ان المتابع للأزمة التي نشبت مؤخراً بين ايران واذربيجان، يستطيع ان يشم رائحة النفط في كل فصولها، وكذلك في كل مستويات الصراع والتوتر بين دول حوض بحر قزوين. يبدو أن النفط سيظل أحد براميل البارود المرشحة لتفجير العلاقات الدولية من حين لآخر، برغم كل ما يقال عن وجود مصادر بديلة للطاقة عن تلك السلعة الاستراتيجية التي صارت تعادل الذهب في القيمة.و بدأت وقائع هذه الأزمة بما أعلن عنه الجانب الإيراني في منتصف شهر يوليو الماضي من أن أمين مجلس الأمن القومي في إيران حسن روحاني قد توجه على رأس وفد رفيع في جولة إلى دول القوقاز الثلاث أرمينيا وجورجيا وأذربيجان، وكان هدف الجولة المعلن وقتها هو بحث الأوضاع الأمنية في المنطقة وتعزيز التعاون الثنائي والإقليمي، خاصة أن العلاقات بين إيران والجمهوريات الثلاث شهدت تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق في أوائل التسعينيات من القرن الماضي. غير أن الأحداث التي تلت جولة المسئول الإيراني لم تلبث أن كشفت عن الباعث الحقيقي لتلك الجولة. فلم تكد تمضي أيام قليلة بعدها، حتى تصاعدت نبرة التوتر بين طهران وباكو. وفي الثاني والعشرين من الشهر الماضي قدمت وزارة الخارجية الإيرانية احتجاجًا شديد اللهجة إلى أذربيجان لسماحها لإحدى شركات النقط الأجنبية (بريتش بتروليوم البريطانية) بالتنقيب في منطقة «البورز» المشتركة بين البلدين. وقامت وزارة الخارجية الإيرانية باستدعاء القائم بأعمال السفارة الأذربيجانية في طهران وأبلغته أن «الاتفاق المبرم بين الحكومة الأذربيجانية والشركة الأجنبية يعتبر من وجهة النظر الإيرانية فاقدًا لأي اعتبار قانوني» ، وشددت على أن إيران «ستدافع بقوة عن حقوقها المشروعة في المنطقة» وحملت الحكومة الأذربيجانية مسئولية ما سيترتب على ما وصفته ب«التصرفات غير المسئولة» التي تقوم بها. ثم ما لبث أن حدث تطور نوعي خطير تجاوز هذا الاحتجاج الدبلوماسي، عندما تحركت سفينة حربية إيرانية إلى المياه الإقليمية الأذربيجانية لإرغام سفينة مماثلة تابعة لباكو (عاصمة أذربيجان) على الانسحاب، في حين طاردت طائرات حربية إيرانية وقطع من الأسطول الإيراني، سفينتي تنقيب عن النفط تابعتين لشركة النفط البريطانية (بريتش بتروليوم)، الأمر الذي عكس جدية التهديدات الإيرانية، وأن طهران عازمة على الدفاع عن مصالحها في بحر قزوين ولو أدى ذلك إلى مواجهة عسكرية مع جيرانها. وفي أعقاب ذلك الحادث تبادل الطرفان الإيراني والأذربيجاني الاتهامات بالمسئولية عن تصعيد الموقف، وإن ظلت طهران طوال الأزمة صاحبة الصوت الأعلى واللهجة الأكثر حدة، حتى إن مسئولاً إيرانيًا رفيع المستوى هو محسن رضائي أمين سر مجلس تشخيص مصلحة النظام (أعلى هيئة في إيران) تحدث عن انتماء أذربيجان إلى إيران، مشيرًا إلى أن «هذه البلاد تشكل أحد الأقاليم الفارسية» وشدد رضائي على أن «زعماء أذربيجان ينبغي أن يحكموا بلادهم بطريقة لا تدفع الشعب الإيراني إلى المطالبة بإعادة أذربيجان إلى إيران» مشيرًا بذلك إلى الوضع الذي كان سائدًا قبل عام 1814 عندما كان جزء كبير من القوقاز وآسيا الوسطى ينتمي إلى أراضي الإمبراطورية الفارسية قبل ضمه إلى