لا تريد معاقبة المتهمين الرئيسيين في العمليات الانتحارية بل هي تسعى واقعياً لخلق ازمات داخلية وعالمية جديدة وتصعيد هذه الازمات وتعقيدها ثم العودة الى حلها وبالمقابل ادارتها عالمياً وداخلياً مما سيجعل الاثر المطلوب يطفو بشقه الداخلي ويسعى خارجياً لعولمة جديدة تحل مكان العولمة الاقتصادية الا وهي العولمة العسكرية بعسكرة الهيمنة بعد تباطؤ العولمة الاقتصادية وفي هذا الجانب فإن الاعلام الغربي اذ يقدم صورته اللا حضارية في صراع الحضارات يرتكب خطأ حضارياً جديداً. فعلى المستوى الامريكي يؤكد العداء للولايات المتحدة ويزيد ناره من قبل كل ما هو غير امريكي اما في اوروبا فإن الحملة الشرسة على العرب والمسلمين ستعطي الضوء الاخضر للعولمة الامريكية كي تدخل اوروبا من ابوابها المفتوحة بعد ان بقيت المحاولات الاوروبية تعمل بكل جدية لابقائها مغلقة. اللوبي الصهيوني صحيح ان العرب والمسلمين يتحملون العبء الاكبر من حملة الولايات المتحدة ضد الارهاب ومن حملة الوسائل الاعلامية الغربية عموماً ضد الاسلام والعرب، ولكن هل الغرب حقاً هو المحرض على هذه الحملة؟ الواقع ان البديهية المباشرة تقول بأن اللوبي الصهيوني كان اكثر تحريضاً من الاعلام الغربي المستقل ومع علمنا ان معظم المؤسسات الاعلامية الغربية الكبيرة تدخل في بنيتها الاقتصادية ايادي اللوبي الصهيوني فإن رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون قد نادى مباشرة اللوبي الصهيوني للتحرك الاعلامي وقبل ان تنهار الابنية الامريكية المهاجمة وكان اعلانه يشير صراحة للعرب والمسلمين عامة والفلسطينيين بشكل خاص وهو ما كان بمثابة اعطاء امر التحرك باتجاه مهاجمة العرب اعلامياً حيث وجد فرصته لممارسة ارهاب الدولة بشكل علني تؤيده الولايات المتحدة ولا يعترض عليه الاتحاد الاوروبي. ولكن وفي ظل كل هذه الهجمات الاعلامية والتي اتخذت منطق الفعل في بعض المناطق الغربية حيث مورست فيها عمليات ارهاب ضد العرب والمسلمين فإن انتهاء الصدمة قد جعل البعض يفكر بشكل عقلاني متسائلاً: الى من يعود المصلحة الكبرى فيما يحصل الان وبالطبع كانت بعض الاستنتاجات الغربية تشير بشكل واضح الى ان ما يجري الان على الساحة الدولية هو لمصلحة اسرائيل التي زادت من نيرانه بصب الزيت على لهيبه وبذلك فإن الارهاب الاسرائيلي الممارس ضد الفلسطينيين سيتستر بغطاء الهم الامريكي الاكبر الذي اصاب عقر الدار الامريكية من داخلها، وسيتستر ايضاً بسعي الولايات المتحدة بالبحث عن عدو مجهول الهوية اتخذ ذريعة لتحالف عالمي هدفه محاربة الارهاب دون تحديد ما هو الارهاب؟! ولكي نكون منطقيين فسنلخص ما كتبه الصحفي الامريكي «جون جيراسي» في مقالة نشرها على موقع «زدماج» ومما ذكر ان القوات الامريكية قد قتلت خمسة آلاف مواطن في احد احياء بنما بحجة البحث عن (نورييجا) ويذكر بمليوني فيتنامي قتلتهم الحرب الامريكية وبهندسة وزير الدفاع روبرت ماكنمارا، كما يعيد الى الذاكرة اجتياح الدولة الصغيرة جرينادا في الكاريبي وقتل آلاف المواطنين لانهم فكروا في اقامة مطار يدعم سياحتهم واقتصادهم ولأن الادارة الامريكية كانت تعتقد مجرد اعتقاد بأن هذا المطار سيكون خطة روسية لانشاء قواعد عسكرية ويسرد جون جيراسي الكثير من اشكال القتل الامريكي كالمساعدات بالمال والسلاح للحكومة الكمبودية لقتل مليون مواطن والتدخل في نزاعات السلفادور واندونيسيا وحصار الشعب العراقي ولا ينسى الكاتب ان يربط بين ذلك واعمال شارون الارهابية ومنها بالطبع مجزرة صبرا وشاتيلا، وعصابات ارجون وشترن الصهيونية التي ضمت في صفوفها الكثير من زعماء اسرائيل الارهابيين ومنهم بالطبع شارون وبيجن وشامير وهم الذين خططوا وفجروا فندق الملك داوود وقتلوا عشرات الضباط الانجليز مع عائلاتهم. وفي نقلنا عن وسائل الاعلام الغربية اجزاء مما كتبه جون جيراسي فاننا الان نستطيع ان نؤكد ان ظاهرة الاسلاموفوبيا التي عادت الى الغرب لن تكون الا لمصلحة اشخاص محددين في الغرب واسرائيل وهو ما يقودنا الى النظر في طبيعة المواجهة الاعلامية العربية التي مازالت توجه خطابها الى العرب والمسلمين وكأن العرب والمسلمين يمكن ان ينضموا الى ركب الاعلام الغربي الذي يهاجم دينهم وقوميتهم وحتى وطنيتهم والمشكلة اننا كعرب مازلنا ندور في فراغ لمن نوجه اعلامنا؟! فهل يعقل ان يبقى الاعلام العربي بعيداً عن ايجاد صيغة دفاعية عن مواقف العرب والمسلمين توجه الى الغرب تحديداً وهل يعقل على سبيل المثال ان تصدر مادة اعلامية عربية هائلة من بريطانيا موجهة الى العرب، تتفوق على اية مادة اعلامية تصدر عن اي قطر عربي وبالطبع جميع هذه المواد من بريطانيا او من الوطن العربي هي موجهة الى العرب وباللغة العربية. والا يمكن ان يتغير اسلوب العمل الاعلامي ليصبح اكثر انفتاحاً على الغرب يخاطبهم بلغتهم وبالطريقة العقلانية التي يقتنعون بها وبالطريقة العاطفية التي يتسترون عليها، ان الواجب الاعلامي العربي مطالب اليوم اكثر من اي وقت مضى بايجاد وسيلة تواصل بينه وبين الشارع الغربي ولكن تكون هذه الوسيلة سوى اللغة سواء بنوعها او بكيفيتها، ولن تكون سبل مواجهة الهجمة الغربية ضد العرب والمسلمين الا من داخلنا نحن العرب والمسلمين ولكن مع توفر الارادة التي تصنع المعجزات. بقلم: محمد احمد يوسف ـ كاتب فلسطيني