اوقفت سيارتي بعد مشوار طويل ثم دخلت على صديق يعمل في ناحية من ضواحي واشنطن، واذا بصديقي يقوم ويقع امام التلفزيون، يثبت نظارته تارة، ثم يدعها تتدلى على صدره تارة اخرى، وينتف شعر رأسه في عصبية بالغة. حاولت ان القى عليه التحية فقال: ألم تسمع؟ قلت: لم اسمع (واستعذت بالله من عاقبة مثل هذا السؤال، والذي علمتني التجارب ان اشتم فيه رائحة المصاب) فلما رأى حيرتي، جرني الى التلفزيون جرا، فاذا النيران تشتعل، والعمارات الشاهقة تتساقط، والناس يصرخون بكل صوت، ويركضون في كل اتجاه. علمت حينئذ ان ما يتساقط امامي هو مبنى التجارة العالمية بنيويورك ومبنى البنتاجون بواشنطن، وادركت حينئذ ان تلك البنايات لم تسقط فقط على رؤوس اولئك الآلاف الستة الابرياء الذين ذهبوا الى ربهم، وانما سقطت كذلك على رؤسنا نحن الابرياء الذين لم نمت بعد. وتدفق الاعلام من كل قناة ومحطة وصحيفة وانصبت الكلمات (اللعنات) على بن لادن، ثم على العرب والمسلمين، وفتحت كل ملفاتنا السياسية والعرقية والثقافية والدينية، من هم هؤلاء العرب المسلمون؟ ومن افغانستان، ومن طالبان هذه؟ ومن هو بن لادن، وماهو الجهاد؟ فاذا كنت عربيا ملما صار لزاما عليك ان توضح الافعال التي يقوم بها الارهابيون اما اذا قلت انك مسلم فقط، ولا علاقة لك بالعرب وبالافغان فعليك اذن ان توضح انه لا توجد بذور الارهاب والتطرف والكراهية في القرآن ولا في الثقافة التي يبشر بها الاسلام. ولقد رأيت في المنطقة التي اسكن ـ غير بعيد من واشنطن ـ لافتة صغيرة تشير الى قطعة ارض صغيرة اشتراها المسلمون بعد سنوات عديدة من التبرعات لتكون مسجدا، لطخت تلك اللافتة بطلاء اسود، وكتبت عليها الفاظ نابية ضد الاسلام والمسلمين وسمعت ان شابا غاضبا اخذ يقود سيارته بجنون وجعلها ترتطم بحائط احد المساجد، وآخر يسأل احد المارة: أأفغاني أنت، فلما قال نعم، قال له: اني سأقتلك، وذكرت لجنة العرب الامريكيين انها تلقت نحوا من ثلامئة تقرير عن مثل هذه الحوادث، بينها ثلاث حوادث قتل، واحدى عشرة حادثة طرد فيها الركاب والمسافرين الذين يشتبه انهم من اصول شرق اوسطية. وقد اطلقت النار على مواطن امريكي من اصول هندية وينتمي الى الديانة «السيخية» لا لشيء الا لان لحيته تشبه لحى الافغان وعمامته تشبه عمامة بن لادن، مما اضطر السلطات المحلية ان تحشد وفودا كثيرة في جوف احدى الكنائس ـ وفودا من اليهود والمسيحيين والبوذيين والمسلمين وديانات اخرى، وتطلب من كل صاحب دين ان يرتدي الزي الديني لاهل ملته، وان يقرأ او ينشد فقرة صغيرة تعبر عن مفردات السلام والمحبة في تراثه، فينقل ذلك على شاشات التلفزيون لعل المواطن الامريكي يدرك ان هناك مواطنين امريكيين يطلقون اللحى، ويرتدون العمائم، ولكنهم غير ارهابيين ولا علاقة لهم بحادثة الثلاثاء المشئومة. وسواء كانت هذه الظواهر ناجمة عن جهل بالاسلام وبالعرب، ام ناجمة عن استهداف مقصود، فانها ستلقى على الوجود الاسلامي والعربي بالولايات المتحدة اعباء باهظة ولسنوات عديدة، وذلك على مستويات ثلاثة: الاول: مستوى المظهر الاسلامي ـ خاصة فيما يتصل بالزي الشرعي بالنسبة للمرأة المسلمة، او ما يتصل باماكن العبادة والصلوات العامة. الثاني: المستوى الاقتصادي. وهنا