روسيا. وكان ذلك التصريح المثير هو الأول من نوعه «رسميًا» خلال الأزمة، إذ إن وزير الخارجية الإيراني السابق الدكتور علي أكبر ولايتي الذي يعد مهندس العلاقات الخارجية الإيرانية ومستشار العلاقات الخارجية لقائد الثورة علي خامنئي، كان قد أشار في لقاء مع التليفزيون الإيراني إلى أنه من الناحية التاريخية فإن القسم الجنوبي من بحر قزوين تابع لإيران. وقال ولايتي «إنه من الممكن ملاحظة آثار الثقافة الإيرانية أيضًا في بعض المناطق الشرقية والغربية للبحر»، في تلويح بأن هناك أراض إيرانية لن تقبل طهران التنازل عن حقوقها فيها بأي وجه وبأي ثمن، وأنها في حرب الخليج الأولى حين اعتقد النظام العراقي بأنها ضعيفة، حاربت لثماني سنوات. وبعد هذا التصعيد من جانب إيران، بدا أن المسئولين الأذربيجانيين وعوا جيدًا الرسالة الإيرانية، فما كان من حيدر علييف رئيس جمهورية أذربيجان إلا أن أعلن أنه لا يريد خلق مزيد من التوتر مع إيران، ودعا الراديكاليين المناوئين لطهران في بلاده إلى عدم التسبب في حوادث، وذلك على الرغم من إدانته إيران بسبب لجوئها إلى القوة في الخلاف بين البلدين بشأن تقاسم مياه بحر قزوين. كما أن السفير البريطاني في طهران «نيك بروني» تدخل على الفور لتهدئة الوضع بإعلانه أن لندن سحبت السفينتين التابعتين لشركة بريتش بتروليوم وأنها لن تقوم بأي عمل من شأنه الإضرار بالمصالح الإيرانية في المنطقة. وهكذا لم يعد الحديث عن المواجهة العسكرية بين طهران وباكو هو الأمر المناسب بقدر الحديث عن الوضعية القانونية لبحر قزوين ومستويات الصراع في تلك المنطقة واحتمالات تفجرها مرة أخرى، إلى جانب السمات التي تميز طبيعة العلاقات بين طهران وباكو. ما ينبغي أن يكون يشير المحللون إلى أنه من الناحية النظرية، ينبغي أن تكون العلاقات التي تربط إيران بأذربيجان وثيقة للغاية، إذ كانت هذه الأخيرة، كما ذكرنا، جزءًا من إيران حتى أوائل القرن التاسع عشر عندما تخلت طهران عنها لموسكو بعد حربين روسيتين-إيرانيتين، كما أن أكثر من 90% من الشعب الأذربيجاني-حوالي 7.5ملايين نسمة- هم من طائفة الشيعة المتشبعين بثقافة وتقاليد إيران، فضلاً عن ذلك فإن إيران نفسها موطن لقرابة الكثير من الأذربيجانيين. ورغم ذلك فإن العلاقات بين طهران وباكو تردت من السيئ إلى الأسوأ منذ استقلال أذربيجان بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وعمدت الحكومات المتعاقبة في باكو إلى عقد تحالفات مع الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، وزاد من غضب إيران أن باكو عمدت كذلك إلى رفض الأبجدية العربية وتبني الحروف اللاتينية مثل تركيا، وردت إيران على ذلك بعقد تحالفات مع روسيا لمواجهة النفوذ الأمريكي عبر القوقاز، بل إن طهران ساعدت أرمينيا في اجتياح الأراضي الأذربيجانية والإبقاء عليها. ثم تدهورت الأوضاع أكثر مما هي عليه بعد فتح أذربيجان حقولها النفطية، التي يعتقد أن فيها من الاحتياطيات ما يقارب في قيمته 30 مليار دولار حسب أسعار النفط الراهنة- أمام المستثمرين الأمريكيين والأوروبيين والأتراك، وحرمان إيران على وجه الخصوص من أي نصيب، أما ما اعتبر حلاً وسطًا بمنح شركة النفط