بعد العملية المأساوية الكبيرة التي حدثت في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في نيويورك وواشنطن، فإن كافة الدلائل والمؤشرات تتجه نحو رغبة الإدارة الأمريكية في تصعيد الوضع إلى أقصى درجة في كافة أرجاء العالم، بحجة محاربة الإرهاب. ويقوم المسئولون الأمريكيون بتوزيع الاتهامات على العديد من الدول العربية والإسلامية، وعلى بعض الأشخاص العرب والمسلمين، وكان من بين المتهمين ركاب الطائرات المختطفة الذين اعتبرتهم الإدارة الأمريكية أنهم من ضمن قائمة الإرهابيين لكونهم عربًا ومسلمين فقط، وبعض المتهمين هم أسماء وهمية لا وجود لها، وبعضهم ادعت الإدارة الأمريكية عليهم أنهم كانوا ضمن المختطفين للطائرات، إلا أنه تبين بعد ذلك أنهم أحياء يرزقون ويعيشون في أوطانهم ولا علاقة لهم بالحوادث من قريب أو بعيد، ومنهم من هو كان متوفيًا منذ أكثر من عامين، ولكن كان الهم الأوحد للإدارة الأمريكية هو توجيه الاتهام لأي عربي أو مسلم فقط دون غيره. بناء على ذلك بدأت الإدارة الأمريكية بعد الجريمة مباشرة وقبل الانتهاء من التحقيقات، بالإعداد لحشد عالمي لإنشاء تحالف دولي لشن حرب ضد الإرهاب، أسوة بما فعلت عام 1992 عندما قامت بإنشاء تحالف دولي لضرب العراق بسبب احتلالها للكويت. لكن الفرق الجوهري بين ما قامت به في ذلك الوقت ضد العراق وما تحاول أن تقوم به الآن ضد الإرهاب كبير جدًا، وليس هناك وجه للمقارنة تستطيع من خلاله إقناع أي دولة في الدخول في هذا التحالف سوى بالتهديد والوعيد بالضرب لمن يرفض التعاون معها خصوصًا الدول العربية والإسلامية، وذلك برفع شعار من لم يكن مع هذا التحالف فهو مع الإرهاب الذي سيتم ضرب كل من يقف معه. ولتحديد أوجه المقارنة بين التحالفين فهي كما يلي: لقد كان التحالف الذي أقامته الإدارة الأمريكية عام 1992 هو لشن حرب محدودة، ومعروفة الهدف ضد العراق، والمكان والأرض التي ستكون عليها العمليات العسكرية، ونتيجة الحرب مضمونة مسبقًا في إطار هذه المعطيات، وكان من الممكن أيضًا تقدير المدة الزمنية المتوقعة لانتهاء هذه الحرب قبل نشوبها. إضافة إلى ما ذكر فكان المجال مفتوحًا لمن يرغب من دول العالم في المشاركة في هذا التحالف أم لا بدون تهديد. أما التحالف الذي تريده الإدارة الأمريكية حاليًا هو لشن حرب ضد الإرهاب بالمفهوم الأمريكي للإرهاب. فمن حيث الهدف، فهو غير محدد، وهناك اختلاف بين دول العالم في تعريف الإرهاب، وفي التفريق بين الإرهاب الحقيقي وبين النضال من أجل الحرية والاستقلال. ومن حيث المكان والأرض التي ستجري عليها العمليات العسكرية، فهي غير محددة، ويتم التركيز على أفغانستان التي يوجد بها أسامة بن لادن، وأحيانًا تُذكر العراق، ويتكهن البعض بكل من ليبيا والسودان وسوريا وإيران وحزب الله من ضمن المناطق التي سيتم ضربها، إضافة إلى أمنيات إسرائيل بأن يشمل الضرب لمناطق السلطة الفلسطينية، وما تفعله من تحريض مشين من أجل تحقيق هذه الأمنيات. أما من حيث المدة الزمنية المتوقعة لهذه الحرب ونتائجها فهي أيضًا غير معروفة، ومن الممكن أن تصبح حربًا توريطية كالمستنقع، لا يستطيع من شارك بها الخروج منها، لأن الإرهاب بالمفهوم الأمريكي والذي يختلف عن المفهوم الحقيقي للإرهاب، منتشر في كافة أنحاء العالم، سواء كان إرهابًا حقيقيًا أم نضالاً مشروعًا وله قواعد منتشرة في كل مكان بالعالم، وبعض المنظمات التي تصفها الإدارة الأمريكية بالإرهابية فإن قواعدها الرئيسية في دول أمريكا وأوروبا. من هنا فإنه في حالة ضرب أي مكان اعتبرته الإدارة الأمريكية معقلاً للإرهاب، سيؤدي إلى القيام بعمليات انتقامية ضد السفارات والرعايا والمراكز الأمريكية والدول المتحالفة معها في أي مكان آخر في العالم، مما سيزيد الأعمال الإرهابية، وخلق إرهابيين جدد بدلاً من القضاء على الإرهاب. كما أن التحريض المغرض ضد العرب والمسلمين بوصفهم إرهابيين، وشمولية ذلك للشعوب التي تناضل نضالاً مشروعًا من أجل حقوقها الوطنية في بلادها، سيؤدي إلى القيام بأعمال انتقامية في حالة تعرضها للضرب بحجة محاربة الإرهاب، خصوصًا عند مساواة المناضلين من أجل حقوقهم المشروعة بالإرهابيين الحقيقيين. لذا فإن النتيجة لهذه الحرب غير محسومة ولن تقضي على الإرهاب، بل ستزيده، وستبقى الحرب قائمة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي ستقوم بدور الآمر والناهي للدول المتحالفة معها، وسيكون دورها في العمليات العسكرية ميدانيًا هو استخدام الطائرات الحربية والأساطيل لسحق المناطق التي ترغب بسحقها في أي منطقة بالعالم باستخدام الأسلحة النووية والبيولوجية التي تملكها. وهنا فإننا نطرح سؤالاً جوهريًا وهو: هل الإدارة الأمريكية لا تدرك ذلك ؟! وهل يعقل أنها ستدخل حربًا بهذا المفهوم وهي غير معروفة النتائج بالنسبة لها ؟! . من المؤكد أن الإدارة الأمريكية تعرف كل ذلك وتدركه جيدًا، ولكن هذا هو ما تريده فعلاً أن يحدث في العالم، لكي تفرض سيطرتها الكاملة على من لايزال لا يخضع لسيطرتها باستخدام القوة العسكرية، وهذه هي الحرب العالمية الثالثة التي تخطط لها الإدارة الأمريكية بمفهومها، وهي متأكدة من نتائجها النهائية مسبقًا بأنها المنتصرة الوحيدة في هذه الحرب، وأن كافة دول العالم ستصبح خاضعة لها. لذا فإنه حتى لو تم تسليم أسامة بن لادن لها، فإنها لن تتوقف عن شن هذه الحرب التي تسميها ضد الإرهاب، وستخلق المبررات للاستمرار بها. من هنا يجب أن يدرك العالم أجمع عربًا ومسلمين ودول أوروبا وغيرهم، اللعبة الأمريكية التي تلعبها حاليًا بحجة القضاء على الإرهاب، مستغلة العملية الإجرامية التي حدثت عندها، والتي لم يُعرف المنفذون الحقيقيون لها ومَنْ وراءهم، ويبدو أنهم لن يُعرفوا نهائيًا !!. إذا لم يقف العالم عامةً متحدًا في مواجهة اللعبة الأمريكية، فسوف تنجح الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق هدفها في السيطرة على العالم، ولكنها لن تنجح في القضاء على إرادة الشعوب الحرة وسيبقى العنف والتطرف سائدًا وستنتصر في النهاية هذه الإرادة فقط بقدرة إلهية. المهندس حاتم أبو شعبان