سجّل المجلس الاسلامي للعلاقات الامريكية في احصائية لحوادث التحرش والايذاء الذي لحق بمسلمي امريكا خلال الاسبوعين اللذين تليا تفجيرات نيويورك وواشنطن نحو 600 حادث تمثل ضعف احصائيات التحرش والايذاء التي لحقت بمسلمي أمريكا طوال العام الماضي. هذه النسبة مهولة ولاشك،ولكن يمكن فهم دواعيها مع استيعاب ضخامة الأثر النفسي السلبي، الذي أحدثته التفجيرات التي فاجأت الكيانين الشعبي والرسمي الامريكي ودفعت بالكثير من الغوغاء الامريكيين لارتكاب الحماقات بحق الابرياء من العرب وحتى بحق «السيخ» ظنا انهم من اتباع ومشجعي بن لادن. اطفاء البؤر المحتقنة ان هذه الاحصائيات ضخمة ولاشك ولكن كان من المعقول ان تكون أضخم من ذلك بكثير، فبؤر الاحتقان التي كان يتوقع ان تنفجر هي من الكثرة بمكان، كما ان الغطرسة القومية لدى الرعاع هي من الجبروت بحيث كان من المتوقع ان تفرز حوادث عنف جماعية مهولة بحق المسلمين.. ولكن لم يحدث أي مظهر يذكر لعنف جماعي ضد المسلمين، فيما خلا الانذارات والتخريبات التي كانت من نصيب بعض المساجد في واشنطن ومدن قليلة. وقد تضافرت عوامل كثيرة أدت الى كبح جماح العنف المضاد، أهمها مناشدة الرئيس الامريكي بوش لمواطنيه بضبط النفس وعدم التصرف عدوانيا تجاه المسلمين الامريكيين، ثم ظهور الرئيس بوش نفسه في مسجد واشنطن العتيق وتكراره لذلك النداء لشعبه وتعهده بحماية العرب والمسلمين من أي اعتداء، وقد تلقف تلك الدعوة النائب جون اشكروفت، ومع انه يحسب ضمن طابور اليمين الديني المتطرف، الا انه أبدى تعقلا شديدا باعلائه لحس القانون والعدل، وتعهده بالتشديد ضد من يمارسون العنف المضاد وقد حذا حذو النائب العام مدير وكالة التحقيقات الفيدرالية «ةئ» فكرر التعهد بسرعة مقاضاة كل من يسيئون أو يعتدون على الابرياء. وعلى الصعيد البرلماني أصدر مجلس النواب قرارا يشجب أحداث العنف التي مورست ضد المسلمين، كما ثنّى مجلس الشيوخ فأصدر قرارا مشابها يدين تصرفات المتطرفين الامريكيين الذين اعتدوا على أشخاص ابرياء بسبب اختلاف الدين أو اللون أو المنشأ القومي أو الزي. وقد أدى هذان القراران الى خفوت نسبي في صوت محطات الاذاعة الامريكية التي استمرأت التحريض على المسلمين وفتحت مجالات للأقوال المتطرفة الداعية الى ابادة المسلمين بالسلاح النووي. واحضار أهل وأقارب المشتبه بهم في ارتكاب التفجيرات الأخيرة واعدامهم جماعيا على مشهد ومرأى أفراد الشعب الأمريكي. اذاعات عقلانية وهنا كان من السهل عقد مقارنة بين هذه المحطات المتطرفة ومحطات الاذاعة العربية والاسلامية المتعددة التي تبث ارسالها من واشنطن، حيث سادها صوت الحكمة والتعقل، فبادرت جميع تلك المحطات الى ادانة جرائم التفجير والتبرؤ من تبعتها وتبيان ان عربا ومسلمين كثر قد كانوا ضحاياها ولايزالون ركاما وسط الانقاض، كما أبانت تلك المحطات عن ان الاسلام أصبح ظاهرة أمريكية بالمعنى انه أصبح متجذرا وسط المواطنين الأمريكيين أنفسهم، بالاضافة الى الامريكيين المسلمين جوانب الحملة الاعلامية الاسلامية الأخيرة بأنفسهم وأخرسوا بها كثيرا من الاصوات التي صوّرت الاسلام وكأنه ظاهرة وبائية وافدة ودعوا للتصدي لها بالحرب على ذلك الأساس. ومثلما ساعد تكثف الظاهرة الاسلامية ووضوحها بأمريكا على تعرضها للعدوان من قبل الدهماء، فقد أدى انكشاف تلك الظاهرة بشفافية اعلامية على المجتمع الى تبلور قدر من الفهم والاحترام لممارستها، وقد سجلت كثير من المساجد والمراكز الاسلامية استلامها لخطابات تشجيع من أفراد ومنظمات أمريكية عديدة، كما فرش مواطنون أبواب المساجد في بعض الاحيان بالورود في تعبير عن التضامن والتشجيع. ومرة انبأني أحد اصدقائي انه كان يطوف وزوجته بأحد الاسواق الكبرى عندما تقدمت نحو زوجته امرأة امريكية خشي ان تعتدي على زوجته، فإذا بها تطوقها بهدية من الورود احتراما لها وللدين الذي جمع بينهما وهي «الكورية» وبين زوجها «الايراني» على تباعد من علاقات العرق واللغة والاقليم. إن هذا المشهد المؤثر الأخير قد لا يكون أقصى أنواع الاستجابة التعاطفية الخيرية، لذا فقد نشط الكثيرون من العرب والمسلمين لشرح مفاهيم الاسلام في السلم والرحمة والرفق، واعطاء الأمريكيين صورة الاسلام السمحة الأصيلة التي شوهها الهجوم الارهابي الأخير، وقد دعا مجلس العلاقات الاسلامية الامريكي جميع المساجد الى فتح أبوابها لغير المسلمين لعقد لقاءات تنويرية بهم تشمل قادة الرأي كعمدة المنطقة، والقادة الدينيين والتنفيذيين والبرلمانيين ورجال الشرطة... الخ، حول موقف الاسلام والمسلمين من الارهاب ومن الحوادث الأخيرة، وللاجابة على اسئلتهم المشروعة عن الموضوع. تم ارسال تقارير اعلامية معدة اعدادا جيدا عن حصيلة كل لقاء الى اجهزة «الميديا» المحلية والولائية والقومية حتى يلم بمجريات تلك اللقاءات من لم يحضروها. وهذه خطوة لم تنفذ بكاملها حتى الآن، واذا ما اتقن تنفيذها فسيكون المسلمون الامريكيون قد انتهزوا الفرصة السانحة لعرض دعوتهم في وقت الكل فيه يصغي لما يقال عن الاسلام. ومن ناحية اخرى، دعا المجلس كافة مسلمي امريكا للتبرع لصالح أسر ضحايا التفجيرات الأخيرة، وحدد قنوات مأمونة لتوصيل تلك التبرعات من بينها الصليب الاحمر الامريكي وهذا بلاشك موقف متسامح نابع من روح الدين، وسيكسب العرب والمسلمون الامريكيون الكثير من الثقة وتعاطف الناس المحيطين بهم. المواجهة الإعلامية لقد تضرر مسلمو أمريكا كثيرا من الحادثين الارهابيين الأخيرين، لذا كان لابد ان يتحركوا بايجابية لعرض مواقفهم، وقد كانت مواقفهم في عمومها متزنة بعيدة عن الغلو، ظهر الكثيرون منهم لاسيما من النساء على برامج التلفزة القومية لاعلان تبرئهم من الارهاب ولادانته علنا تماما كما يدينه الامريكيون، ولم يعتذروا عن شيء لأنهم لم يكونوا، وما كان دينهم طرفا في الموضوع، وقد أثار ظهور النساء خاصة على التلفزة تعاطف الكثيرين معهن، إذ أصبحت النساء ذوات الملامح والازياء العربية ضحايا للأحداث الاخيرة حتى لاذ أكثرهن بالبيوت وبعضهن هجرن الازياء العربية الاسلامية، ومنهن من لجأن الى صبغ شعورهن باللون الأشقر حتى لا يميزهن أحد من الامريكيات. لقد أثار ظهور النساء التعاطف مع انهن لم يظهرن بمظهر استضعاف، وإنما بمظهر شكوى أحرج الامريكيين كثيرا وأخجلهم، وعموما فلقد كان ظهور النساء إعلاميا ذا أثر ايجابي كبير منه قد يتعلم المسلمون أهمية ممارسة الضغط الإعلامي على الرأي العام وعلى صناع القرار، ففي امريكا ما لم تكن صاحب صوت اعلامي جهير، فإنك لا يمكن ان تحقق أي مصالح، أو تكسب أي نوع من النفوذ. في هذه المرة استطاع مسلمو امريكا في عمومهم ان يخوضوا معمعة الإعلام بنجاح، وذلك بعد ان كانت تلك المهمة منوطة فقط برؤساء بعض المنظمات الاسلامية وما كانت تؤدى بنجاح تام. لقد أحاطت اجهزة الميديا الامريكية بسائر المساجد (أكثر من ألف مسجد) عقب صلاة الجمعة تطلب افادات المسلمين، ولعلها ما كانت تتوقع ان تتلقى افادات عقلانية متزنة كالتي تلقتها من معظم من تحدثوا اليها، وهكذا طغى صوتهم بصوت العقل على صوت التحريض. وعلا شأن المسلمين في مجال الإعلام وهو مجال ما كانوا يحلمون بأن يحدثوا فيه أي أثر ايجابي. الاذاعات العربية بأمريكا لقد كانت الاذاعات العربية والاسلامية بواشنطن مراكز تنوير اعلامية هائلة أدت الى بلورة ردود افعال مسلمي امريكا وتوحيدها، إن امكانيات تلك الاذاعات محدودة، والبرامج التي تبثها قصيرة نسبيا، ولكنها مع ذلك أدت خدمات جُلى عندما أصبحت النواة التي تكثفت وتبلورت من حولها المواقف العامة لمسلمي أمريكا. ولعل في ذلك ما يدفع الى تطوير تلك الاذاعات والتفكير في ابتدار بث تلفازي قوي ولو على مستوى واشنطن وحدها، أو ما جاورها، وذلك في خطوة أخرى جادة لتنوير الرأي العام الامريكي بعدالة القضايا العربية والاسلامية وابراز الوجه الحضاري الاسلامي زاهيا مبرأ من كل شوائب ومخلفات الارهاب. هذا البروز العربي الاسلامي الإعلامي على المستوى الأمريكي، كان ايجابية ملموسة خلال الاسبوعين الماضيين، واذا كانت المآسي والفواجع تأتي احيانا ببعض الدروس والمنافع، فقد كان ذلك الأداء الاعلامي الايجابي واحدا منها وهو أداء يجب ان يتنامى لأن المعركة لم تنته بعد، بل ربما لم تبدأ بعد، وهي معركة كبرى ذات تحد شامل دائم يحتاج الى استجابات شاملة دائمة توازيه إن لم تتفوق عليه. بقلم: د. محمد أبو ابراهيم ـ استاذ العلاقات الدولية ـ واشنطن