الإيرانية حصة تصل إلى 5% من نفط حقل «شرق أراس» الأذربيجاني فقد ألغي عام 1998 تحت ضغوط أمريكية. ومنذ ذلك الحين والدولتان الجارتان على خلاف حول وضعية بحر قزوين. فإيران تحاجج بأنه بحيرة كبيرة، وبالتالي ينبغي اعتباره بحرًا مغلقًا تنحصر ملكيته في الدول المطلة عليه، أي إيران وروسيا وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، كما تقترح إيران أن تقتسم تلك الدول ثروات بحر قزوين بينها بالتساوي لتحصل كل منها على 20% منه. في المقابل ترى أذربيجان أن بحر قزوين كبير إلى حد كاف لاعتباره مياهاً دولية، ولهذا ينبغي أن يكون لكل دولة مطلة عليه مياه إقليمية بحسب قانون البحار المعمول به في العالم.وحسب الرؤية الأذربيجانية، المدعومة أمريكيًا وتركيًا، فإن إيران لن تحصل سوى على 11% فقط من ثروات البحر في حين تحصل كازاخستان وأذربيجان على أكثر 30% منه. وهكذا يبدو أن هناك تداخلاً كبيرًا بين ما هو جغرافي وما هو سياسي في هذه القضية، ومن ثم كان لزامًا أن نتعرض بشيء أكبر من التفصيل لتضاريس بحر قزوين نفسه محل هذا الخلاف. البحر القديم يبلغ طول حوض بحر قزوين Caspian Sea، أو بحر «الخزر» كما أطلق عليه العرب القدامى، 1230 كيلو مترًا، ويبلغ عرضه في أضيق نقطة 300 كيلو متر، أي إن مساحته تبلغ أربعة أضعاف مساحة الخليج العربي. ورغم أن منسوبه ينخفض عن سطح البحر بحوالي 30 مترًا إلا أنه يتوفر فيه كل سمات البحر، كما أنه يزخر بثروات هائلة من الأحياء المائية والمخزونات النفطية، والدول التي تطل على بحر قزوين بشكل مباشر هي روسيا وإيران وكازاخستان وتركمانستان وأذربيجان. ولما كان طول الساحل الإيراني هو الأقل بين سواحل الدول الأربع الأخرى، فإن من شأن اتفاق الدول الخمس على تقسيم ثروات البحر بحسب طول السواحل، أن يؤدي إلى اقتصار النصيب الإيراني على 11% فقط من الإجمالي وهو ما ترفضه طهران بشدة حتى الآن. بيد أن هذا الاتفاق المذكور الذي يصطدم بالطموحات الإيرانية لم تتوصل الدول الأربع الأخرى إليه حتى اللحظة الراهنة للكثير من الأسباب سوف يجري تفصيلها في الجزء المقبل، أما الآن فنحن بصدد تقييم العلاقات بين طهران وباكو لاستشراف إمكانات تفجر الأوضاع بينهما مستقبلاً من عدمه. واقع الأمر - كما تبينا-أن هناك الكثير من أوجه الخلاف بين البلدين غير نزاعهما على نفط بحر قزوين، وقد أوضحت مصادر إيرانية مطلعة أن الرسالة التي حملها روحاني خلال زيارته للعاصمة الأذربيجانية باكو قبيل اندلاع الأزمة، كانت تشتمل على الكثير من أوجه الخلاف. تفيد هذه المصادر أن المرشد الإيراني علي خامنئي حذر خلال رسالته للرئيس الأذربيجاني حيدر علييف، من أن بلاده قد تضطر إلى استخدام القوة لوقف عمليات استخراج النفط من بحر قزوين. وكان لقاء روحاني وعلييف عاصفًا للغاية، وحسب مصادر البلدين، كاد الاثنان أن يصرخا في وجه بعضهما البعض لولا مسارعة مساعدي كل منهما إلى تهدئة الوضع. واتهم روحاني علييف بتحويل أذربيجان إلى «قاعدة للصهيونية والإمبريالية» في حين رد علييف بطلب عودة روحاني إلى بلاده و«إعلام رجال الدين فيها أننا لن نسمح أبدًا بإقامة دولة ثيوقراطية في أذربيجان». وكان خامنئي قد