فتح الاعلام الايطالي وفي ظل الظروف العالمية المأزومة، ملف الوجود العربي والاسلامي في البلاد بعد ان ظلت العديد من القوى السياسية اليمينية والعنصرية في البلاد تبدي بعض تحفظاتها على ضوء صلابة مواقف القوى اليسارية، وحاجة البلاد الى ايد عاملة تسد الثغرات الكبيرة التي تعاني منها الصناعة الايطالية التي تشكل القوة السادسة في العالم. بدأت القوى الفاشية والعنصرية وعلى رأسها رابطة الشمال وحزب (ايطاليا للامام) الذي يقوده رئيس الوزراء الايطالي الحالي سيلفيو بيرلوسكوني، الذي يعتبر اكبر الاحزاب السياسية ويقود دفة الحكم في البلاد، بخلق محطات ضخ اعلامية عنصرية ترمي الى مضاعفة وتمجيد ثقافة التفرقة العنصرية، ويصاحب هذه الحرب النفسية التي بدأت تنطلق من المدن الكبيرة في الشمال وخاصة المثلث الصناعي (ميلانو، تورينو، جنوى) لاجل (طرد التطرف الاسلامي من الاراضي الايطالية). وقد اتخذت هذه الحملات شعارات باطلة قديمة تتخذ العنصر والدين اساسا لتفسير التفاوت الثقافي، محاولة بذلك طمس الازمات المزمنة التي تعاني منها البلاد. وجاءت التصريحات الاخيرة التي تتسم بالتطير والسذاجة السياسية والثقافية التي اشتهر بها بيرلوسكوني الفخور جدا بـ (حضارته) المتفوقة على حضارة الاسلام (يجب ان نكون على وعي بتفوق حضارتنا التي تقوم على نظام من القيم يوفر للشعوب الرخاء في الدول التي تتبناه وتضمن احترام حقوق الانسان والدين، وهذا الاحترام غير موجود في الدول الاسلامية) لتعبر رسميا عن التوجهات العامة التي يقودها اليمين الايطالي منذ استلامه للسلطة قبل اكثر من ثلاثة اشهر، وللتزامن مع آثار الحملة التي مهد لها كل من الكاردينال الايطالي اسقف مدينة بولونيا جياكومو بيفي مطالبا (وقف تدفق المهاجرين المسلمين وتشجيع المسيحيين على الهجرة الى ايطاليا) ولتصب في الدعوات المستمرة لرئيس الرابطة الشمالية وزير التعديلات الدستورية اومبيرتو بوسي الذي يقود المظاهرات والغارات الليلية ضد الوجود الاسلامي في المناطق الشمالية بحجة (تشديدنا على حقنا في الدفاع عن هويتنا الثقافية والدينية التي يتهددها الاجتياح الاسلامي). فبعد ان هجر بوسي شعار استقلال بادانيا عن ايطاليا رفع شعاره الجديد علانية (الحرب الصليبية) على الوجود العربي ـ الاسلامي في عموم مدن الشمال الايطالي، وقد ادت قضية انشاء المسجد الاسلامي في مدينة لودي القريبة من ميلانو العام الماضي الى مواجهات واضطرابات وطافت شوارع ميلانو مظاهرات يقودها بوسي مع اعضاء في حزب الفاشية الجديدة ( جماعة بينو رواتي) وقادة من حزب رئيس الوزراء واعضاء في حزب التحالف الوطني ( الفاشية الجديدة سابقا) الحليف في الائتلاف الحاكم حاليا، تطالب السلطات الرسمية بسحب تصريح بناء المسجد الذي قال عنه بوسي بانه ومؤيدوه سيهدمون الجامع الاسلامي حجرا حجرا في حالة اتمامه (حتى لو اضطرنا الامر لعمل ذلك ليلا وبسواعدنا). وصاحبت هذه الحملة وبشكل متزامن تصريحات بيفي التي لاقت تأييدا واسعا لابل مزايدات في الاوساط اليمينية والدينية، ورفضا شديدا بين الاحزاب، والتنظيمات اليسارية والمسيحية المعتدلة، الا ان افكاره التي استقطبت اهتمام العديد من المتطرفين والعنصريين بحجة رفض المهاجرون من العالم العربي والاسلامي التأقلم والتكيف بانتظار ان يقبل الآخرون على مبادئهم ويعتنقوها، بدا يصرخ في كل مكان (ليست ايطاليا بلادا مهجورة، بلا تاريخ ومن غير تقاليد عريقة، ثمة اضداد تتنافر ويستحيل الجمع بينها: اما ان تثبت اوروبا هويتها المسيحية، واما انها سائرة الى الارتماء في حضن الاسلام، لابد من ان نحصن انفسنا ضد