أشياء كثيرة سقطت مع إنهيار برجي مركز التجارة العالمي، وفي مقدمتها هيبة القطب الأوحد ومن قبل ذلك وبعده قناع التسامح والمساواة الذي طالما وضعه الغرب الأطلسي على وجهه وهو يخاطب الإنسانية . لقد كشفت اعتداءات 11 سبتمبر عن عمق الهوة التي تفصل بين المجتمعات الغربية وبقية العالم وعن تجذر الإحساس بالعداء للآخر، حتى أن أحدا لم يفكر في توجيه أصابع الإتهام لغير العرب والمسلمين رغما عن سابق إتهامهم زورا وبهتانا في حادث الباهاماستي والذي ثبت فيما بعد أن منفذه أمريكي أبيض. وقد يكون من المفهوم أن تتوقع واشنطن عملا إنتقاميا من الشرق الأوسط، فهي قد فعلت بإنحيازها الأعمى الصهيوني ما يكفي لحمل أيوب على مغادرة صبره الجميل ولكن المثير للحيرة كان ذلك الاستدعاء العجل والفوري لمصطلحات وممارسات العصور الوسطى سواء من قبل الجالسين على مقاعد الحكم أو من رجل الشارع في أوروبا وأمريكا . ففي واشنطن صرح بوش الابن بأن حملة الإنتقام التي ستشنها بلاده على الإرهاب هي حرب صليبية ورغم أن الرجل قد قال صدقا فقد كان من الملفت للنظر أن يجري هذا المصطلح على لسان رجل يرأس أمة لم يكن لها وجود تاريخي، أو حتى جغرافي خلال حقبة الحروب الصليبية، وقبل أن يفيق الجميع من هول الصدمة في الطريقة التي يفكر بها القطب الأوحد كان رئيس الوزراء الإيطالي يتحدث رسميا، عن تفوق الحضارة الغربية على الإسلام الذي لا يحترم الديمقراطية وحقوق الإنسان!! وفيما بين هذا وذاك كان المسلمون ومساجدهم وشركاتهم بل وكل شرقي له ملامح أو لحية أو زي يمت بصلة لمنظومة الحضارة الإسلامية هدفا لاعتداءات عنصرية في دول أوروبية عديدة إضافة للولايات المتحدة نفسها. والحقيقة أنه ينبغي الاعتراف بأننا كأمة عربية وإسلامية، لم نفهم بعد وعلى وجه الدقة الدوافع المبهمة للعداء الذي تكنه دوما أجهزة الإعلام الغربية لنا والعدوان الذي تمارسه حكومة الغرب، بصورة أو بأخرى ومن وقت لآخر على أراضينا وشعوبنا وثرواتنا ومقدراتنا أيضا . لقد بقينا لفترة طويلة نتحدث عن تأثير اللوبي اليهودي في بلد مثل الولايات المتحدة، وعن النفوذ الصهيوني في دوائر الإعلام والمال الاقتصاد في أوروبا كلها، وصرفنا جهدا وما لا لخلق لوبي عربي واشترينا واطلقنا أقمارا صناعية لتحمل العشرات من القنوات الفضائية، ولكن شيئا مما نشكو لم يتغير وبوسعنا اليوم أن نضع اليد على بين الداء ونشير إلى الحقائق التي ينبغي التعاطي معها وأولها أن العنصرية، العرقية والدينية، هي جزء رئيسي من مكونات البنية الفكرية لجمهرة المنتمين للحضارة الغربية الحديثة والذين تحرروا من ذلك ليسوا سوى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. أننا نرى على الدوام تجليات هذه الحقيقة حيثما حل الرجل الأبيض، ففي أفريقيا كان الرق والاستعباد وكذلك كان الحال في العالم الجديد حيث مورست العنصرية بأبشع صورها حتى ضد السكان الأصليين أصحاب الأرض، ولعل سيرة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا تعطي نموذجا مخزيا لذلك قام فيه معدمون وشراذم من وسط أوروبا بالإستيلاء على أراضيهم وثروات الوطنيين، ورغم تواضع الأصل وفداحة الجرم فقد جرى استعباد السود وعزلهم وقمعهم دون مبرر إنساني. أن هذه العنصرية، تجاه الألوان والمعتقدات ليست سوى إرث تاريخي فرض نفسه على ثقافة المجتمعات الغربية وهو إرث يعود بجذوره إلى حقبة العصور الوسطى حينما كان العالم بالنسبة للأوروبي هو بالكاد حدود القارة وسياج السلطة الكنسية وكان لنجاح المحاولات الاستعمارية الكولونيالية في اكتشاف العالم الجديد وقهر وإحتلال شعوب الشرق في