ستقع المعاناة على المنظمات الطوعية الاسلامية التي تعمل في مجالات الدعوة والاغاثة، كما ستقع المعاناة والمضايقات على المؤسسات الاقتصادية الاسلامية التي تحاول ان تجد لها مكانا في الاقتصاد العالمي، اما من ناحية اخرى، فان المضايقات ستطال المسلمين العاملين في مجال الخدمات، اذ ان عددا كبيرا منهم يعمل في المطارات وشركات الهاتف ومحطات الوقود وسيارات الاجرة والفنادق ونحو ذلك من مؤسسات الخدمة. الثالث: مستوى العلم والتكنولوجيا : وهنا ستقع المعاناة على الطلاب الذين يسعون للتخصص او التدريب في مجالات بعينها، كما ستقع على الهيئات والمؤسسات التي تروم تجارة في مجال المعدات والاجهزة. على ان الامر لن يتوقف عند المضايقات القانونية والاقتصادية، وانما قد يتخطاها الى ماهو ابعد من ذلك بكثير، ذلك لان المؤسسة السياسية الامريكية تعتبر نفسها الآن في حالة حرب معلنة ضمن عدو غامض يسمى «الارهاب» ـ لا يعرف مكانه بالتحديد، ولكنه يتحرك في ظنها عبر شبكة من التنظيمات والخلايا تشمل كل مجتمعات المسلمين على طول العالم الاسلامي وعرضه ـ مما يجعل كل العالم الاسلامي تقريبا مسرحا للعمليات الحربية المقبلة. وغنى عن القول ان القصف الجوي لن يكون مجديا في مثل هذه الحالة، كما ان انزال قوات البحرية والمشاة لن يكون مأمون العواقب، لم يبق اذن الا خيار الحرب الاستنزافية التي لا تستخدم فيها القوات الامريكية بصورة مباشرة وانما تستخدم فيها قوى اسلامية للقضاء على قوى اسلامية اخرى وانه نوع جديد من الحرب. يقول وزير الدفاع الامريكي، اننا بصدد اشتباك مستمر ليس له اجل معلوم، وسنعتمد فيه على تحالف الادوار، بحيث يوضع لكل دولة دور محدود، سيقوم البعض بمساعدتنا جهرا، وسيكتفي البعض بمساعدتنا سرا وذلك مراعاة لظروفه الخاصة. ولكن، وبرغم كل ما يقال، علينا ان نضع فاصلا بين المؤسسة السياسية والمجتمع الامريكي. ولا نقصد «بالمجتمع الامريكي» مجرد افراد يأكلون الطعام، وينظرون في بلاهة الى قنوات التلفزيون، ولكن نقصد الطبقات الوسطى من المواطنين الذين يترفعون قليلا عن عالم الاشياء ويتصلون بعالم الافكار، فيحركون ـ من ثم ـ مؤسسات التعليم ومراكز البحوث، حيث يتم توليد الافكار وصناعة المفاهيم وتركيب الرؤى. هذه المجموعات من المثقفين والعلماء والباحثين لا يعتمدون في معلوماتهم عن الاسلام على قنوات التلفزيون وتقارير المخابرات، وانما يحاول الكثيرون منهم ان يتصلوا بمصادر الاسلام وان يقتربوا من مجتمعات المسلمين. وقد رأيت ابان المأساة الاخيرة وفي قمة الهجمة الاعلامية الشرسة على الاسلام والعرب والمسلمين، رأيت اعدادا من المواطنين وفي اكثر من موقع يتزاحمون على المكتبات وعلى مواقع الانترنت يبحثون عن مصادر الاسلام وعن تأريخ الشعوب الاسلامية، ويطرحون عشرات الاسئلة في الصحف والمجلات عن الاسلام، وظلت المراكز الاسلامية في كثير من المدن الامريكية تتلقى كما هائلا من الرسائل والمكالمات الهاتفية يسأل اصحابها عن مباديء الاسلام وعن المصادر الاصلية التي تقدم معلومات عن الاسلام. ولقد دعيت في معمعة الجدل حول الاسلام الى المشاركة في ندوة تقيمها احدى الجامعات الكاثولوكية تحت عنوان «الحرب الامريكية» بقصد توعية المواطن الامريكي عن