تعدد الزيجات والتمييز ضد المرأة، والتطرف الاسلامي .. اضربوا اخماسكم باسداسكم قبل الاقدام على اي قرار او خطوة في هذا المضمار) وسادت افكار تتحدث عن القيم الاسلامية الروحية والتضامنية التي لم يرافقها ظهور دول ديمقراطية اسلامية، ولم تؤد ايضا الى التنمية التي شهدتها في السنوات الاخيرة دول مثل الهند والصين، فالمهاجر المسلم حسب رأيهم من الممكن اندماجه في المجتمع الايطالي اذا احترم الدساتير والقوانين، الا ان الاسلام من وجهة نظرهم يرى في مجتمعاتنا (الاوروبية) ضعفا ولا تمتلك قيم قوية ومتماسكة كما هو الحال عندهم. (الحرب الصليبية) التي اعلن عنها بوسي على الوجود العربي والاسلامي في ايطاليا بلغت ذروتها هذا الايام العصيبة التي تعيشها الجاليتين العربية والاسلامية بعد الهجمات الارهابية في نيويورك وواشنطن، باصدار الرابطة الشمالية اللومباردية ملصقا جداريا كبيرا وزعت نسخه في معظم المدن الشمالية يحمل صورة بن لادن وكتبت العبارة التالية تحتها (مهاجر سري مسلم يساوي متطرف مجرم) وفتحت اجهزة الاستخبارات الايطالية بشقيها العسكري والمدني ما تسميه بملفات (الجهات الارهابية) حيث بدأت بمتابعات بشرية وفنية لمجمل حركات العناصر الاسلامية الناشطة دينيا، فيما تقوم بمراجعات دقيقة لملفات التنظيمات والتجمعات العربية الثقافية والدينية والتي تعمل بشكل رسمي على الساحة الايطالية في محاولة التعرف عن قرب على كل ما من شأنه اظهار الجماعات الناشطة وعلاقاتها المشبوهة بالتنظيمات الارهابية الخارجية، حيث جرت حملة اعتقالات ومداهمات لعدد كبير من المراكز الثقافية الاسلامية. السؤال الذي يطرحه الاعلام الايطالي في الوقت الحالي يتمثل على النحو التالي: هل الاسلام يمثل خطرا على ايطاليا؟ البعض يحذر من زيادة عدد الزيجات المختلطة التي تجمع بين رجل مسلم وسيدة كاثوليكية، بينما ذهب البعض الآخر للدفاع عن نقاء القيم الايطالية، الا ان الغالبية ترى بان وجود اكثر من مليون ونصف مسلم في البلاد يحملون جنسية 27 دولة مختلفة، يمثل خطرا لايستهان به على القيم الاجتماعية والاخلاقية الايطالية، وقد دعم عدد من رجال الدين الكاثوليك مثل هذه الطروحات التي عبر عنها مجلس الاساقفة الايطالي الذي عقد في اوائل شهر فبراير 1999 مما اسماه بالخطر الذي يواجه ايطاليا في مطلع الالفية الثالثة والذي يتمثل في الزيادة المطردة لعدد الزيجات بين الكاثوليك والمهاجرين المسلمين، وترى الكنيسة الكاثوليكية ان القيادات الاسلامية لما يقرب من 25 مليون مسلم مقيمين في اوروبا تتزايد بداخلها العناصر التي تطالب بعودة الاسلام الى اصوله او الى نقائه الاصلي، ويرى بعض رجال الدين الكبار مثل الكاردينال دون كليمنتي بان المسلمين سيمثلون عما قريب نسبة 15 في المئة من مجموع تعداد السكان الذي يبلغ 57 مليون نسمة مما سيمثل من وجهة نظره خطرا محدقا على القيم الايطالية ( لان المسلمين يأتون الى ايطاليا وقد اصبح هدفهم الاول الزواج من كاثوليكيات تمهيدا لانضمامهن الى الدين الاسلامي). وقد اوقفت الكنيسة الكاثوليكية منذ سنة تقريبا منح التصريحات التي تمنح للكاثوليك من اجل الزواج من مسلمين في اجراء استهجنته العديد من القوى الايطالية ومن ضمنها رجال دين داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها. الاسلام يمثل الدين الثاني بعد المسيحية في ايطاليا وعدد المسلمين سواء المهاجرون او الايطاليون قد وصل الى اكثر من 850 الف مسلم حسب الاحصائيات الرسمية واكثر من مليون ونصف حسب الواقع، وتتمثل اغلب حقوق هؤلاء الدينية فقط بالتردد على المساجد المختلفة لاداء فريضة