طلب من علييف ثلاثة أمور، أولها: إغلاق السفارة الإسرائيلية في باكو لإبداء التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية، وثانيها: إصدار أمر بتأجيل الأنشطة الخاصة بالتنقيب عن النفط في بحر قزوين إلى حين توصل الدول الخمس المطلة عليه إلى اتفاق ينظم هذه الأنشطة، وثالثها: تأجيل قرار مد خط أنابيب لتصدير النفط الأذربيجاني إلى أوروبا إلى ما بعد عقد قمة زعماء الدول المطلة على بحر قزوين المزمع عقدها في العام المقبل. غير أن علييف الذي كان جنرالاً سابقًا في الاستخبارات السوفيتية (كى جي. بي) رفض المطالب الثلاثة، وبدل الانصياع، طالب إيران بوقف تسليحها ودعمها لأرمينيا التي تحتل 25% من الأراضي الأذربيجانية منذ عام 1991. وتناقلت الصحف الأذربيجانية مقاطع مما قاله علييف للوفد الإيراني، من أن باكو تعتبر علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا «استراتيجية» وأنها ضرورية «للمصالح القومية الأذربيجانية»، أما وزير الخارجية الأذربيجاني ولايت قيوليف فقد قال بعدها إن «إيران تزعم الدفاع عن الإسلام في حين أنها تسلح أرمينيا، الدولة النصرانية، ضد شعب أذربيجان الشيعي المسلم،وليس من حق أحد أن يعلمنا كيف نكون مسلمين». يذكر أن اللافت للنظر في الأزمة الإيرانية-الأذربيجانية الأخيرة أن المحللين تناولوها بتحليلات شتى، اقتصر بعضها على تحديد «النفط» كعامل الصراع الوحيد بين الطرفين، والبعض الآخر استبعد هذا العامل. وبصفة عامة يمكن تقسيم مستويات الصراع على ثروات بحر قزوين، أو بعبارة أخرى توضيح أسباب الأزمة الأخيرة، كما بينها المحللون والخبراء من خلال النقاط التالية: أولاً: اعتبارات الداخل الإيراني فسر أحد المحللين الأزمة الأخيرة بين طهران وباكو بأنها انعكاس لصراعات الداخل الإيراني بين الرئيس محمد خاتمي وتياره الإصلاحي وبين التيار الآخر المحافظ. وأشار إلى أن ضغوط هذا التيار الأخير على الإصلاحيين تجاوزت ساحة الإجراءات الداخلية إلى ساحات أخرى أخطر وأكثر حساسية، وهي صراعات إيران مع جوارها الإقليمي وآخرها مع أذربيجان. فبالرغم من النجاحات التي حققتها إيران في عهد خاتمي في مجال تطبيع العلاقات مع كثير من الدول وكسرت بذلك حلقة العزلة التي فرضت عليها خلال السنوات الأولى من عمر الثورة الإسلامية، فإن ثمة نقاط لم تشهد بعد مثل ذلك التطور الإيجابي ولا تزال تعاني من سيطرة فكر المحافظين الإيرانيين فيما يخص التعامل الإيراني معها. وأبرز هذه النقاط هي أذربيجان. إذ تصر التيارات المحافظة في إيران على النفخ في عروقها القومية والتاريخية. ولم يكن تهديد محسن رضائي مساعد رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام بضم «الفرع إلى الأصل» سوى أحد تجليات وإفرازات التيار المحافظ في التعامل مع القضايا الخارجية. هذه الإفرازات، بالإضافة إلى قومية أذربيجان متشددة في طور النشوء، وتوترات إيرانية مع القومية الأذربيجانية في الداخل، وعددها يربو على 18 مليون، من شأنه أن يضيف عائقَا جديدًا أمام خاتمي وحكومة التكنوقراط التي يعمل على تشكيلها كطريق توفيقي للخلاص من ضغوط التيارات المتصارعة. وقد أفادت خبرة السنوات الأربع المنصرمة