الاسلام. ترددت قليلا في اول الامر، ذاكرا لمقدمي الدعوة ان الحديث عن الاسلام في مثل هذا الوقت من اوقات الحزن والمآتم وهياج العاطفة الوطنية قد لايكون مفيدا، وذكرت له ان وجود مسلم في مثل هذا الحشد قد يؤدي الى مزيد من مشاعر الكراهية. قال لي: لن يكون هذا صحيحا، بل ان الجمهور سيرحب بك، وستكون هذه فرصة مناسبة للمستمعين ليتعرفوا على الاسلام. توكلت على الله وذهبت، فاذا القاعة مغطاة بالاعلام الامريكية وكل من الحضور يرتدي علما ويغمغم بنشيد قلت في نفسي انها الحرب، ثم ابتدأ الندوة استاذ كبير فيهم تخصص في الدراسات الدينية، فقدم عرضا متوازنا وسليما لمباديء الاسلام، وبين انه يشترك مع اليهودية والمسيحية في اصول التوحيد التي دعا اليه ابراهيم عليه السلام وانه دين محبة ورحمة، ولكن يوجد على حد قوله ـ قدر من التأويلات والاجتهادات المتطرفة التي يتقدم بها بعض العلماء من حين لآخر وفقا للمعطيات الظرفية التي تمر بها مجتمعاتهم، واشار في هذا المجال الى الامام احمد بن حنبل وسيد قطب في اشارة الى ان سيرهم وكتاباتهم تشكل مصدرا من مصادر الفكر الجهادي (وهو يساوي الارهاب في نظر كثير منهم). ذكرت هذا لا لانفي وجود كم من الكراهية ضد العرب والمسلمين في امريكا حركته المأساة الاخيرة، ولكن لاشير الى ان تلك كراهية توجد على السطح الاعلامي والسياسي. اما تحت السطح السياسي، وتحت الكراهية والدعاية والضجيج، فيوجد قدر كبير من العقلاء، وانه سواء طال الزمان او قصر فسيصل الاسلام اليهم او يصلون اليه، ولكن المؤسسة السياسية ـ العسكرية الحاكمة ومجموعات المصالح المتحالفة معها لن تدع ذلك يمر بسهولة. ستختلق معارك ضد الاسلام وعلى جبهات متنوعة، وقد اتاحت لنا المأساة الاخيرة ان نرى بوضوح ما يدور في جبهتين فقط: الجبهة العسكرية ـ الامنية حيث يستخدم الافغان الطاجيك ضد الافغان البوشتون، والافغان البوشتون ضد الافغان العرب، والشيعة ضد السنة، وفي الجبهة الاقتصادية حيث تتحول البنوك والمؤسسات الاقتصادية الى افرع للمؤسسات الاستخباراتية والى مدخل من مداخل التهديد والابتزاز تلوى من خلاله اذرع الدول والمؤسسات والافراد. اما الجبهة الثالثة التي لم يكشف عنها الغطاء بعد فهي الجبهة الفكرية والثقافية، وستدور ومعارك في هذه الجبهة حينما تكتمل الترتيبات اللازمة، وستكون حربا من نوع خاص، لا تستخدم فيها الراجمات ولكن يستخدم فيه العلم الاسلامي والكتاب الاسلامي لتوفير ذخيرة فكرية مستلة من التراث الاسلامي تستخدم ضد حركة الاسلام، وضد الانشطة الفدائية والبرامج التحريرية في العالم الاسلامي. وستستخدم في هذه المعركة منابر ومؤسسات اسلامية وعبرية لتمرير بعض المفاهيم التي يعدها خبراء المؤسسة الامريكية السياسية، لتكتسب مشروعية اسلامية ويتم تداولها وليس ببعيد ان تنشأ ـ دعما لهذا الاتجاه ـ مؤسسات تعليمية واعلامية ضخمة، ستكون ساحات التربية والتعليم ميدانا من ميادين الحرب القادمة. فأين قياداتنا القادرة على تركيب خطاب اسلامي معاصر، وعلى التعبير عنه بلغة عصرية مفهومة، وعلى الدفاع عنه بمنطق سليم، وعلى ايصاله الى قاعة الدرس والى عقول الناشئة قبل ان يجتاحنا الفيضان؟ بقلم : د.التيجاني عبد القادر ـ فرجينيا - الولايات المتحدة