آسيا ثم أفريقيا أكبر الأثر في دعم الإحساس بتفوق الإنسان الأوروبي الأبيض ودونية الأغيار. ولهذه العنصرية طابعها المعقد المركب حيث تختلط فيها المذاهب الدينية بالعرقيات، ومن تجلياتها حتى في داخل القارة الأوروبية ذاتها تلك الصراعات التي نشبت في البلقان وشرقي أوروبا، فهي في واقع الأمر مزيح غريب من الصراع بين الجرمان والسلاف وبين الكاثوليك والبروتستانت وبين الكنيسة الأرثوذكسية بل ومع الإسلام أيضا. أن الطبيعة البنيوية لعنصرية الغرب تفرض نفسها عبر الركائز الأساسية للحضارة الأوروبية الغربية والتي تزاوج بين معايير الفن الأغريقي، ونظام الحكم الروماني وميراث الكنيسة الكاثوليكية، وهي جميعا ذات طابع عنصري لا سبيل لانكاره أو تجنب بواعثه نحو السيطرة على الآخر واخضاعه للمعايير والقوالب الأوروبية. وبالإضافة إلى العنصرية فأننا نحن العرب، شأننا في ذلك شأن أمم أخرى، نعاني من تبني العالم الأطلسي لمفهوم صراع الحضارات والذي عبر عنه بدقة هنتنجتون، ومن قبله فرانسيس فوكوياما في كتابه الشهير نهاية التاريخ أنه مفهوم أحادي النظرة وضيق الأفق في آن واحد فهو من ناحية يرى أن الرأسمالية والليبرالية الغربية قد حققا إنتصارا نهائيا لا رجعة فيها على النظام السياسية الأخرى بحيث لن تقوم لها قائمة بعد ذلك، ومن جهة أخرى يروج هذا المفهوم لأن العالم يشهد صراعا بين الحضارات وان مظاهر التأثير البادية في تاريخ الحضارات تفصح عن هذا الصراع أو بالأدق عن موازين القوى في هذا الصراع فعندما يميل لصالح حضارة بعينها يكون تأثيرها باديا في الحضارات الأخرى، واستطرادا لذلك فإن حضارة الغرب الأوروبي الأكثر تفوقا وقوة، في سبيلها لقهر بقية الحضارات . وتحت تأثير الجوار الجغرافي والتاريخ المشترك فإن المنافس المحتمل، والذي ينبغي دحره هو الحضارة الإسلامية وساعد على نمو هذا الإحساس لدى المثقفين بل ورجل الشارع في أوروبا وأمريكا، أن العرب والمسلمين بصفة عامة لهم سمات حضارية وثقافية كما برحت تقاوم حتى الآن ثقافة الغرب مثلما تدخل في تكوين وسائل وحركات مقاومة النفوذ الاستعماري في العديد من دول العالم وبخاصة في قارتي آسيا وأفريقيا ومؤخرا في أوروبا ذاتها وفي الآونة الأخيرة، وعقب إنهيار الإتحاد السوفيتي وإمتلاك باكستان للقنبلة الذرية وتصاعد المقاومة الفلسطينية، اصبح خطر الحضارة الإسلامية هاجسا يلح على أفكار المؤسسات الغربية وهي تبحث عن عدو محتمل يقاوم هيمنتها على العالم، وما فاضت به المكتبات والمجلات والأفلام المنتجة في الغرب من صور سلبية للعربي الجشع والإرهابي والمتخلف إلا أصداء لهذا الهاجس. وزاد في الطنبور نغمة ما أفرزته آليات العولمة من مناخ محفز للإتجاهات العنصرية والعدائية حول العالم، فسعي العولمة لتنميط المجتمعات الإنسانية كافة وفقا لمعايير ومصالح الحضارة الغربية الرأسمالية بات يخلق عداء شعبيا متصاعدا وبخاصة ضد الولايات المتحدة، ولعل الإعلان النهائي لمنتدى المنظمات غير الحكومية في مؤتمر دربان خير تجسيد لتنامي مشاعر هذا العداء. وفي المقابل نجد أن تراجع فرص العمل المحلية في أوروبا بسبب التعامل مع الدول الصاعدة حديثا وإعادة توزيع الاستثمارات على خريطة الكون، قد أجج من مشاعر العداء تجاه المهاجرين والعمالة النازية تحت زعم أن هذه العمالة الرخيصة تزاحم قوى العمل في أوروبا وتتنافس معها على فرص عمل هي في تراجع مستمر. ولما كان المسلمون من شبة القارة الهندية ـ غرب وشمال أفريقيا ـ تركيا ودول البلقان يشكلون جزءا معتبرا من العمالة المهاجرة في الدول الصناعية الكبرى، فقد وجدت القوى اليمينية الفاشية في الهجوم عليها وعلى الإسلام مجالا خصبا لزيادة شعبيتها وكان ذلك واضحا في كل من ألمانيا وفرنسا ثم إنجلترا. وإجمالا فقد ولدت العولمة حساسيات يصعب تجاهلها تجاه الأقليات والمهاجرين من أصول عربية وإسلامية لاسيما مع سعى هؤلاء للحفاظ عليه ويتهم الثقافية وممارسة شعائرهم الدينية؟. ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة في شئ إذا ما أضفنا إلى قائمة المشكلات التي باتت تواجه العرب والمسلمين في علاقاتهم مع الغرب الأطلسي، ذلك الجهل الأكيد بحقيقة الإسلام وإسهاماته الحضارية في بناء الفكر الإنساني وتطوير المنجزات الحضارية أنه جهل أمريكا بالعالم الخارجي أمر ليس بحاجة إلى برهان ويكفي أن وزارة الخارجية الأمريكية مازالت تعتمد في إدارتها المختلفة على مسئولين سابقين بالخارجية البريطانية ولكن الجديد هنا أن أوروبا التي عرفت دوما بإنفتاحها وخبراتها بحضارات الشرق وتراثه لم يعد اهتمامها بذلك كله يتخطى أسوار الجامعات والمعاهد المتخصصة، بينما ترك للثقافة المرئية، ومن بعدها الإليكترونية! مهمة تشكيل وعي الأوروبي بالعالم الخارجي، وفي أحسن الأحوال فإن الشرق القديم بغرائبه وعجائبه وبخاصة في الصين والهند ومصر الفرعونية هو وحده الذي تسلط عليه الأضواء أما عالم العصور الوسطى حينما سادت حضارة الإسلام فنصيبه يكاد أن يكون صفرا . ويصبح الجهل بالإسلام سلوكيا عمديا مفضلا في أجهزة الإعلام المختلفة تحت ضغوط الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد صراعا مكشوفا بين أحداث أشكال النهب الاستعماري وآخر معاقل الاستعمار الاستيطاني الإحلالي إسرائيل من جهة وبين الوطن العربي من جهة أخرى، ولامراء أن تهديد مصادر النفط وإرتفاع أسعاره في حقبة السبعينات مازالت أشباحا تجثم على صدور الدول الرأسمالية الكبرى . ومن قبيل الحاصل فإن حضارة تلك روافدها ومصالحها تعتبر تربة خصبة للدعاية الصهيونية التي اعتمدت على التداخل بين العهدين القديم والجديد للترويج للمفاهيم الأساسية للصهيونية وحق اليهود التاريخي في القدس واحتقار الأغيار والفتك بهم مثلما جرى في تحميل أوروبا بالشعور بالذنب الذي أوقعه هتلر باليهود الهولوكست وضرورة التكفير عنه بدعم إسرائيل فذلك أيضا من العقبات الكئود التي ستظل قائمة في مسار علاقاتنا مع أوروبا والولايات المتحدة. واجمالا أن أوروبا وإمتدادها الأمريكي عبر الأطلسي، زادها الإحساس بالقوة والثروة، تمسكا بالمفاهيم العنصرية والعدوانية التي سادتها خلال حقبة الحروب الصليبية، وقد عبرت عن ذلك قيادات ودول منذ بزوغ العصر الحديث، بدءا من بونابرت الذي دشن الدعوة لانشاء كيان يهودي وسط الأراضي العربية وغورو الفرنسي الذي ما أن دخل دمشق عقب معركة ميسلون حتى بادر لزيارة قبر صلاح الدين الأيوبي ليقول له ها قد عدنا يا صلاح الدين الآن إنتهت الحروب الصليبية، وغيره من قادة فرنسا الاستعمارية في شمال وغرب أفريقيا، وما جورج بوش الابن وهو يتحدث عن حرب صليبية إلا تكرار واجترار لهذه الأقوال والأفعال العنصرية ونفس الشئ قالته وفعلته روسيا القيصرية والبلشفية ثم الإتحادية ضد المسلمين في آسيا الوسطى والقوقاز. أننا أمام عنصرية مركبة، لها طابعها البنيوي في فكر وثقافة الغرب الأوروبي، ولها أيضا دواعيها الآنية المتصلة بمصالح سياسية واقتصادية، وهي جميعا بحاجة إلى ما هو أكثر تعقيدا من إبراز النوايا الحسنة وبذل الجهد الإعلامي، إنها بحاجة لتعديل موازين القوى الحضارية حتى يكون هناك حوار حضاري متعدد الأطراف ومسارات التأثير والتأثر. بقلم: د. أحمد السيد محمد ـ استاذ جامعة القاهرة