شلومو بن عامي وزير الخارجية الاسرائيلي السابق بدا في مقابلة شاملة مع صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية كما يقول انه ليس حزينا، ولكنه قلق جدا فقط. وبالمعنى العميق للكلمة. «أربع إلى خمس سنوات بقيت حتى يصبح الشرق الأوسط ذريا ويتبين ان عملية السلام ليست بالشكل الذي تصورناه. يتبين ان الشريك الفلسطيني ليس كما اعتقدنا. حكومة الوحدة الوطنية مشلولة، وهي لا تفعل ولا قادرة على ان تفعل شيئا. اليسار يرفض محاسبة نفسه واليمين يرفض السير نحو حل ما. وهكذا يقوم عرفات في داخل هذا الفراغ باعادتنا الى سنوات السبعينيات، اما شارون فيعيدنا الى الخمسينيات». حتى هنا في موقع سكناه في كفار سابا بدأ بن عامي يسمع أزيز الرصاص في الليالي. كل ليلة تقريبا يسمعون في فناء بيته صوت الرصاص. القميص الصيفي الذي يرتديه هو قميص كامب ديفيد. وهو أشبه بقميص امريكي لمخيم صيفي امريكي فاشل، الا ان الانتقاد الذي يعود الى من كان ممثل رئيس الحكومة الاسرائيلية في محادثات السلام هو ان كامب ديفيد ليس الاساس والجوهر. وان من يركز على كامب ديفيد لا يبدأ في فهم المسألة. ذلك ان الاسبوعين التفاوضيين في ميريلاند واللذين اجتذبا اهتمام العالم ليسا الا جزءاً من لوحة البازل الكبيرة جدا في محاولة سبر غور النزاع. وهي محاولة ايهود باراك وشلومو بن عامي الفاشلة في فك رموز الشيفرة الجينية الوراثية للنزاع. ـ هيا نعود للبداية. لمحادثاتك الاولى مع باراك عندما كلفك بمهمة المفاوضات. حول اية تسوية اقليمية فكر في حينه؟ ـ في احد اللقاءات الاولى بيننا عرض علي باراك خارطة تشمل غور الاردن وكانت أشبه بخطة آلون المعدلة جدا، وتفاخر ان خارطته تبقي بيد اسرائيل ثلث المساحة. ومنحت الفلسطينيين ان لم أكن مخطئا 66 في المئة فقط، باراك كان على قناعة ان الخارطة منطقية بشكل لا مثيل له، وحاول اقناعي أنا ايضا ان كل من سيراها سيدرك انها تعبر عن اقتراح معقول جدا. باراك كان في حينه ما زال فوقيا متحمسا، وأنا لم أتجادل معه. ولكنه أدرك لاحقا اثر المحادثات مع الفلسطينيين والاستيضاحات الداخلية، ان خارطته لا يمكن ان تعرض على الآخرين وتنشر على نطاق واسع. ـ عندما توجهتم الى المفاوضات، ماذا كان الموقف الاسرائيلي الرسمي الذي حملته أنت وجلعاد شير في المفاوضات السرية في ستوكهولم في مايو 2000؟ ـ وضعنا على الطاولة في ستوكهولم خارطة من 12 ـ 88 في المئة. طلبنا ثلاثة تجمعات استيطانية (غوش عصيون واريئيل وغلاف القدس) وسيطرة أمنية في غور الاردن لعشرين سنة. وحسب الخارطة التي عرضناها خط نهر الاردن نفسه ظل تحت السيادة الاسرائيلية من اجل الحؤول دون دخول الاسلحة وخرق نظام نزع السلاح. في ستوكهولم عارضنا ايضا فكرة مبادلة المناطق. التصور كان ان غزة والضفة هما طاولة الرمل التي يتوجب ان تحل كل المشاكل داخلها. ـ كيف رد الفلسطينيون؟ ـ لم يحبوا النظر الى خرائطنا. ابو العلاء قال لي: شلومو، خذ الخارطة، وفي المحادثات الجانبية كان يضغط علي: كم هي النسبة المئوية التي تبغونها حقا، كم هي النسب المئوية فعلا. الا ان محادثاتنا هناك كانت أفضل ما أجريناه من مباحثات. التوجه كان براجماتيا (واقعيا) لدرجة أننا بنينا اطارا مكتوبا للاتفاق ووصلنا حتى الى التشاور مع رجال القانون الدوليين حول الصياغة الصحيحة. شعورنا كان أننا نتقدم بسرعة نحو الحل وأننا في الطريق نحو اتفاق سلام اسرائيلي ـ فلسطيني. نقاط الاتفاق ـ ما هي الامور التي اتفقتم حولها؟ ـ كلمة اتفاق ملزمة جدا. لم تكن هناك اتفاقات وكانت هناك حاجة الى وجود تجمعات استيطانية، وفهم في ان يكون الفلسطينيون مرنين في كل ما يتعلق بالأمن. في قضية اللاجئين كوّنا مفهوما وتصورا كاملا للحل في الدول المستضيفة، وفي الدولة الفلسطينية وفي أقطار ثالثة وحول جمع شمل العائلات في اسرائيل. في السويد تحدثنا أنا وجلعاد شير عن خمسة ـ عشرة آلاف لاجيء يستوعبون في اسرائيل على مدى سنوات، ابو العلاء وحسن عصفور لم يقبلا هذا العدد الا انهما أبديا استعدادية للدخول في مفاوضات جوهرية حول الاعداد. ايضا في المسألة الاقليمية كان هناك شعور انهم سيقبلون ما نطرحه تقريبا خلال اللقاء الذي جرى بيننا بعد ستوكهولم، في فندق «هوليداي إن» في القدس وافق ابو العلاء بشكل صريح على التنازل عن 4 في المئة في الضفة الغربية. ـ والقدس؟ ـ القدس لم تطرح بالمرة. باراك لم يكن مستعدا لذلك، وأنا اعتقد ان ذلك كان خطأ، فلو بحثنا المسألة هناك لوصلنا الى كامب ديفيد اكثر استعدادا، الا انه خاف من التسريبات ومن ان يؤدي ذلك الى زعزعة الحكومة والائتلاف. ـ ابو مازن نفسه تحفظ على وثيقة ابو مازن ـ بيلين؟ ـ ليس هو وحده، عندما سألت عرفات عن هذه الوثيقة في اللقاء الذي عقدناه في غزة بعد عدة اشهر لاحقا قال لي بازدراء: كلمات كلمات. عرفات لم يكن مستعدا للنظر الى هذه الوثيقة باعتبارها اساسا معينا، وطوال الطريق كله لم يقبل الفلسطينيون معاييرها الاساسية. ـ في منتصف يوليو انعقدت قمة كامب ديفيد، ما هي المواقف التي طرحتموها في بداية القمة؟ ماذا كان الاقتراح الاسرائيلي الرسمي في قمة السلام؟ ـ الخارطة التي وضعتها على الطاولة امام الطاقم الفلسطيني بحضور كلينتون كانت خارطة 12 ـ 88 في المئة، بين ستوكهولم (مايو 2000) وبين طابا (يناير 2001) لم نطرح خارطة اخرى بشكل رسمي. لم نطرح خرائط جديدة، ولكن بشكل غير رسمي كان واضحا اننا مستعدون بـ 8 ـ 10 في المئة، وكنا مازلنا نعارض مبادلة المناطق وما زلنا نطالب ان تبقى القدس تحت سيادتنا، كررنا الحل الذي يقوم على توسيع مساحتها، ومن جزء من المساحة الموسعة للفلسطينيين. الفلسطينيون أصروا في المقابل على ان تبدأ المفاوضات في ان تعترف اسرائيل بحدود 1967، وكانوا متشددين جدا في هذه المسألة. لن أنسى النقاش الذي دار بوجود كلينتون واولبرايت وساندي بيرجر حيث اقترحت التفاوض على اساس فرضية حدود 1967 من دون ان نلتزم بها. ابو العلاء رفض بكل شدة وأصر على ان نعترف بالحدود أولا، فغضب كلينتون بعد فترة وأخذ يصرخ بشدة وقال لابو العلاء ان هذا ليس خطابا في الامم المتحدة وان على الفلسطينيين ان يقترحوا اقتراحات ايجابية خاصة بهم. وأضاف ان أحدا لن يحصل على كل ما يريده وانه هو ايضا يريد فترة رئاسية ثالثة، الا انه يعلم ان ذلك غير ممكن. وجه الرئيس الامريكي تهدج واحمر، وأخيرا نهض وخرج. ابو العلاء شعر باهانة عميقة جدا ومنذ تلك اللحظة وما بعدها كان كل ما فعله في كامب ديفيد هو التنزه في الساحات. وضع القدس ـ ألم يقدم الفلسطينيون اقتراحات خاصة بهم؟ ـ لا، وهنا جوهر المسألة. فلم تقدم أبدا اقتراحات فلسطينية، وهي لن تقدم أبدا. ولذلك يجد الطرف الاسرائيلي نفسه دائما في معضلة محيرة، فإما ان يقوم ويغادر او ان يقدم شيئا صغيرا جديدا آخر. ـ هل كانت هناك لحظة تغير فيها هذا الوضع وبدا فيها ان انطلاقة ما قد تحدث في كامب ديفيد؟ ـ عندما كان الشعور بأن المسألة تراوح في المكان بادر كلينتون الى لعبة تناظر استغرقت ليلة كاملة حتى ظهيرة اليوم التالي. مفتاح اللعبة كان انها غير ملزمة للقادة. شاركنا فيها أنا وجلعاد شير ويسرائيل حسون، وفي المقابل كان صائب عريقات ومحمد دحلان ومحام فلسطيني من اكسفورد. في هذه اللعبة طرحنا للمرة الاولى اقتراحا بشأن القدس. اقتراحنا كان ان غلاف القدس الخارجي من الاحياء العربية يكون تحت السيادة الفلسطينية والغلاف الداخلي يكون تحت حكم ذاتي وظيفي، والبلدة القديمة تحت نظام خاص، وجبل الهيكل (اي الحرم) يكون تحت الوصاية الفلسطينية. كلينتون كان راضيا جدا من اقتراحنا وباراك ايضا اعتقد اننا قمنا بخطوة شجاعة، هذا كان قبل ان يتخذ قراراته الشجاعة، وكان بذلك انطلاقة خلصت العملية من الطريق المسدود. ـ ماذا كان رد الفلسطينيين؟ ـ كان ردهم مخيبا للآمال. المحامي الفلسطيني من اكسفورد قال انهم سيطالبون بتعويضات عن كل سنوات الاحتلال. وعريقات قال امورا مشابهة. أنا لم أتمالك نفسي وشعرت باحباط فظيع اذ اننا قمنا بخطوة خلاقة جدا ومرنة جدا، اما هم فلم يتمكنوا من التخلص من المناكفة. ما حدث لاحقا كان ايجابيا رغم ذلك، كلينتون توجه لعرفات وأجرى معه محادثة صعبة جدا. وعندما شعر عرفات انه على شفا الهاوية اقترح اخيرا اقتراحا مقابلا وقال لكلينتون انه مستعد للموافقة على مساحة 8 ـ 10 في المئة. ـ أنت تقول ان عرفات وافق في محادثة 16 يوليو 2000 بينه وبين كلينتون على اعطاء اسرائيل عُشر الضفة الغربية؟ ـ أجل، فقد قال لكلينتون انه موافق على اعطاء 8 ـ 10 في المئة لاسرائيل، اما مبادلة الاراضي فقد أودعها بيد كلينتون وقال انه مستعد لترتيبات أمنية كما يتقرر مركزا على القوة الدولية. وايضا في قضية اللاجئين تم ايجاد حل. كل شيء توقف على قضية القدس في تلك المرحلة حيث قال عرفات انه يريد حلا يمكنه ان يتعايش معه. ـ أولم يخدعكم عرفات بشكل حاذق من أجل القدس من خلال عرض مسرحية وهمية تقول انه اذا تنازلتم في قضية القدس فان كل الامور ستحل بسهولة؟ ـ لا أعرف، ولن أندهش اذا علمت انه فعل ذلك للخروج من الضائقة التي علق بها بسبب الضغط الامريكي، فكل ما فعله هو قول عدة كلمات لكلينتون ولا غير. ـ أنا افهم انه كانت هناك مرحلة أذهلكم باراك فيها ووافق على تقسيم البلدة القديمة الى أربعة احياء، اثنين تحت السيادة الاسرائيلية واثنين تحت السيادة الفلسطينية. هل فعل ذلك من تلقاء نفسه أم انه كان قرارا مشتركا لكم؟ ـ كما قلت لك أنا اقترحت نظاما خاصا في البلدة القديمة، فجاء كلينتون بعدها مع اقتراح اثنين ـ اثنين، أي تقسيم السيادة في القدس. باراك وافق في محادثة مع كلينتون ان يكون اقتراحه اساسا للنقاش. في تلك الليلة تجولنا أنا ومارتين انديك في الحقول وقلنا معا ان باراك مجنون ولم نفهم كيف خطرت الموافقة بباله. الفلسطينيون لم يقبلوا اقتراح كلينتون حول القدس وهكذا تراجع باراك عن موافقته. بعدها أرسل رسالة غاضبة لكلينتون ادعى فيها انه لا يضغط على عرفات بدرجة كافية. فحاول كلينتون مرة اخرى. نتيجة كل هذه التطورات كانت أزمة عميقة ودخل باراك بعدها في عزلة إثر سفر كلينتون الى اليابان اذ كان الامر صعبا جدا جدا عليه. ـ ولكن كلينتون عاد من اليابان واستؤنفت المفاوضات. فماذا حدث في اليومين الاخيرين؟ ـ في نهاية المطاف ما طرح على الطاولة قبيل نهاية المؤتمر كان اقتراحا من الرئيس حول وجود غلاف القدس الخارجي تحت السيادة الفلسطينية ووضع جبل الهيكل (الحرم) تحت السيادة الاسرائيلية ولكن بوصاية فلسطينية. عدا عن ذلك كان للاقتراح خيارين: حكم ذاتي وظيفي في الاحياء الداخلية وحيين في البلدة القديمة تحت السيادة الفلسطينية او سيادة فلسطينية في الاحياء الداخلية وحكم ذاتي وظيفي في البلدة القديمة. كما كانت هناك امكانية ثالثة وهي تأجيل بحث قضية القدس لثلاث سنوات. هذه كانت الليلة الاخيرة، وفي ساعة متأخرة جدا. باراك قال لي أنها لحظة تاريخية. كلينتون أرسل عريقات لعرفات وقال له ان لم يكن موافقا على ذلك فليطرح اقتراحا مقابلا واعدا ان يتواصل المؤتمر اذا حدث ذلك. اقتراحات مضادة ـ إذن قمة كامب ديفيد فشلت بسبب رفض الفلسطينيين للاقتراح الامريكي في قضية القدس؟ ـ لا، القمة فشلت لانهم رفضوا الدخول في اللعبة ورفضوا تقديم اقتراحات مضادة. ـ الادعاء السائد هو ان القمة فشلت بسبب تكتيكات تفاوضية خاطئة وبسبب سلوك ايهود باراك، ولأن باراك أهان عرفات واستخف به؟ ـ أنا اعتقد ان اخطاء قد حدثت، طريقة التفاوض كانت خاطئة، وهي ان تتفاوض الطواقم وتقدم الخلاصة للقادة للموافقة، اذ توجب عقد قمة للقادة الذين يأمرون الطواقم حول اية تفاهمات يتوجب عليهم التفاوض. كما ان بعض الفرص قد فوتت من قبل الفلسطينيين. ـ لماذا لم تقترحوا عليهم اتفاقا جزئيا ما؟ ـ لقد فعلنا ذلك في عدة مراحل واقترحنا اتفاقا جزئيا من دون القدس واللاجئين، وتكرر ذلك في الليلة الاخيرة الا انهم رفضوا ذلك. ـ حدثني عن العلاقات بين عرفات وباراك ابان القمة؟ ـ انهما لم يلتقيا في الواقع. اولبرايت دعتنا لمأدبة لكسر الحواجز الا ان باراك جلس خلالها دون ان ينبس بكلمة واحدة طوال ساعات، وكان الامر محرجا جدا. ما اعتقده أنا ان مسألة عميقة حدثت هنا، فباراك انسان منطقي ولكن ما اتضح في القمة ان عرفات هو انسان اسطوري، ولذلك لم يكن بامكان أي اسرائيلي منطقي عقلاني ان يتوصل الى اتفاق معه. ـ ولكن كانت هناك مفاوضات مع عرفات في السابق ونجحت؟ ـ لقد كانت مفاوضات حول تسويات انتقالية، اما بالنسبة للحلول النهائية فالمسألة مختلفة. وأنا لم أشهد في التاريخ سلوكا هروبيا صعبا من الحسم التاريخي مثلما يفعل عرفات. الانتفاضة والمفاوضات ـ الانتفاضة جمدت المفاوضات ولكن في شهر اكتوبر ـ ديسمبر، عندما تصاعد العنف واصبحت الانتخابات على الأبواب تجددت المفاوضات، فحول ماذا تركزت؟ ـ حول قضية القدس بالاساس، في هذه المرحلة وافقنا على تقسيم المدينة وعلى السيادة الفلسطينية الكاملة في الحرم الشريف، الا اننا أعربنا عن اصرارنا بأن يعترفوا بارتباط ما لنا مع جبل الهيكل. أذكر أنني اقترحت ان تكون السيادة على الحرم لهم على ان يتعهدوا بعدم الحفر لان المكان مقدس لليهود. عبد ربه وعريقات وافقا على التعهد بعدم الحفر الا انهما لم يوافقا بأي شكل على اعطائنا عبارة بأن المكان مقدس لليهود، ولم يكن رفضهم هو الذي أثارني في حينه وانما طريقة الرفض المزدرية والمتعالية. عندها أدركت انهم ليسوا السادات وانهم ليسوا مستعدين للتجاوب معنا ولو رمزيا وعاطفيا. ـ في العشرين من ديسمبر 2000 عقد كلينتون اجتماعا لكم في البيت الابيض وعرض مقاييس واسعة للتسوية، فما هي؟ ـ أكثر من 90 في المئة وأقل من مئة في المئة 80 في المئة من المستوطنين اليهود ضمن المساحة الاسرائيلية السيادية، ترتيبات امنية في الغور، نظام خاص في البلدة القديمة، جبل الهيكل في حل يحترم الرابطة اليهودية به. ـ بعد ذلك اقترح عليكم مقاييسه المقلصة للاتفاق، فما هي؟ ـ 96 ـ 97 في المئة من الضفة بالاضافة الى 1 في المئة من المساحة الاسرائيلية السيادية أو 94 في المئة باضافة 3 في المئة من المساحة الاسرائيلية السيادية، ولانه أدخل الممر الآمن الذي توجد لاسرائيل سيادة جوية عليه يمكن القول ان كلينتون اقترح سيادة مئة في المئة للفلسطينيين. ـ والقدس؟ ـ كما نشر: كل ما هو يهودي لاسرائيل، وكل ما هو عربي للفلسطينيين. جبل الهيكل تحت السيادة الفلسطينية الكاملة حيث تحصل اسرائيل على حائط المبكى وعلى المذبح المقدس. ـ واللاجئون؟ ـ هنا حاول كلينتون تربيع الدائرة. لقد ذهب باتجاه الفلسطينيين حتى آخر نقطة كنا سنقبل بها، وقال ان الطرفين يعترفان بحق اللاجئين في العودة لفلسطين التاريخية او العودة الى وطنهم، ولكنه أوضح انه لا يوجد حق عودة محدد لاسرائيل، والعودة لاسرائيل تكون خاضعة لقوانينها السيادية ولسياستها الاستيعابية. ـ وماذا كان الرد الاسرائيلي والفلسطيني على الاقتراحات؟ ـ نحن قلنا بعد التشاور في الوفد الاسرائيلي نعم، اما عرفات فلم يستعجل وسافر الى مبارك والى كل المؤتمرات العربية متباطئا، ولم يرد حتى على اتصالات كلينتون الهاتفية. كل العالم مارس ضغوطه عليه، ولكنه لم يقل نعم. خلال تلك الايام العشرة لم يتبق زعيم دولي الا واتصل معه. واخيرا كان جوابه لكلينتون يتضمن لاءات كبيرة وموافقات صغيرة. ـ ولكن كانت لاسرائيل تحفظاتها ايضا؟ ـ أجل، الا انها كانت صغيرة. خارطة جديدة ـ في طابا عرضتم على الفلسطينيين خارطة جديدة؟ ـ الخارطة كانت 94.5 في المئة للفلسطينيين و5.5 في المئة لنا. وهذا من دون مبادلة المناطق. حيث تبين انهم لا يحبون فكرة رمال حلوتسا مثلي تماما، وتبين ان المسألة غير قابلة للتطبيق وكل ما تبقى هو ان يحرك المصريون حدودهم شرقا واعطاء مساحة اضافية للفلسطينيين في سيناء، الا اننا لم نحدث المصريين بالاقتراح مثلما لم يطرحوه هم ايضا. ـ حسب هذا الاقتراح سيتم اقتلاع حوالي مئة مستوطنة؟ ـ لا اعرف العدد الدقيق، الا انها عشرات كثيرة من المستوطنات، واعتقد ان هذه الخارطة لا تضمن بقاء 80 في المئة من المستوطنين تحت السيادة الاسرائيلية كما اقترح كلينتون. ـ وهل قبل الفلسطينيون هذه الخارطة؟ ـ لا، وقد اقترحوا خارطة مقابلة تبين انها تعطينا 2.34 في المئة فقط مع تفريغ فكرة الكتل الاستيطانية وتحويلها الى مستوطنات معزولة. ـ شلومو بن عامي، أنت وباراك خرجتم في حملة هي اشبه بحملة الى باطن الارض نحو لب النزاع فماذا اكتشفتم؟ ـ أنا اعتقد أننا اكتشفنا عدة امور غير بسيطة. اولا بالنسبة لعرفات اكتشفنا انه لا يملك استراتيجية النهاية، فهو لا يستطيع اشعار مفاوضيه الاسرائيليين ان هناك نهاية لمطالبه. استراتيجيته هي استراتيجية النزاع. عرفات مخلص لمبادئه ـ هل تقول انه ليس شريكا في نظرك؟ ـ عرفات هو زعيم الفلسطينيين. وهذه مصيبتهم هم. ما اكتشفته هو ان عرفات ليس كاذبا، فهو مخلص لحقيقته هو، وهي حقيقة المثل العليا الاسلامية وقيمة اللجوء والشعور بأنه ضحية. ولذلك ليس شريكا ضمن هذا المفهوم، والاسوأ من ذلك انه تهديد استراتيجي، فهو يشكل خطرا على سلام الشرق الاوسط وسلام العالم. ـ ألا يقبل فكرة وجود اسرائيل بعد؟ ـ تنازله في اوسلو كان تنازلا شكليا، وهو لا يعترف بحق اسرائيل في الوجود اخلاقيا ومن حيث المفهوم. ولا يقبل فكرة الدولتين لشعبين. بامكانه ان يتوصل لاتفاق جزئي معنا ولكن لا هو ولا الحركة الوطنية الفلسطينية يقبلون بنا. ـ أنت انتقادي جدا ليس فقط نحو عرفات شخصيا وانما بالنسبة للحركة الوطنية الفلسطينية على وجه العموم؟ ـ أجل، من الناحية الفكرية أنا أفهم منطقهم. أنا أفهم انهم يعتبرون انهم تنازلوا عن 78 في المئة في اوسلو ولذلك كل ما تبقى هو لهم. أنا أفهم ان العملية هي عملية ازالة الاستعمار من وجهة نظرهم وهذه مسألة لا يتوجب عليهم ان يتنازلوا عنها، كما لن يساوم مواطنو الكونغو حول ذلك مع البلجيكيين. أنا أفهم حتى انهم يعتبرون انهم تنازلوا باتجاهنا بقبولهم الاحياء اليهودية في القدس وقسما من المستوطنات، ولكن في نهاية المطاف بعد ثمانية اشهر من المفاوضات توصلت لاستنتاج أننا في مواجهة مع حركة وطنية ذات عناصر مرضية صعبة. هذه حركة محزنة جدا. حركة مأساوية، ولكن في قلب مأساتها نجد العجز في تحديد أهداف ايجابية لنفسها. في آخر العملية لا يمكن الفرار من الانطباع بأن الفلسطينيين يريدون إجلاس اسرائيل على مقعد المتهم اكثر مما يريدون الحل ذاته. وانهم يريدون وصم دولتنا وشجبها أكثر مما يريدون دولة خاصة بهم. مثلهم السامي هذا هو مثل سامي سلبي من المفهوم العميق جدا. هذا هو سبب عدم قدرتهم على المساومة خلافا للصهيونية. ذلك لانهم لا يملكون صورة مجتمعهم المستقبلي الذي يجدر المساومة من أجله. لذلك ليست العملية من ناحيتهم عملية مصالحة وانما هي عملية ازالة للاجحاف واحقاق الحق وزعزعة وجودنا كدولة يهودية. رام الله ـ «البيان»: