لم تكن مفاجأة بالنسبة لأي من المراقبين أن توجه أصابع الاتهام للعرب والمسلمين بمجرد وقوع أحداث الثلاثاء الدامي في الولايات المتحدة، لأن هذا يأتي ببساطة شديدة ضمن سياسة يتم اتباعها منذ عشرات السنين ويغذيها الاعلام الغربي والصهيوني لتشويه صورة العرب والمسلمين، فالشخص العربي أو المسلم في هذا الاعلام العنصري ما هو إلا مقامر بملايين الدولارات أو مزواج يحتفظ بالعشرات من النساء في قصره المنيف، أو ارهابي لا يتوانى عن ارتكاب أبشع الجرائم ضد أبناء العالم الغربي المتحضر، مرورا بأنه لا يتعامل مع المرأة بالتحضر المطلوب وما زال يحتفظ بالجواري وغيرها من وسائل التشويه التي ركزت عليها الميديا الغربية وبكل وسائلها من صحافة واذاعة وتليفزيون وحتى شبكة الانترنت، هذا التشويه التي قامت به الميديا الغربية والتي يسيطر عليها اللوبي الصهيوني جعلت الرأي العام الغربي مستعدا لأن يصدق أي كلام خاطئ يقال عن العرب والمسلمين، ولذلك كانت الأزمة والكارثة التي شهدتها الدول الأوروبية والولايات المتحدة من وقوع اعتداءات كثيرة على عرب ومسلمين هناك بمجرد وقوع الهجمات على برجي مبنى التجارة العالمي والبنتاجون، وصلت في بعض الأحيان الى وقوع ضحايا، رغم محاولات المسئولين هناك تهدئة الرأي العام لا لشئ إلا لأن هذا الرأي العام جاهز لتصديق مثل هذه الاتهامات، هذا الواقع المرير والغريب فرض تساؤلات عديدة حول الدور الاسرائيلي والصهيوني المشبوه في تغذية هذه الحملة المتعصبة ضد العرب والاسلام، ودور الاعلام العربي في مواجهتها، وكذلك دور الحكومات والمؤسسات والمراكز العربية والاسلامية للمساعدة في توضيح الصورة الحقيقية عن الاسلام والمسلمين الملف التقى د. جيهان رشتي العميدة السابقة لكلية الاعلام بجامعة القاهرة في حوار للاجابة على هذه التساؤلات: جذور تاريخية ـ بداية ما هو فى رأيك السر فى تصاعد حملة الكراهية والتعصب ضد العرب والمسلمين في الغرب بمجرد وقوع الاحداث وحتي قبل ان تتوصل التحقيقات الامريكية الى اي ادلة حقيقية؟ ـ بالطبع هناك جذور تاريخية ادت الى وجود هذا التعصب ضد العرب والمسلمين لعل من اهمها الغزو العثماني لاوروبا ومعروف ان الاتراك يتميزون بالقسوة والغلظة الشديدة والمعاملة غير الانسانية لاعدائهم ومن هنا ارتبط الاسلام فى اذهان الغرب بالقسوة والعنف والقهر وثارت ضد الاتراك العديد من حركات التحرر من الشعوب الاوروبية . ايضا الحروب الصليبية هى الاخرى ساعدت على تأجيج الشعور الغربى بالكره تجاه المسلمين لان الكنيسة عملت وقتها على اظهارهم بأنهم الاعداء الذين استولوا على بيت المقدس ودنسوا المقدسات المسيحية ورغم ان هذا الزعم لم يكن له اساس من الصحة الا ان قوة تأثير الكنيسة جعل الشعوب الاوروبية تعتقد فى هذا الزعم وتنساق فى حملة كراهية يضاف الى ذلك بالنسبة للجذور التاريخية فترة الاستعمار الغربى للمنطقة العربية وقد كان طبيعيا ان تكون هناك عمليات مقاومة لهذا الاستعمار الا ان الدول المستعمرة وبدلا من ان تنسحب من هذه الدول راحت تصورها امام شعوبها بأنها دول متخلفة همجية وان سبب تخلفها هو الاسلام هذه العوامل فضلا عن بعض الممارسات التى تقوم بها الجماعات الاسلامية المتطرفة ساعد على جعل العالم الغربى فى اوروبا والولايات المتحدة مستعدا لان يصدق اية اتهامات تلصق بالعرب والمسلمين ودون ان ينتظر نتائج اية تحقيقات ولذلك سارع بتوجه الاتهام لهم. ـ ولكن الاترين ان اسرائيل كان لها الدور الاكبر فى تشويه صورة العرب والمسلمين من خلال سيطرتهم على الميديا الغربية؟ ـ لقد ضلعت اسرائيل فى هذا الامر من فترة الخمسينات عندما حرصت ومن خلال وسائل الاعلام الغربية على الربط بين الاسلام واليسار والزعيم الراحل جمال عبد الناصر والشيوعية ومعروف مدى العداء الذى تكنه الشعوب الغربية للشيوعية وبالتالى عبأت الكراهية ضد العرب لقد استطاعت اسرائيل من خلال صناعة الترفيه والميديا الغربية التى سيطرت عليها ان تصور العرب فى صورة الشعوب المتخلفة والغريب ان العرب لم يحاولوا ان يغيروا او يثوروا على ذلك وكأن الامر لايعنيهم ودون ان يستفيدوا من تجارب الاخرين فقد سبق ان حاولت الميديا الغربية ان تسيء الى الزنوج على سبيل المثال وتصويرهم فى صورة المتخلفين الاانهم ثاروا على هذا الامر وأجبروا الاعلام الغربى ان يحترمهم ايضا فعل الاعلام الغربى ذلك مع الجاليات الصينية واليابانية ولكنه قوبل بمواجهة شرسة منهم فأضطر يتراجع فى حين ان حملة الهجوم على العرب والمسلمين مستمرة منذ وقت طويل ودون ان يحرك ذلك ساكنا ولعل مما ساعد الالة الاعلامية الصهيونية على أن تنجح فى مسعاها للنيل من العرب هو اخطاء العرب انفسهم واصرارهم على التفرق والتشتت رغم ان مايجمعهم كثير. ـ ماهو الدور الذى يمكن ان تلعبه الحكومات العربية والاسلامية وكذلك المؤسسات والمراكز الاسلامية فى التصدى للتصعيد ضد الاسلام؟ ـ لقد وقعت الحكومات العربية والاسلامية وكذلك المؤسسات والمراكز الاسلامية فى خطأ كبير عندما ركزت فى عملها لمواجهة حملات التصعيد ضد الاسلام على الحكومات فى العالم الغربى ودون ان تلتفت للمئات من منظمات المجتمع المدنى الموجودة هناك والتى تتميز بتأثيرها القوي على الحكومات من خلال جماعات الضغط التى كونتها لقد فشل العرب والمسلمون وحتى وقت قريب فى تكوين جماعات ضغط لهم فى المجتمعات الغربية فى حين استطاع اللوبى الصهيونى وجماعات الضغط اليهودية تكوين جماعات ضغط قوية تمكنت من التغلغل فى الكثير من المؤسسات الرسمية فى الولايات المتحدة ومنها الكونجرس وبحيث صارت هذه المؤسسات خاضعة للسيطرة الصهيونية وان كنت لا انفى ان هناك محاولات بذلت مؤخرا من جانب العرب والمسلمين لتكوين مثل هذه الجماعات للضغط على الحكومات الغربية وساعدهم فى ذلك عدالة قضاياهم. مرات عديدة ـ ماذا عن الدور الذى يمكن ان يلعبه الاعلام العربى فى فضح الزيف الصهيونى وكشف ان الارهاب الحقيقى هو ماتقوم به اسرائيل من ممارسات ضد الشعوب العربية؟ ـ بدون شك الاعلام العربى عليه دور كبير فى هذا الشأن ولقد جربنا من قبل ولمرات عديدة ان نركز على الداخل عند عرض قضايانا وكانت النتيجة ان احدا لم يشعر بنا ومن هنا فالمطلوب الان واكثر من أي وقت مضى ان نركز على الخارج بمعنى انه لابد من دعوة العديد من الاعلاميين الغربيين لزيارتنا والاستماع لشرح واف عن عدالة قضايانا وعندما ندعو يجب ان ندعو الذين يختلفون معنا في الرأي قبل الذين يتفقون معنا لاننا بذلك قد نكسب اصدقاء جدد اذا اقتنع أي من هؤلاء المختلفون معنا بعدالة قضايانا ويجب ان نهتم بالشباب منهم لانهم المستقبل فمن المهم للغاية ان نصل للرأى العام الغربى بأصوات من داخله من خلال مثل هؤلاء الاعلاميون لما سيكون لذلك من تأثير وعندنا المثل الحى والقريب على صحة هذا الكلام وهو ماحدث مع البرنامج الذى اذاعته الـ bbc عن محاكمة السفاح شارون كمجرم حرب لقد قامت الدنيا ولم تقعد الى الآن لأن هذه المرة الذى قال هذا الكلام هو الاذاعة البريطانية وليست اذاعة عربية. ـ كيف ترين الدور الذي يمكن أن تلعبه جامعة الدول العربية في التصدي لحملات التشويه المتعمدة ضد العرب والمسلمين؟ ـ لقد بدأت بالفعل الجامعة العربية في لعب هذا الدور وفي مناسبات عديدة، وتصدت للعديد من الافتراءات والمغالطات التي حاولت اسرائيل التي تمررها للرأي العام الغربي وكان من بينها موضوع والت ديزني عندما عمدت اسرائيل الى التأكيد على أن القدس عاصمتها الابديةوذلك من خلال معرضها في والت ديزني وقتها تصدت الجامعة لهذا الزيف والمغالطة حتى تراجعت والت ديزني، كما أن الجامعة اختارت مؤخرا الدكتورة حنان عشراوي لكي تكون مسئولة عن الملف الاعلامي العربي في الخارج وهذا اختيار موفق لأن الدكتورة حنان شخصية مثقفة وواعية وخير من يقوم بهذا الدور، أيضا لقد ذكرت الأنباء منذ أيام أن عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية قرر تكوين لجنة من المثقفين والمفكرين والاعلاميين العرب تكون مهمتهم توضيح الصورة والرد على الافتراءات الصهيونية ومحاولات تشويه صورة العرب والمسلمين في الخارج، وهذا كله جهد جيد ومطلوب زيادته ودعمه لأن القضية خطيرة وتحتاج الى تكاتف الجميع وحتى لا نظل دائما محل اتهام من الآخرين. وفي النهاية تشير د. جيهان رشتي أن هناك قنوات أخرى يمكن أن نعمل من خلالها لكي نتصدى لهذه الحملات منها استغلال الطلبة العرب الموجودون في المجتمعات الغربية، فهؤلاء يمكن أن يقوموا بدور كبير في توضيح الصورة الحقيقية للاسلام لزملائهم من الطلاب الأجانب وهذا يتطلب منا أن نكون على صلة بهم ونزودهم بالمعلومات والصور والوثائق التي تساعدهم على القيام بهذا الدور، كما يجب أن تتعاون جماعات الضغط العربية والاسلامية في الخارج وتنسق فيما بينها من أجل المساعدة في هذا الأمر وخاصة أن هذه الجماعات تختلط بالمجتمعات الأوروبية وكذلك المجتمع الأمريكي وتستطيع أن تقوم بدور ملحوظ في هذا المجال، كما يجب أن تقوم من خلال المستشارين الاعلاميين العرب والمسلمين في الخارج بتزويد وسائل الاعلام الغربية بكل ما يحتاجونه من معلومات حتى يتم نقل الصورة الحقيقية، فضلا عن ضرورة تسهيل عمل المراسلين الأجانب في الدول العربية والاسلامية لما سيكون لذلك من تأثير ايجابي على ما يكتبونه عنا. القاهرة: مكتب «البيان»