بعد مضي اسبوعين على وقوعه يمكن القول ان الحدث الامريكي سيكون وبامتياز واحدا من اضخم الاحداث في التاريخ المعاصر وهو سيفوق بتأثيراته وانعكاساته على العالم والنظام الدولي القائم ـ سياسيا واقتصاديا ـ احداثا اخطر منه بكثير، مثل حرب عاصفة الصحراء او الحرب الامريكية الاطلسية على يوغسلافيا بل يمكن القول انه قد يوازي حربا عالمية ثالثة يبدو انها بطريقها الى الاندلاع بين «الاخيار الامريكيين» و «الاشرار الآخرين» و«الاشرار الآخرين» حسب وصف احد السياسيين العرب. وما ميز الحدث الامريكي عما سبقه واعطاه هذه القيمة الاستثنائية هو انه حدث في ذروة عصر العولمة التي حولت عالم اليوم ـ وبخاصة اعلاميا ـ الى قرية صغيرة بكل مافي الكلمة من معنى. وهذا ما جعل الحدث الامريكي يقتحم كل منزل في كوكبنا الارضي وينتهك سكينة كل امريء فيه لافرق في ذلك بين الضائع في مجاهل الامازون والمتنسك في ذرى التيبت او بين الضارب في فيافي الربع الخالي والمنفي في اصقاع سيبيريا. فمع هذا الحدث برز ـ كما لم يبرز في اي وقت سابق ـ دور الاعلام الهائل وتأثيره الطاغي و قدرته ليس على نقل الحدث وتعميمه فقط وانما على تكوين وتوجيه تيارات الرأي العام العالمي الذي مازال يعيش تحت وطأة الصدمة والانفعال الى اليوم وربما لايام طويلة قادمة طالما ما زالت تداعيات هذا الحدث تتفاعل على مولد ردود فعل شديد الانفعال وانعكاسات ذات تأثيرات عميقة سلبا وايجابا على الانسان المعاصر. فمع ذلك الحدث تحولت وسائل الاعلام ولا سيما التلفزيون من سلطة رابعة ـ حسب التقسيم التقليدي للسلطات ونجاحه فيما يسمى العالم الحر ـ الى سلطة اولى طاغية مهيمنة بل ودكتاتورية تفرض على الانسان احكامها وشروطها ورغباتها ووجهات نظرها واوامرها حارمة اياه من قراره الشخصي ومغتصبة رأيه الخاص وعاملة على تشكيل وعيه حسب امزجتها واهوائها ومصالحها. ولتوضيح تلك الصورة يكفي اخذ جانب من جوانب الحدث الامريكي وهو المتعلق بالاسلوب الذي تعاملت به وسائل الاعلام الامريكية والاوروبية مع المتهمين بارتكاب الاعتداءات الارهابية على مدينتي نيويورك وواشنطن وانعكاس هذا التعامل بشكل سلبي ومعدم على الجاليتين العربية والاسلامية في بلاد الاغتراب بشكل عام. لقد انطلقت الشرارة كما هو معهود من اسرائيل ففيما كان الغموض لا يزال يلف كل شيء وفيما العالم لا يزال يرفض تصديق ما يراه سارع كبار المسئولين الاسرائيليين وعلى رأسهم رئيس وزرائها ارييل شارون ووزير دفاعه ديفيد بن اليعازر الى توجيه اصابع الاتهام مباشرة الى العرب والمسلمين دون اي دليل او اثبات وعملوا على ركوب (الموجة العصبية) التي ضربت الامريكيين بشكل خاص والغربيين بشكل عام بسبب تلك الاعتداءات ووجوهها بما يخدم مصالح اسرائيل والصهيونية وللتشهير بالعرب والمسلمين. وقد تلفقت وسائل الاعلام في الغرب وهي بمجملها خاضعة للنفوذ الصهيوني اليهودي تلك الاتهامات الباطلة وعمدت الى ترويجها مؤلبة الرأي العام الغربي على العرب والمسلمين. وناشرة مشاعر الكره والعداء لهم بشكل ادى الى ظهور ما يمكن اعتباره موجة من العنصرية ضد العرب والمسلمين غير مسبوقة في امريكا واستراليا واوروبا. وقد استخدمت تلك الوسائل الاعلامية اساليب اقل ما يقال فيها انها غير شريفة لتأكيد مزاعمها ضد العرب، فقد تبين مثلا ان الصور التي تناقلتها الفضائيات الغربية لما اسمته مظاهر الابتهاج والفرح والشماتة في بعض المدن والمخيمات الفلسطينية للاعتداءات على امريكا. تبين انها صور قديمة ترجع الى احداث لا علاقة لها بالحدث الامريكي وبالرغم من ان عدة جهات عربية طلبت التنويه بذلك وتوضيحه فان الفضائيات تجاهلت الطلب كما انها تجاهلت ايضا وبشكل مقصود اشهار اشكال التعاطف الكبير الذي ابدته الغالبية العظمى من العرب والمسلمين مع ضحايا الارهاب في نيويورك وواشنطن. اثر ذلك كان طبيعيا ان تنتشر وتتنامى موجة الاضطهاد والكره للعرب والمسلمين وان تتصاعد الاعتداءات العنصرية ضدهم لتطالهم كأفراد وتتعرض لدور عبادتهم ومراكزهم الثقافية ونواديهم والى ما هنالك من ممارسات تندرج تحت تعريف الارهاب بامتياز. وهذا ما وضع الجاليتين العربية والاسلامية في وضع هو اشبه بالحصار الخانق مما اضطر الكثيرين الى اغلاق مكاتبهم ومتاجرهم وتوقف الطلاب عن الذهاب الى المدارس والخروج الى الشوارع لتفادي التعرض لاعتداءات المتطرفين والرعاع الذين يريدون الثأر من اي شخص عربي. وفي هذه النقطة تحديدا وبقدر ما اكد الحدث الامريكي قدرة اسرائيل الاعلامية ونفوذها الكبير على وسائل الاعلام في الغرب فانه اظهر بالمقابل ضعف العرب والمسلمين في هذا الميدان وعجزهم عن الحصول على موطيء قدم في الاعلام الغربي يمكنهم من نشر الحقائق ونقل وجهات نظرهم وتصحيح ما يروح حولهم من اباطيل وادعاءات. وهذا ما فتح اعين العرب والمسلمين على ما يبدو سواء داخل امريكا واوروبا او في الدول العربية والاسلامية على ضرورة المبادرة الى اتخاذ اجراءات سريعة وفعالة للتصدي لتلك الحملات الاعلامية المعادية والسعي لتصحيح الصورة المغلوطة المكونة عنهم في العقل الغربي ومن ذلك قيام عدة دول عربية ومنها لبنان بنشر صفحات من الاعلانات في كبرى الصحف الامريكية تستنكر التفجيرات الارهابية وتتعاطف مع ذوي الضحايا. اما في الولايات المتحدة فقد بدأت كبرى المنظمات العربية والاسلامية الامريكية حملة واسعة النطاق لتحسين صورة العرب والمسلمين والاسلام وللحد من الضغوط الاعلامية والشعبية التي يتعرض لها ابناء الجاليتين العربية والاسلامية منذ وقوع الاعتداءات. وترمي هذه الحملة التي خصصت لها عدة ملايين من الدولارات الى توضيح مضمون الاسلام الحقيقي ودور العرب والمسلمين في المجتمع الامريكي بشكل خاص وفي العالم الغربي بشكل عام مع التأكيد على اندماج ابناء الجاليتين اندماجا كليا في المجتمع الامريكي باعتبارهم مواطنين فعالين مثلهم في ذلك مثل اي مواطن امريكي آخر. ويبدو ان الحملة بدأت تعطي ثمارها وبخاصة بعد ان تدخل كبار المسئولين الامريكيين وفي مقدمتهم الرئيس جورج بوش للدفاع عن الجاليتين ومطالبة الرأى العام الامريكي بعدم الخلط بين الارهاب وبين العرب والمسلمين فقد شارك العشرات من الشخصيات العربية والاسلامية الامريكية في العشرات من المقابلات الصحفية والتلفزيونية والاذاعية مع العديد من وكالات الاعلام الامريكية والغربية وشرحوا مواقف الجاليتين من العمليات الارهابية في نيويورك وواشنطن واكدوا براءة ابناء الجاليتين من كل صلة بتلك العمليات وهذا ما ادى الى الحد من حملة العداء العنصرية ضدهم والى البدء بتطويق ذيولها حتى تعود الامور الى سابق عهدها وتفشل الحملة الصهيونية التي رمت الى دق شرخ عميق بين ابناء الجاليتين العربية والاسلامية وبقية المواطنين الامريكيين. بقلم: غزوان عمر ـ صحفي سوري