أن اليمين الإيراني المحافظ لا يتوانى إطلاقًا عن تبني مثل تلك العوائق، فضلاً عن إدراكه التام أن التوتر العسكري، سواء كان مع أذربيجان أو مع العراق أو الولايات المتحدة، من شأنه أن يفضي إلى إعادة سلطته المدعومة بالجيش والحرس الثوري من جهة، وإلغاء أي إمكانية للتجديد والإصلاح والتعددية في إيران من جهة أخرى. ومن ثم يعمل المحافظون المتشددون على استرجاع ما فقدوه في الداخل الإيراني عن طريق إطلاق صراع جديد في الخارج مع أذربيجان هذه المرة. ثانيًا: اعتبارات الصراع الإقليمي أما ثاني دوافع أو بواعث الأزمة بين طهران وباكو فهي تعقيدات الموقف الإقليمي بشأن حوض بحر قزوين. فكما ذكرنا فإن وضع هذا الحوض أصبح عرضة لجدل ومناورات دبلوماسية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي قبل عقد من الزمن، وأن هناك ثلاث وجهات نظر حول أسلوب الانتفاع بثروات هذا البحر: ـ الأولى: تقسيم ثروات البحر بالتساوي على الدول الخمس المطلة عليه. ـ الثانية: تقسيم الثروات بحسب طول سواحل كل دولة. ـ الثالثة: وهي التي كانت تؤيدها كازاخستان، وتتمثل في تقسيم البحر باعتباره بحيرة فيما يتعلق بثرواته الدفينة. وسيتيح ذلك للدول المطلة عليه استغلال تلك الثروات بطريقة فردية، في حين تتعاون في القضايا الأخرى مثل الملاحة والحد من التلوث. وقد عجزت الدول الخمس حتى الآن على الاتفاق على أي من وجهات النظر السابقة لاعتبارات كثيرة. فقد أعلنت تركمانستان أنها تقف في صف إيران لأنها لم تعثر على نفط في سواحلها، فضلاً عن أنها تخشى استفزاز إيران، في حين توافق كازاخستان حاليًا على وجهة نظر أذربيجان. أما روسيا فقد ترددت أكثر من مرة بين وجهات النظر المختلفة بشأن اقتسام ثروات البحر، فقد كانت روسيا تؤيد في البداية الوضع الإيراني لأنه لم يتم العثور على حقول نفط في الجانب الروسي من البحر، لكن روسيا حصلت على وعود من الولايات المتحدة وأذربيجان بنصيب من نفط البحر ومد خط أنابيب عبر أراضيها، فغيرت موقفها وأيدت أذربيجان ولكنها عادت مرة أخرى إلى التردد بعد أن بدت تلك الوعود غير مضمونة، خاصة أنها لا ترغب في المغامرة بعلاقاتها مع إيران بعد أن بدا أن هذه الأخيرة على استعداد لإنفاق الكثير من مواردها على التسلح، وليس أمامها في هذا الشأن-بعد الحظر الأمريكي عليه- سوى موسكو وبكين. مزيد من التعقيدات ومما يزيد من تعقيدات الوضع في حوض بحر قزوين، أنه لا توجد اتفاقيات قديمة تنظم عملية الاستفادة من ثروات البحر، سوى اتفاقيتين عقدتا بين طهران وموسكو أيام الاتحاد السوفييتي عندما لم يكن أي من الأطراف الثلاثة الأخرى يمثل دولة مستقلة، إذ كانت مجرد كيانات تابعة للاتحاد السوفييتي. هاتان الاتفاقيتان اللتان وقعتا عامي 1921 و1941 تتمسك بهما إيران، نظرًا للوضع المميز الذي تحظى به بموجبهما، في حين ترفض الدول الثلاث الأخرى التي نالت استقلالها مع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 هاتين الاتفاقيتين ولاسيما كازاخستان التي تحتفظ بأطول سواحل على بحر قزوين (حوالي 30% من طول السواحل). وفي وقت مبكر هذا الشهر شهد منتجع سوتشي الروسي المطل على البحر الأسود قمة الدول السوفييتية