الصلاة وخاصة يوم الجمعة ومن ضمنها المسجد الملحق بالمركز الاسلامي والثقافي في مدينة روما والذي يعتبر الاكبر في عموم اوروبا. صورة الاسلام في الغرب يجدها المرء الذي يعيش من سنوات طويلة بانها كريهة، بل ان آلة الاعلام التي يهيمن عليه اللوبي اليهودي، اضافة الى كتابات العديد من المستشرقين والعلوم الانسانية، لاتفتأ عن وصم الاسلام بالارهاب، التعصب، التخلف، عدم القدرة على دخول العصر، تعدد الزوجات، حضارة الجمل والصحراء والخيمة الخ .. وفي نظرنا ان لم يسع الغرب لتغيير مثل هذه الصورة المغلوطة عن الاسلام ومصادقة الاسلام وقول الحقائق عن الاتجاهات العقلية والعلمية المتحضرة التي يحويها الاسلام فان هذا يؤكد بان القطب الواحد لا يستطيع حقا ان يعيش دون اعداء ولهذا السبب اعتبر الاسلام عدوه الجديد ومن هنا عمدوا الى مهاجمته وابراز الاتهامات الشائعة والسائدة في الاعلام الغربي، وعلى ضوء ما تقدم فاننا نواجه مفصلا سياسيا خطيرا لم تعد معه الاساليب السابقة كافية لمواجهته، هنا يجب التأكيد على ضرورة زج كل الامكانيات خاصة تلك التي لم تتوفر لها الاسباب التي تمكنها في السابق من المشاركة الفعلية والجادة في تغيير هذه الصورة في اذهان الرأي العام الغربي الذي لا يرى سوى الطرف الآخر وتطرفه الذي يسود العالم الآن في مواضع كثيرة واخصها في المسائل الوطنية والسياسية، اذ تسود الآن اصولية امريكية فظة تتمسح بالشرعية الدولية من اجل فرض هيمنتها على العالم، كما تسعى اسرائيل لفرض اصوليتها واظهار الصلف العنصري الذي يتحدى كل قرارات الدولية، وهكذا في ايرلندا واسبانيا وشمال ايطاليا وعشرات المواقع الاخرى الساخنة في العالم. لاشك ان الوجود المتزايد للاجانب في كل مناحي الحياة الايطالية سيفتح المجال امام الزواج المختلط اي الذي يكون فيه احد الطرفين اجنبيا، أما اسباب هذا الزواج فهي متعددة اذ ان قسما منها يكون بهدف الحصول على الجنسية او على الاقامة او على وضع قانوني مميز. لقد كشفت استطلاعات الرأي ان اكثر من 60 في المئة من الايطاليين يرى ان المهاجرين الاجانب يمثلون خطرا على الأمن العام من حيث ارتكاب الجرائم وترويج المخدرات والعمل في البغاء والسرقة، وفيما يتعلق في الهوية الثقافية والهوية الذاتية يشير الاستطلاع الى نسبة 42 في المئة يعتقدون بهذا الخطر. ويرد مؤسس صحيفة لاريبوبليكا اوجينيو سكالفري بمقال طويل على هذه الدعوات بعد ان صدرت دراسة تشير الى تضاعف سكان العالم قبل حلول عام 2040 ليصل الى 12 مليار نسمة وان الرأي العام الاوروبي والايطالي حتى الآن ينظر الى ظاهرة الهجرة الاجنبية على انها ظاهرة يجب حماية البلاد منها على اعتبار ان فقراء العالم يبحثون عن الثروة والرخاء في الدول الغنية وان النية الطيبة في رعايتهم تقف حدودها عند الدفاع عن الامن والهوية الذاتية، ومن هنا كان مبدأ تحديد حصص مسموح بها لدخول الاجانب من خلال اجراءات مكافحة الهجرة غير المشروعة، وبناء على هذه النظرة القصيرة الامد فقد وضعت الحكومات الاوروبية حصصا منخفضة جدا قابلها انتقادات شديدة، وهو الامر الذي افرز تنظيمات وحركات عنصرية قوية مارست ولا تزال ضغوطا متزايدة على توجهات وقرارات الحكومات وبصفة عامة اكتسب اليمين حيوية كبيرة وحقق مكتسبات كبيرة، ويختتم الكاتب قوله (اذا كان فقراء العالم يهاجرون في اتجاه الدول الغنية على امل تحسين اوضاعهم المعيشية فان الدول الغنية في حاجة ماسة ومتزايدة لاستجلاب طاقات انسانية شابة اكثر خصوبة من اجل اكساب مجتمعاتها قدرة على التواصل وهذا ما نحتاجه في ايطاليا. بقلم: موسى الخميسي ـ كاتب عراقي