السابقة، حضرها بطبيعة الحال رؤساء كل من كازاخستان وتركمانستان وأذربيجان إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وعلى هامش القمة اتفق بوتين والرئيس الأذربيجاني «حيدر علييف»، ورئيس كازاخستان «نور سلطان نزار باييف» على الحفاظ على الوضع القانوني لبحر قزوين كما هو، وبالتالي فتح الطريق أمام استثمارات هائلة في أكبر موقع استكشافات نفطية في الوقت الراهن، فيما وصفه المحللون بأنه «نكسة دبلوماسية خطيرة لإيران». مرد تلك النكسة، أن الوضع القانوني الراهن الذي يتحدث عنه الاتفاق الجديد يقوم بالأساس على سلسلة من المعاهدات الموقعة بين إيران وروسيا القيصرية تنطوي على الكثير من الإجحاف بالنسبة للجانب الإيراني، بمعنى أن الاتفاق الجديد سيعني إعطاء إيران 11% فقط من بحر قزوين وتقسيم بقية المناطق على النحو التالي30%. لكازاخستان، 23% لأذربيجان، 20% لروسيا، و17% لتركمانستان. وعلى الرغم من أن تركمانستان لم توافق على هذا الاتفاق، بدون أن تقر الموقف الإيراني،، واكتفى رئيسها مراد نيازوف بمطالبة الدول الخمس بعقد قمة لدول بحر قزوين في عاصمة بلاده «عشق أباد» في أكتوبر المقبل. فإن إيران أصبحت في موقف لا تحسد عليه. وليس أدل على إدراكها لهذا من التحذير الذي وجهه وزير خارجيتها كمال خرازي للدول الأربعة الأخرى في الثامن من الشهر الجاري من استبعاد إيران على هذا النحو، مؤكدًا أنه ليس من حق هذه الدول التصرف في أي من ثروات البحر دون الاتفاق على وضعية قانونية جديدة، مشيرًا إلى أحد بنود الاتفاق الروسي-الكازاخستاني-الأذربيجاني، والذي يسمح لشركات النفط في الدول الثلاث بالمشاركة والاستثمار في المجالات النفطية، مما يسمح لروسيا بالإدعاء بأن لها سلطة الإدلاء برأيها في كل الأنشطة التي تجري بالقرب من حدودها. أما إيران فقد استبعدت من الاستثمار في نفط أذربيجان وكازاخستان بسبب العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة. وهذه قضية أخرى يمكن إيجازها من خلال المستوى الثالث من مستويات الصراع في منطقة بحر قزوين. ثالثًا: الصراع الدولي في بحر قزوين أثيرت توقعات كثيرة ومبالغة حول احتياطيات النفط في منطقة بحر قزوين، أغلب هذه التوقعات تأتي من مصادر أمريكية، وقد ذهبت بعض هذه التوقعات إلى أن المنطقة تعوم في بحيرة من النفط ووضعت تقديرات خرافية ثبت لاحقًا أنها غير صحيحة بواسطة معاهد متخصصة في دراسة الهايدروكربونات في دول آسيا الوسطى وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة. وقد أثارت تلك التوقعات زوبعة في أسواق النفط واعتقدت بعض المعسكرات المعادية للعرب أن منطقة الشرق الأوسط ستتقلص أهميتها في سوق الطاقة الدولي إذا استثمر نفط بحر قزوين وبسرعة. وهذا بالطبع لا يعني أن المنطقة ليست ذات أهمية نفطية، إذ تشير الاحتياطيات المكتشفة بالفعل حتى الآن أن المنطقة تحتوي على كميات متواضعة من النفط القابل للاستخراج يتراوح بين 18 و34 مليار برميل، وأن هناك احتمالات أن تتوفر المنطقة على احتياطات غير مكتشفة لتصل إلى 200 مليار برميل على أقصى تقدير. ولكن تلك الأرقام لا تكفي وحدها لأن تصبح المنطقة خليجًا آخرًا ولا تفسر ذلك التدافع المحموم من جانب الشركات الأمريكية والبريطانية على الاستثمار في نفط المنطقة. فمن جانب، لا تتجاوز تلك التقديرات في مجملها الاحتياطي المكتشف بالفعل في أي دولتين خليجيتين-باستبعاد السعودية التي تملك وحدها احتياطيًا يزيد على 240 مليار برميل. وحتى عام 2000 لم تتمكن الشركات العاملة في تطوير نفط بحر قزوين إلا من إنتاج 1.3 مليون برميل نفط يوميًا فقط، وهذا الرقم يقارب طاقة الإنتاج في دولة نفطية صغيرة من دول أوبك مثل الجزائر. وحتى التقديرات المتفائلة التي نشرتها وكالة الطاقة الدولية وصادقت عليها مصلحة الطاقة الأمريكية، وضعت لإنتاج المنطقة حوالي 4ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2010، وهذا المعدل الإنتاجي إذا تحقق فسوف يكون في حدود إنتاج دولة واحدة مثل الكويت أو الإمارات بحلول ذلك التاريخ. وفضلاً عن ذلك فإن هناك عقبة أساسية تعترض طريق تصدير النفط من بحر قزوين المغلق، وهي عدم وجود خطوط أنابيب تستوعب تصدير أكثر من 600 ألف برميل يوميًا حتى الآن، ويزيد من تعقيدات الأمر أن المسارات المتوقعة لخطوط الأنابيب المزمع إنشاؤها قريبًا لهذا الغرض سوف تكون باهظة التكلفة نظرًا لمعارضة الولايات المتحدة مرور هذه الخطوط بالأراضي الإيرانية التي تمثل الطريق الأقصر والأقل تكلفة للتصدير، وهو الأمر الذي سوف ينعكس بدوره على تكلفة إنتاج البرميل الواحد بحيث لا يمكن بحال مقارنته بنفط الخليج الذي لا يزيد تكلفة البرميل الواحد منه على دولارين. * كيف يمكن إذن تفسير الاندفاع الذي حدث باتجاه الاستثمار في نفط منطقة بحر قزوين؟ الاجابة تتمثل الإجابة-كما يؤكد أحد الخبراء- في النقاط التالية: ارتفاع أسعار النفط بعد الحظر على بغداد من خلال قدرة الأوبك على ضبط الإيقاع في السوق النفطية، مما شجع الاستثمار في اكتشافات بترولية في مناطق جديدة رغم المخاطر الاقتصادية الناتجة عن ذلك كما في منطقة كحوض بحر قزوين. أدت الثورة التكنولوجية إلى خفض مثير في تكلفة اكتشاف وتطوير حقول البترول في المناطق عالية التكلفة. وهو العامل الأهم أن الولايات المتحدة غلفت مطامعها السياسية في منطقة بحر قزوين بغلاف اقتصادي نفطي حتى تكون لها اليد العليا في منطقة وسط آسيا الاستراتيجية والتي كانت دومًا مسرحًا روسيًا خالصًا. حتى منتصف التسعينيات كانت معظم دول الأوبك متشبثة بسياسة غلق صناعاتها النفطية الوطنية أمام المستثمرين الأجانب الذين لم يجدوا بدًا-والحال هكذا- من اللجوء إلى منطقة بحر قزوين رغم كلفتها. غير أن هذا الإقبال على منطقة بحر قزوين التي تعتبر إيران لاعبًا أساسيًا فيها، اصطدم بالعلاقات المتوترة بين طهران وواشنطن حيث إن هذه الأخيرة، على اختلاف الإدارات المتعاقبة عليها، حظرت على الشركات النفطية التعامل مع إيران، مما تسبب في وسم السلوك الإيراني حيال دول الجوار-كما ظهر في الأزمة الأخيرة- بالحساسية المفرطة. والسؤال بالتالي: ما مستقبل الأوضاع في هذه المنطقة الاستراتيجية والقريبة جدًا من المنطقة العربية؟، وهل تتجه العلاقات بين أطرافها الفاعلة إلى التعاون أو إلى الصراع؟ الكويت ـ المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية: